حين يغدو الوفاء لفلسطين حراسةً للبنان قراءة في خطاب محمد رعد ومخاطبة الوجدان
د.عبدالله م.بدوي · 2026-05-22

يفتتح النائب محمد رعد نداءه بالبسملة والحمدلة والصلاة على النبي محمد وآله الطيبين الطاهرين وصحبه الأبرار المنتجبين. وليست هذه البداية مجرد استهلال ديني مألوف، بل هي العتبة الأولى التي يدخل منها الخطاب إلى عالمه المعنوي؛ عالم تتداخل فيه السياسة بالإيمان، والمقاومة بالرسالة، والصبر باليقين.
فالافتتاح الديني يضع الكلمة منذ لحظتها الأولى في أفق روحي وأخلاقي، لا في أفق سياسي مباشر فحسب. ومن هذه العتبة ينتقل رعد إلى تحديد طبيعة المخاطبة، فيقول إنه يتوجه إلى الناس مخاطبة “العقل والروح والقلب والمسؤولية”. وهذه العبارة تصلح مفتاحًا لقراءة النص كله؛ إذ لا يقدم رعد بيانًا سياسيًا جافًا، ولا توصيفًا عسكريًا باردًا، بل يحاول أن يستنهض الإنسان كاملًا: عقله كي يفهم الخطر، وروحه كي تتصل بالمعنى، وقلبه كي يصبر، ومسؤوليته كي تنهض بالفعل.
العقل حاضر في تشخيص الاحتلال والهيمنة والوصاية واستهداف القرار الوطني. والروح حاضرة في استدعاء كربلاء والإمام الحسين والشهادة والإيمان. والقلب حاضر في النداء المتكرر: “يا أهلنا”، “يا عوائل الشهداء”، “يا أهلنا الصابرون الشرفاء”. أما المسؤولية، فتظهر في الدعوة إلى الثبات ورفض الإخضاع وصون السيادة والوفاء لفلسطين.
ولا يمكن فصل الخطاب عن قائله. فمحمد رعد لا يتحدث هنا بصفته نائبًا فحسب، ولا بصفته رئيس كتلة الوفاء للمقاومة فقط، بل من موقع أوسع: موقع الرجل الذي ينتمي إلى الجيل المؤسس في مسيرة المقاومة الإسلامية، والوجه السياسي الذي رافق تحولها من فعل ميداني إلى حضور وطني ومؤسساتي، ووالد الشهيد عباس محمد رعد، المعروف بـ“سراج”. لذلك حين يتحدث عن الصبر لا تبدو الكلمة مستعارة، وحين يتحدث عن الشهداء لا يبدو كمن يخاطب عائلات بعيدة عن تجربته، بل كمن يعرف معنى أن يقدّم البيت بعضًا من دمه في الطريق الذي يؤمن به.
من هنا، تتحول الكلمة إلى شهادة مزدوجة: شهادة سياسي مقاوم يعرف معنى الصراع، وشهادة والد شهيد يعرف معنى الفقد حين يصير عهدًا لا ذكرى فقط. ولهذا أيضًا لا يخاطب رعد الناس من فوقهم، بل من داخلهم؛ من داخل البيئة، والذاكرة، والتجربة، والوجدان.
ومن أبرز مفاتيح هذا الوجدان تكرار عبارة “يا أهلنا”. ليست هذه العبارة تفصيلًا لغويًا، بل روح الخطاب كله. فالكلمة التي تبدأ بهذا النداء لا تتوجه إلى جمهور غريب أو انتخابي، بل إلى أهل، إلى بيت واسع، إلى جماعة مصير. وفي هذا النداء تلغى المسافة بين القيادة والناس؛ فلا يعود المتكلم فوق المخاطبين، ولا يعود المخاطبون مجرد متلقين، بل يصبح الجميع في دائرة واحدة: دائرة الانتماء والصبر والمسؤولية.
