الإنسان والقيم في خطاب السيد حسن نصر الله قراءة تحليلية في جدلية سلطة القيم وإغراء المنفعة

د. عبد الله م. بدوي · 2026-07-31

Abstract

This article examines the human being and values in the discourse of Sayyed Hassan Nasrallah by analyzing the relationship between normative values and individual and political utility. It applies conceptual, thematic, and contextual analysis to ethical lectures, Ashura speeches, and political addresses. The article argues that the discourse does not reject interest itself but distinguishes legitimate interest, regulated by dignity, justice, and responsibility, from utility that becomes temptation when it justifies fear, greed, or abandonment of duty. It concludes that the human being is represented as a willing and accountable agent, while political realism shapes means and timing without automatically replacing declared moral ends.

المقدمة

يشكل التوتر بين القيم والمصالح إحدى المسائل المركزية في الفلسفة الأخلاقية والفكر السياسي؛ فالإنسان لا يعيش خارج حاجاته ورغباته ومخاوفه، كما لا يستطيع بناء حياته المشتركة من دون معايير تتيح له التمييز بين ما يحقق منفعة وما يعده حقًا أو واجبًا. وتزداد حدة هذا التوتر في ظروف الحرب والاحتلال والتهديد السياسي، حين يقترن الالتزام بالمبدأ بكلفة مادية أو بشرية، وتغدو المصلحة القريبة قادرة على مزاحمة الواجب أو إعادة تفسيره.

غير أن بناء المسألة على تعارض مطلق بين القيمة والمنفعة يؤدي إلى تبسيطها؛ فالمنفعة قد تتمثل في حفظ النفس، وصيانة المجتمع، وتقليل الخسائر، وتحصيل القوة، وتحسين شروط الحياة. وهذه مصالح لا تقع في الأصل خارج المجال الأخلاقي. كما أن الالتزام بالقيمة لا يعني إهمال النتائج الواقعية أو تعطيل العقل العملي. ولذلك لا ينحصر السؤال في الاختيار بين قيمة لا تبالي بالعواقب ومنفعة متحررة من الضوابط، بل يتعلق بالمرجعية التي ترتب المصالح، وتحدد مشروعيتها، وتضبط وسائل تحصيلها.

تقدم خطب السيد حسن نصر الله ومحاضراته ومقابلاته مادة مناسبة لدراسة هذه المسألة؛ لأنها تجمع بين الوعظ الأخلاقي، والتأصيل الديني، وبناء الهوية الجماعية، والخطاب السياسي، وإدارة الصراع. ولا يعني ذلك أن كل عبارة خطابية تمثل نظرية فلسفية مكتملة، أو أن النصوص الصادرة في سياقات متباينة تحمل الوظيفة نفسها. إنما تفترض الدراسة إمكان إعادة بناء الروابط المتكررة بين مفاهيم الإنسان، والإرادة، والتكليف، والكرامة، والتضحية، والمصلحة، من خلال استقراء النصوص ومقارنتها بسياقاتها.

وتتمثل إشكالية البحث في أن الدراسات التي تناولت السيد حسن نصر الله وحزب الله ركزت في الغالب على الأيديولوجيا السياسية، والاتصال الجماهيري، والمقاومة، والشهادة، والهوية، والتحولات التنظيمية. أما الدراسات التي اهتمت بالقيم الأخلاقية، فقد اتجه قسم منها إلى استخراج الفضائل وتصنيفها، من غير أن يبحث بصورة كافية في نوع الإنسان الذي تفترضه تلك القيم، أو في آليات انتقالها من المجال الوعظي إلى الفعل السياسي، أو في حالات التوتر بين ثبات المبدأ ومتطلبات المصلحة.