ولذلك يقول رعد: “نحن أبناؤكم وإخوانكم”. بهذه الجملة تنقلب العلاقة التقليدية بين القيادة والجمهور. فالمقاومة لا تقدم نفسها كسلطة على البيئة، بل كابنة لها؛ نشأت في أحضانها، وتربّت على قيمها، وحملت إرادتها. فالناس، في هذا الخطاب، ليسوا مجرد مؤيدين للمقاومة، بل هم أصلها الاجتماعي، ومصدر صبرها وشرعيتها. والمقاومون ليسوا منفصلين عن البيوت، بل خرجوا منها. والسلاح، في منطق النص، ليس جسمًا غريبًا عن البيئة، بل ثمرة إرادة شعبية ترى في المقاومة دفاعًا عن الكرامة والسيادة.
هكذا يغدو الجمهور بطل الخطاب الحقيقي. يتكرر ضمير “أنتم” بكثافة لافتة: “أنتم المضحّون الصابرون الشرفاء”، “أنتم عناوين العز والإباء والكرامة الإنسانية”، “أنتم أهل وبيئة المجاهدين المقاومين الأبطال”، “أنتم معيار صدق الالتزام الوطني والرسالي والإنساني المسؤول بالموقف والخيار”. هذا ليس مديحًا عابرًا، بل بناء لصورة معنوية كبرى. الجمهور هنا لا يُعرَّف بوصفه متضررًا من الحرب فقط، بل بوصفه صاحب دور؛ لا يراه الخطاب ضحية مجردة، بل شريكًا في المعركة.
وفي ذلك تكمن إحدى وظائف الخطاب العميقة: إعادة تسمية المعاناة. فحين تُهدم البيوت، ويُهجّر الناس، ويتهددهم القتل والإخلاء والتفجير، يأتي الخطاب ليمنح هذه المعاناة معنى آخر: أن الاستهداف ليس لأن الناس ضعفاء، بل لأنهم يشكلون قوة؛ وأن الحرب عليهم ليست بسبب هامشيتهم، بل بسبب موقعهم في معادلة الصراع.
ويبلغ الخطاب ذروة معنوية حين يتحدث عن فلسطين. يقول رعد إن من فخر هذه البيئة “صدق نصرتكم لقضية فلسطين” وثبات موقفها ضد الاحتلال الصهيوني وكيانه العنصري. هنا لا تُذكر فلسطين كشعار خارجي أو قضية بعيدة، بل كمعيار أخلاقي يكشف جوهر الالتزام. فلسطين في هذا الخطاب ليست جغرافيا فقط، بل بوصلة؛ إنها الامتحان الذي تظهر فيه حقيقة المواقف. من ينصر فلسطين بصدق لا ينصر أرضًا محتلة فحسب، بل ينصر فكرة الحق في مواجهة القوة، والكرامة في مواجهة الإذلال، والإنسان في مواجهة آلة القتل والاقتلاع.
غير أن حضور فلسطين لا يلغي لبنان، بل يضيئه. فالوفاء لفلسطين، في منطق الخطاب، ليس خروجًا من الوطنية اللبنانية، بل أحد وجوهها العميقة. إن نصرة فلسطين ليست ابتعادًا عن لبنان، بل دفاع مسبق عنه؛ لأن المشروع الذي يهدد فلسطين هو نفسه المشروع الذي يهدد لبنان والمنطقة والسيادة والقرار الحر. ومن هنا تتضح دلالة العنوان: حين يغدو الوفاء لفلسطين حراسةً للبنان.
لذلك تتكرر في الكلمة مفردات السيادة، الاستقلال، القرار الوطني، الكرامة، الأمن، العيش الواحد، ورفض الخضوع. ويريد رعد أن يقول إن المقاومة ليست نقيض الدولة والوطن، بل، في رؤيتها لنفسها، درع السيادة حين تُهدد، وحاجز أمام الاحتلال حين يتمدد، وسدّ أمام الهيمنة حين تحاول فرض شروطها. ومن هنا يصف أهل المقاومة بأنهم “عمود خيمة الوطن”؛ وهي عبارة تختصر تصورًا كاملًا: أن هذه البيئة ليست طرفًا زائدًا على لبنان، بل ركن من أركان ثباته.
وحين يستحضر رعد الإمام الحسين وصرخة كربلاء، فهو لا يفعل ذلك لإضفاء زخرفة دينية على النص. كربلاء هنا ليست ذكرى بعيدة، بل خزان معنى. إنها اللغة التي تفهم بها هذه البيئة معنى الثبات أمام القوة، ومعنى الشهادة، ومعنى أن يكون الحق أغلى من السلامة، والكرامة أرفع من النجاة الفردية. بهذه الإحالة، لا تعود المعركة مجرد مواجهة عسكرية، بل امتحانًا بين الخضوع والثبات، بين الذل والكرامة، بين الذاكرة التي تأبى الانكسار والحاضر الذي يحاول فرض الاستسلام.
وفي السياق نفسه، يربط رعد المخاطبين بسماحة الشهيد السيد حسن نصرالله وبالإمام المغيّب السيد موسى الصدر. وهذا الجمع بالغ الدلالة؛ فهو لا يخاطب جمهور حزب الله وحده، ولا يتحرك داخل ذاكرة حزبية ضيقة، بل يستدعي ذاكرة أوسع للبيئة المقاومة في لبنان. الإمام موسى الصدر يمثل نهضة المحرومين واستنهاض الإنسان وربط الكرامة الاجتماعية بالكرامة الوطنية، والسيد حسن نصرالله يمثل عنوان التحرير والصمود والمواجهة وبناء معادلات الردع. وبين الرمزين تتصل مراحل الوعي والمقاومة: من رفع الحرمان إلى حمل المقاومة، ومن بناء الإنسان إلى حماية السيادة.
وحين يقول رعد: “نحن أبناؤكم وإخوانكم في حزب الله والمقاومة الإسلامية، وأبناؤكم وإخوانكم في حركة أمل”، فهو يذهب أبعد من المجاملة السياسية. إنه يكرس وحدة البيئة ووحدة المصير ووحدة الدم. وفي هذا السياق تستعيد الذاكرة عبارته اللافتة التي قالها في 13 شباط/فبراير 2024، وهو يواسي والدة الشهيد في حركة أمل حسن فروخ: “أنا صحيح من حزب الله بس أنا قلبي أمل. نحن في صف واحد، وعدونا واحد، ومصيرنا واحد، ووحدة الصف بين الحزبين هي شوكة في عين العدو.” هذه العبارة، ببساطتها الشعبية، تقول الكثير؛ فهي تثبت الانتماء التنظيمي، لكنها تفتحه على وحدة القلب والذاكرة والبيئة.
ومن أهم أفكار الخطاب أن إرادة المقاومين هي امتداد لإرادة الناس، وأن سلاح المقاومة الذي تحركه هذه الإرادة يشكل المانع الحقيقي أمام تثبيت الاحتلال واستقراره وهيمنته. المقاومة هنا لا تُقدَّم كجهاز عسكري منفصل عن المجتمع، بل كإرادة اجتماعية متجسدة. الناس ليسوا خلفية للمقاومة، بل أصلها. البيوت ليست محيطًا خارجيًا للميدان، بل مهد الرجال الذين يذهبون إليه. والأمهات والآباء والعائلات ليست هامشًا في المعركة، بل روحها الصابرة.
ولهذا يقدّم الخطاب العدو بوصفه مشروعًا لا مجرد قوة عسكرية. فالعدو، في النص، يهدم ويهجّر ويهدد ويبتز، لكنه قبل ذلك وبعده يريد كسر الإرادة. يريد أن يصل إلى داخل الإنسان، لا إلى أرضه فقط؛ أن يجعل الخوف أكبر من القناعة، والخسارة أكبر من المعنى، والتعب أكبر من الوفاء.
غير أن رعد لا يقف عند فضح العدو المباشر، بل يوسّع دائرة الكشف إلى الأدوات والامتدادات التي تتحرك في خدمة مشروع الإخضاع. لذلك يتحدث عن قوى تتوزع الأدوار “دوليًّا وإقليميًّا ومحلّيًا” من أجل “ليّ ذراعكم وفرض الإخضاع والاستسلام عليكم”. وهنا ينتقل الخطاب من توصيف العدوان العسكري إلى فضح منظومة الضغط بأكملها: من يقصف ويدمّر، ومن يغطّي سياسيًا، ومن يبتز اقتصاديًا، ومن يشيع ثقافة الاستسلام في الداخل تحت عناوين الواقعية أو الخوف أو المصلحة.