ومن هنا يطرح البحث السؤال الرئيس الآتي: كيف تتشكل صورة الإنسان في خطاب السيد حسن نصر الله من خلال العلاقة بين سلطة القيم وضغوط المنفعة، وكيف تنتظم الصلة بين الواجب الأخلاقي والمصلحة الفردية والجماعية في خطابه؟

ويتفرع من هذا السؤال عدد من الأسئلة:

أ. ما الأسس التي تقوم عليها مسؤولية الإنسان وحريته في الخطاب المدروس؟

ب. ما المقصود بسلطة القيم، وكيف تتحول القيمة من معرفة أو موعظة إلى باعث على الفعل؟

ج. كيف يميز الخطاب بين المصلحة المشروعة والمنفعة التي تتحول إلى خوف أو طمع أو انتهازية؟

د. هل تؤدي الواقعية السياسية إلى تعديل الوسائل والتوقيت، أم تمتد إلى إعادة تفسير الغايات؟

هـ. كيف تنتقل قيم الصبر والوفاء والكرامة والتضحية من تكوين الفرد إلى بناء الجماعة والموقف السياسي؟

ينطلق البحث من فرضية مفادها أن الخطاب المدروس لا يرفض المنفعة والمصلحة في ذاتهما، وإنما يعيد ترتيبهما ضمن مرجعية قيمية تجعل الحق والعدل والكرامة والتكليف محددات لمشروعية المصلحة. ويفترض كذلك أن المرونة السياسية تظهر أساسًا في مجال الوسائل والتوقيت والموازنة بين النتائج، من دون أن يعني ذلك تلقائيًا التخلي عن الغايات المعلنة. وتبقى هذه الفرضية موضوعًا للاختبار، ولا تعتمد نتيجة قبل تحليل النصوص.

ولا يسعى البحث إلى تقديم حكم شامل على جميع ممارسات حزب الله السياسية والعسكرية، ولا إلى إثبات التطابق بين الخطاب والممارسة في المراحل كافة. كما لا يفترض أن أقوال السيد حسن نصر الله، والوثائق الرسمية للحزب، والموروث الأخلاقي الإسلامي، وممارسات المؤسسة تمثل مستوى واحدًا. ينصب التحليل أساسًا على النصوص المنسوبة إليه مباشرة، بينما تستعمل الدراسات والوثائق المؤسسية لتوضيح السياق ومناقشة التفسيرات.

أولًا: الدراسات السابقة والفجوة البحثية

1. الاتجاه الأخلاقي

ينتمي إلى هذا الاتجاه بحث خضر محمد مرعي: «القيم الأخلاقية في خطاب السيد حسن نصر الله»، الذي تناول قيمًا مثل التقوى، والصبر، والعدل، والصدق، والوفاء، والإنفاق، وعدم التعلق بالدنيا.[2] وتكمن أهميته في لفت الانتباه إلى أن خطاب السيد نصر الله لا يقتصر على الموضوعات السياسية والعسكرية، بل يتضمن مادة أخلاقية وتربوية واسعة.

غير أن هذه المقاربة بقيت أقرب إلى استخراج القيم وتصنيفها منها إلى إعادة بناء تصور متكامل للإنسان أو تفسير العلاقة بين القيمة والمصلحة. فوجود لفظ الصبر أو الوفاء في الخطاب لا يثبت وحده نوع السلطة التي تمارسها القيمة، ولا يبين ما يحدث حين يتعارض الالتزام بها مع السلامة أو الموقع أو المكسب السياسي.

2. اتجاه الأخلاق والهوية والذاكرة

قدمت دراسة بشير سعادة (Bashir Saade) عن خطابات عاشوراء مقاربة أكثر تركيبًا؛ إذ انتقدت الفصل الحاد بين الأخلاق والهوية، والعقل والعاطفة، والدين والسياسة. وبيّنت أن الحجج العقلية في الخطاب العاشورائي تتداخل مع تنمية المشاعر والوعي والذاكرة، بما يسهم في تكوين الممارسة الأخلاقية والفعل الجماعي.[3]

كما درس سعادة في كتابه Hizbullah and the Politics of Remembrance علاقة الذاكرة والشهادة والمقاومة ببناء تصور التاريخ والهوية. وتفيد هذه المقاربة في بيان أن القيمة لا تنتقل إلى الإنسان من خلال التعريف العقلي وحده، بل عبر الرمز والقدوة والذكرى الجماعية.[4]

إلا أن هذا الاتجاه يركز على الذاكرة والهوية والإنتاج الثقافي أكثر من تركيزه على التوتر بين الواجب والمنفعة في عملية الاختيار.

3. اتجاه تحليل الخطاب والاتصال السياسي

حلل المصطفى الهلالي (El Mustapha Lahlali) الوظيفة الأيديولوجية للتكرار في خطابين للسيد حسن نصر الله خلال حرب تموز وما بعدها، وبيّن دور التكرار والتسمية والمدح في بناء الأمل والوحدة وصورة الجمهور المقاوم.[5]

وتناولت دينا مطر (Dina Matar)، في فصلها عن موقع السيد حسن نصر الله في استراتيجية الاتصال السياسي، علاقة الحضور القيادي واللغة والصورة ببناء الشرعية وتوسيع دائرة الجمهور.[6]

تكشف هذه الدراسات وظائف الخطاب في التأثير والتعبئة، لكنها لا تحسم ما إذا كانت القيم تؤدي وظيفة معيارية مستقلة نسبيًا، أم تستخدم فقط بوصفها أدوات لتعبئة الجمهور. وهذه إحدى المسائل التي يتناولها البحث الحالي.

4. الاتجاه السياسي والأيديولوجي

بحثت أمل سعد غريب (Amal Saad-Ghorayeb) العلاقة بين الدين والسياسة والجهاد والشهادة والاندماج في النظام اللبناني، وكيف يجمع حزب الله بين الهوية الإسلامية والانتماء الوطني.[7]

وتتبع جوزف ألاغا (Joseph Elie Alagha) انتقال الحزب بين الأيديولوجيا الدينية، والأيديولوجيا السياسية، والبرنامج العملي، مبينًا إعادة توزيع التأكيد بين هذه المستويات مع تغير المراحل.[8]

كما حللت مريم فريدة (Mariam Farida) استعمال مفاهيم التكليف الشرعي، والاجتهاد، والفتوى، والبراغماتية السياسية، اعتمادًا على عينة من خطابات السيد حسن نصر الله بين عامي 2000 و2013.[9]

تكمن أهمية هذا الاتجاه في أنه يضع الخطاب القيمي داخل التحولات السياسية الواقعية، لكنه لا يجعل مفهوم الإنسان وسلطة القيم محورًا مستقلًا للتحليل.

وتتمثل إضافة البحث الحالي في الجمع بين هذه الاتجاهات ضمن سؤال واحد: كيف يبنى الإنسان القادر على تقديم القيمة على بعض المنافع، وكيف تعاد في الوقت نفسه صياغة المصلحة بحيث لا تكون نقيضًا للقيمة؟ وبذلك لا يكتفي البحث بإحصاء الفضائل، ولا يختزلها إلى أدوات تعبئة، بل يدرس الفاعل الأخلاقي الذي تخاطبه، والضغوط التي تختبرها، والحدود التي تفصل المصلحة المشروعة عن الانتهازية.

ثانيًا: المنهج والعينة وحدود الاستنتاج

1. المنهج

يعتمد البحث منهجًا تحليليًا نوعيًا يجمع بين أربعة مستويات:

أ. التحليل المفاهيمي: يستخدم لضبط مفاهيم الإنسان، والقيمة، والحرية، والتكليف، والمنفعة، والمصلحة، والنفعية، والواقعية السياسية، ومنع استعمالها بمعانٍ متداخلة.

ب. التحليل الموضوعاتي: تصنف المقاطع النصية في موضوعات متكررة، أهمها: الإرادة وحرية الاختيار، الإيمان والعمل، النفس والهوى، الخوف والطمع، الكرامة والعزة، الصبر والثبات، الصدق والوفاء، التضحية والشهادة، المصلحة والنتيجة، والمرونة في الوسائل والتوقيت.

ج. التحليل السياقي: لا تفصل العبارة عن نوع الخطاب ومناسبته والجمهور المخاطب. فالحديث عن التضحية في مجلس عاشورائي لا يؤدي بالضرورة الوظيفة نفسها التي يؤديها في خطاب سياسي أثناء الحرب، كما أن معالجة المصلحة في محاضرة أخلاقية تختلف في درجة تفصيلها عن معالجتها في مقابلة سياسية.