وفي هذا الموضع يكتسب الخطاب بعدًا كاشفًا. فهو لا يحوّل الخلاف السياسي إلى تخوين شامل، لكنه يضع الإصبع على وظيفة خطيرة لبعض الأصوات حين تتحول، في لحظة الحرب، إلى صدى لمطلب العدو: الضغط على بيئة المقاومة كي تتخلى عن إرادتها. لذلك يصبح فضح هذه الأدوات جزءًا من معركة الوعي، لا مجرد سجال سياسي. فالحرب، كما يراها الخطاب، لا تُدار بالنار وحدها، بل بإنتاج الخوف، وتزييف الوعي، وعزل الناس عن مقاومتهم، وتصوير الصمود بوصفه عبئًا بدل أن يكون شرطًا للسيادة.
ومن هنا يصبح الخطاب نفسه جزءًا من المعركة: إنه لا يطلق النار، لكنه يحرس المعنى؛ لا يرمم البيوت، لكنه يرمم القدرة على احتمال سقوطها من دون سقوط الإرادة؛ ولا يكتفي بتسمية العدو، بل يكشف البيئة السياسية والنفسية التي تساعده على تحقيق ما عجزت عنه آلة الحرب وحدها.
وتختصر عبارة “نصبر ونصمد.. نألم ونؤلم” جوهر الخطاب كله. فيها اعتراف بالألم من دون انكسار، وإقرار بالكلفة من دون تراجع، وإعلان بأن الصبر ليس سكونًا، بل فعل مقاومة. “نألم” تعني أن الخطاب لا ينكر الخسارة، ولا يطلب من الناس أن يتظاهروا بأنهم فوق الجراح. لكنه يضيف: “ونؤلم”، أي إن الألم لا يسير في اتجاه واحد، وإن من يتلقى الضربة لا يزال قادرًا على الرد، وإن من يصبر لا يعني أنه سلّم، بل اختار أن يحوّل صبره إلى قوة.
من هنا أيضًا تبدو لغة رعد، بما فيها من مفردات الكرامة والشرف والصبر والوفاء والعهد والنصرة، لغة تحصين لا مديح فقط. حين يصف الناس بأنهم شرفاء وصابرون وأوفياء، فهو لا يكتفي بتمجيدهم، بل يرسم لهم الصورة التي ينبغي أن يبقوا أوفياء لها. المديح هنا يتحول إلى مسؤولية؛ فمن يُقال له إنه عنوان العز، يصعب عليه أن يقبل الذل، ومن يُقال له إنه عمود خيمة الوطن، يصعب عليه أن يرى نفسه تفصيلًا هامشيًا.
في المحصلة، نحن أمام خطاب لا يكتفي بوصف المعركة، بل يحاول أن يحرس معناها. خطاب يدرك أن الحروب لا تُخاض بالنار وحدها، بل بالوعي أيضًا؛ وأن المجتمعات لا تُهزم فقط حين تخسر بيوتًا أو طرقًا أو قرى، بل حين تخسر ثقتها بنفسها ومعنى تضحياتها.
محمد رعد في هذه الكلمة يخاطب الوجدان المقاوم من موقع يجمع الذاكرة والمسؤولية والفقد. هو من الجيل الذي رافق التأسيس، ومن الموقع السياسي الذي حمل صوت المقاومة في الدولة، ومن البيت الذي قدّم شهيدًا. لذلك لا تبدو كلمته خطابًا صادرًا من وراء التجربة، بل من قلبها.
إنه يقول لأهل المقاومة إنهم ليسوا هامش المعركة، بل قلبها. وإنهم ليسوا مجرد بيئة تؤيد، بل إرادة تصنع. وإن فلسطين التي نُصرت بصدق ليست بعيدة عن لبنان الذي يُراد له أن يُصان. فحين يكون الوفاء لفلسطين وفاءً للحق، يصبح في الوقت نفسه حراسةً للبنان من منطق الاحتلال والهيمنة.
بهذا المعنى، يغدو الخطاب نداءً إلى الذاكرة كي لا تنسى، وإلى القلب كي لا يضعف، وإلى العقل كي لا يُخدع، وإلى المسؤولية كي لا تتراجع. إنه خطاب يقول، بلغة الوجدان قبل السياسة، إن السيادة لا تُصان إلا بأهلها، وإن فلسطين لا تُنصر إلا بالصدق، وإن المقاومة لا تبقى إلا حين يبقى معناها حيًا في الناس.