د. المقارنة المحدودة: تستخدم مفاهيم أخلاق الواجب، وأخلاق الفضيلة، والعواقبية بوصفها أدوات تفسير، لا بوصفها قوالب جاهزة يجبر الخطاب على الانتماء إليها. كما يرجع مفهوم المصلحة إلى السياق الأخلاقي الإسلامي، حتى لا يساوى مباشرة بالنفعية الفلسفية الحديثة.

2. العينة النصية

تتكون العينة الرئيسة من أربع وحدات نصية مؤرخة تمثل أنماطًا دينية وعاشورائية وسياسية، ويبين الجدول الآتي بياناتها ووظيفتها التحليلية:

مالنص المختارالنوع والتاريخالمرجع المحددالمفهوم المحلل
1«حقيقة الدعاء ومقتضيات القبول والاستجابة»خطبة دينية
9 تموز 2015
شبكة المعارف الإسلامية؛ نسخة إلكترونية غير مرقمةالإرادة، العمل، حرية الاختيار، العلاقة بين الدعاء والسعي
2كلمة الليلة السابعة من محرّم 1437هـخطاب عاشورائي
20 تشرين الأول 2015
شبكة المعارف الإسلامية؛ نسخة إلكترونية غير مرقمةأفق المنفعة، الدنيا والآخرة، التخطيط والاستعداد
3كلمة مهرجان النبي شيتخطاب سياسي تعبوي
9 حزيران 2000
«معارف الإسلام»، ص 380-381ترتيب الغايات، موقع التنظيم والمال والعمل السياسي
4«سر الانتصار» من كلمة مهرجان الانتصار الإلهيخطاب سياسي
22 أيلول 2006
شبكة المعارف الإسلامية؛ نسخة إلكترونية غير مرقمةالجمع بين الإيمان والعقل والتخطيط والأخذ بالأسباب

وتستخدم مجموعات «كلمات في الأخلاق الإسلامية»، و«كلمات في تربية الشخصية الإسلامية»، و«كلمات في المفاهيم الإسلامية»، و«كلمات في الثورة الحسينية»، إلى جانب Voice of Hezbollah، مصادر مساندة للمقارنة المفاهيمية والزمنية، ولا تعامل بوصفها وحدات تحليل متجانسة أو بديلًا من النصوص المؤرخة.[10]

3. وحدة التحليل

وحدة التحليل هي المقطع الدلالي المكتمل الذي يتضمن موقفًا من الإنسان أو القيمة أو المصلحة، وقد يكون فقرة أو مجموعة فقرات مترابطة. ولا يعتمد تكرار المفردة وحده دليلًا على مركزية المفهوم؛ فقد يرد معنى الكرامة أو المنفعة من دون استعمال اللفظ نفسه.

4. معايير اختيار المادة

اختيرت المقاطع وفق المعايير الآتية:

أ. أن تتضمن تصريحًا مباشرًا أو دلالة واضحة تتصل بصورة الإنسان أو معيار الفعل.

ب. أن تمثل أكثر من نوع خطابي، منعًا لاختزال الخطاب في المحاضرة الوعظية أو الموقف السياسي.

ج. أن تتكرر دلالتها في أكثر من نص أو سياق.

د. أن تسمح بدراسة حالة يتعرض فيها الالتزام القيمي لاختبار الخوف أو الطمع أو الكلفة أو حساب النتائج.

5. حدود الاستنتاج

لا ينسب البحث تصورًا مستقرًا إلى السيد حسن نصر الله استنادًا إلى عبارة منفردة، بل يشترط تكرار المعنى وإمكان ربطه بمفاهيم أخرى داخل الخطاب. كما يميز بين ثلاثة مستويات:

أ. ما يعلنه الخطاب بوصفه معيارًا.

ب. كيفية توظيف المعيار في بناء الهوية والموقف.

ج. مدى تحقق المعيار في الممارسة السياسية.

وينصب البحث بصورة أساسية على المستويين الأول والثاني، بينما يتناول المستوى الثالث ضمن حدود الحالات التي تسمح بها المادة، من غير ادعاء تقويم تاريخي شامل.

ثالثًا: الضبط المفاهيمي

1. الإنسان

يقصد بالإنسان الفاعل الواعي القادر على الفهم والاختيار وتحمل المسؤولية. ولا يعني ذلك أنه مستقل عن حاجاته وظروفه، بل إنه يستطيع، ضمن حدود قدرته، إعادة ترتيب دوافعه، وقبول بعض التكاليف انطلاقًا من معنى يراه أعلى من المنفعة المباشرة.

2. القيمة

القيمة مبدأ معياري يتيح الحكم على الفعل والنية والغاية، ويقدم للإنسان سببًا للقيام بالفعل أو الامتناع عنه. فالصدق لا يكون قيمة لمجرد مدح المجتمع له، بل لأنه يقدم بوصفه جديرًا بالالتزام، بما في ذلك الحالات التي قد يحقق فيها الكذب منفعة قريبة.

3. سلطة القيم

لا تعني سلطة القيم إكراهًا ماديًا أو قانونيًا، بل القوة المعيارية التي تمارسها المبادئ على وعي الإنسان وقراره. ويمكن الكشف عنها من خلال مؤشرات، منها: تقديم الواجب على السلامة أو المكسب المباشر، ورفض المنفعة المتحصلة من الظلم أو الخيانة، وقبول كلفة الالتزام بالمبدأ، وإخضاع الوسيلة لضابط أخلاقي، وإعادة تعريف النجاح بحيث لا يساوي النتيجة المادية وحدها، وحاجة الفاعل إلى تبرير مخالفته للقيمة عندما تقع.

4. المنفعة والمصلحة

المنفعة هي الفائدة المتوقعة من الفعل، وقد تكون مادية أو نفسية أو سياسية أو اجتماعية. ولا تحمل حكمًا أخلاقيًا سلبيًا في ذاتها. أما المصلحة فهي منفعة يجري تقويمها ضمن شبكة أوسع من الحقوق والواجبات والنتائج. ولذلك لا تساوي كل فائدة مصلحة معتبرة؛ فقد يحقق فعل منفعة لجماعة، لكنه يعتدي على حق أو ينتج مفسدة أكبر.

5. المصلحة في البناء الأصولي الإسلامي

لا تساوي المصلحة في البناء الأصولي الإسلامي كل منفعة محسوسة أو عاجلة؛ إذ يجري تقويمها ضمن مرجعية الشرع ومقاصده، وبالنظر إلى حقوق الإنسان والآخرين وإلى ما يترتب على الفعل من مصالح ومفاسد. ولهذا قد تكون الفائدة متحققة لفرد أو جماعة، من غير أن ترتقي إلى مصلحة معتبرة إذا استلزمت ظلمًا أو أفضت إلى مفسدة أرجح.

يميز العز بن عبد السلام بين مصالح الدنيا والآخرة، ويصنف المصالح والمفاسد بحسب مراتبها، ثم يجعل الترجيح لازمًا عندما يتعذر الجمع بين تحصيل المصلحة ودرء المفسدة. ويضع الشاطبي الضروريات في أصل البناء المقاصدي، ثم يربط بها الحاجيات والتحسينيات، بحيث تخدم المراتب الأدنى المقاصد الأعلى ولا تنقضها.[11]

وعليه، فإن المقارنة بالنفعية الحديثة مقارنة تفسيرية لا مساواة بين نظامين؛ فالموازنة الأصولية تراعي النتائج، لكنها لا تجعل كل نتيجة مرغوبة مصدرًا وحيدًا للحكم، بل تزنها ضمن مرجعية سابقة عليها وحدود تتصل بالحق والعدل والمقصد.

6. النفعية

النفعية نظرية أخلاقية عواقبية تجعل النتائج المترتبة على الفعل، ولا سيما السعادة أو الرفاه، أساسًا للحكم على صوابه. ولا ينسب البحث إلى السيد حسن نصر الله مناقشة مباشرة لهذه النظرية، بل يستخدمها أداة مقارنة لتوضيح الفرق بين مراعاة النتائج وجعلها المصدر الوحيد للمعيار الأخلاقي.[12]

7. إغراء المنفعة

يقصد بإغراء المنفعة انتقال المصلحة الجزئية من كونها اعتبارًا مشروعًا إلى قوة تزاحم المعيار الأخلاقي أو تعيد تعريفه؛ كأن يصبح حفظ الموقع أو المال أو السلامة الشخصية مسوغًا لترك الواجب أو تبرير الظلم أو خيانة الأمانة.

8. الجدلية

لا يراد بالجدلية وجود تعارض ثابت ونهائي بين القيمة والمنفعة، بل علاقة التوتر والتفاعل وإعادة الترتيب. فالقيمة تضبط المصالح، بينما تفرض الظروف الواقعية على الفاعل تحديد الوسيلة والتوقيت ودرجة الكلفة. ومن ثم لا تكون العلاقة دائمًا علاقة إلغاء، بل قد تكون علاقة تنظيم وترجيح.

رابعًا: الإنسان المريد والمكلف

1. العمل والمسؤولية

تكشف خطبة ليلة القدر في 9 تموز 2015 عن أساس مركزي في تصور الإنسان، يتمثل في رفض الفصل بين الأمل والعمل، وبين الدعاء والسعي، وبين الإيمان وتحمل المسؤولية. فالإنسان يملك حاجات ورغبات وآمالًا، غير أن طريقه إلى تحقيقها هو أن يعمل ويسعى ويجتهد.

ويذكر الخطاب أن الله منح الإنسان العقل والمعرفة والعلم والإرادة وحرية الاختيار، ومكنه من الاستفادة من تجارب البشر، ثم جعله مسؤولًا عن استعمال هذه الإمكانات.[13] ولا يقدم الدعاء بديلًا من العمل، بل عنصرًا مواكبًا له؛ إذ يقرر الخطاب أن الدعاء يكون قبل العمل ومعه وبعده، لكنه لا يغني عنه.

تتجلى أهمية هذا التصور في أنه لا يقدم القيمة باعتبارها حكمًا نظريًا يضاف إلى الحياة العملية، وإنما يجعلها باعثًا على الفعل. فالإيمان الذي لا ينتج سعيًا يظل ناقص الأثر، والدعاء الذي يتحول إلى ذريعة للقعود يفقد وظيفته التربوية.

غير أن المسؤولية لا تعني أن الإنسان يسيطر على النتائج جميعها. فقد يعمل ولا يبلغ غايته بسبب اختلال موازين القوة أو تدخل عوامل لا يملكها. ولذلك ينصب التقويم الأخلاقي على مشروعية الغاية والوسيلة، وصدق السعي، وبذل الوسع، لا على تحقق النتيجة المادية وحدها.

ويكشف هذا عن تمييز ضمني بين قيمة الفعل ونجاح الفعل؛ فقد يخفق الفعل في بلوغ غايته القريبة، لكنه يحتفظ بقيمته إذا صدر عن تكليف مشروع واستعمل وسائل منضبطة وبذل فيه الممكن.

2. حرية الاختيار وسيادة الإنسان على نفسه

لا تظهر الحرية في الخطاب بوصفها قدرة على الاستجابة لكل رغبة، بل بوصفها قدرة على ألا يصبح الإنسان عبدًا لرغباته. فالخوف، والطمع، وحب المال، والتعلق بالموقع، والرغبة في السلامة، ليست عناصر خارجة عن التجربة الأخلاقية، وإنما هي المجال الذي تختبر فيه سلطة القيمة.

فالإنسان الذي لا يستطيع مقاومة الطمع لا يكون حرًا لمجرد غياب الإكراه الخارجي، والذي يترك ما يعتقد أنه حق بسبب خوفه على موقعه أو ماله يكون قد انتقل من الخضوع لسلطة خارجية إلى الخضوع لسلطة داخلية.

ويظهر هذا المعنى في حديث السيد حسن نصر الله عن الإنسان الذي يطلب المال أو الرئاسة، بينما قد يكون تحقق رغبته سببًا في فساده أو ظلمه. فصلاح الإنسان لا يساوي حصوله على كل ما يرغب فيه؛ لأن الرغبة نفسها تحتاج إلى تقويم.[14]

تكشف هذه الرؤية عن انتقال من الحرية السلبية، أي غياب الإكراه، إلى الحرية الأخلاقية التي تعني امتلاك النفس والقدرة على ترتيب دوافعها. ولذلك ترتبط الحرية بالتقوى والصبر والتزكية وعدم التعلق بالدنيا.

ولا تقتضي هذه الفكرة إدانة حاجات الإنسان الطبيعية؛ فالخوف يحميه من الأخطار، والرغبة تدفعه إلى طلب حاجاته، وحفظ النفس مصلحة معتبرة. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الدوافع إلى مرجع نهائي لا يقبل الموازنة مع العدالة والوفاء وحقوق الآخرين.

3. الإيمان والعمل

يؤدي الربط بين الإيمان والعمل وظيفة نقدية داخلية؛ إذ يمنع تحول الانتماء الديني أو السياسي إلى ضمان تلقائي للأخلاق. فلا تثبت قيمة الصدق بمجرد تكرار الحديث عنه، بل عندما يكون الكذب نافعًا ويرفض. ولا يظهر الوفاء إلا حين تصبح الخيانة أسهل، ولا يتبين الصبر إلا مع امتداد الكلفة.

ومن ثم يميز البحث بين القيمة بوصفها معرفة، أي أن يدرك الإنسان أن فعلًا ما خير أو واجب، والقيمة بوصفها سلطة، أي أن تؤثر هذه المعرفة في القرار عند تعارضها مع منفعة أو خوف.

ويتيح هذا التمييز مساءلة الخطاب من داخله؛ لأن الدعوة إلى تحويل الإيمان إلى عمل تفرض اختبار الاتساق بين المبادئ والمواقف العملية، بدل الاكتفاء بوصف الهوية الأخلاقية.

4. الإنسان الفرد والإنسان الجماعة

لا يظهر الإنسان فردًا معزولًا؛ فعمله يؤثر في أسرته ومجتمعه وأمته، كما أن قدرته على الثبات تتشكل عبر التربية والذاكرة والجماعة والقدوة. غير أن البعد الجماعي لا يلغي المسؤولية الفردية؛ إذ لا يعفي الانتماء الإنسان من فحص فعله، ولا يجعل مصلحة الجماعة مبررًا تلقائيًا لكل وسيلة.

وهنا تنشأ إحدى أهم مسائل البحث: إذا كانت الجماعة حاملة للقيمة ومصدرًا للقوة والتكافل، فهل يمكن أن تتحول المحافظة عليها إلى مصلحة تزاحم بعض القيم التي تأسست عليها؟

تقتضي الإجابة التمييز بين حماية الجماعة باعتبارها حاضنة للحقوق والمقاومة والتكافل، وبين حماية المؤسسة أو الموقع التنظيمي بوصفه غاية مستقلة. ولا يحسم هذا الفرق بمجرد إعلان المصلحة العامة، بل يحتاج إلى معايير للمساءلة والمشاركة وتقويم النتائج.

ويظهر ترتيب الغاية والوسيلة بصورة صريحة في كلمة مهرجان النبي شيت؛ إذ قرر أن «المقاومة ليست في خدمة العمل السياسي... وليست في خدمة التنظيم... وليست في خدمة الأشخاص... وليست في خدمة المال». ولا ينفي هذا النص ضرورة التنظيم والعمل السياسي والمال، بل يضعها في مرتبة الوسائل التي تُقاس بمدى خدمتها للغاية المعلنة، لا بقدرتها على التحول إلى غاية مستقلة.[15]

خامسًا: آليات سلطة القيم

1. المرجعية العقدية

تستمد القيمة في الخطاب المدروس جانبًا من سلطتها من الإيمان بالله والتكليف والحساب. ويؤدي هذا المستوى إلى توسيع أفق النتيجة؛ فلا تختزل المنفعة في الحياة الدنيا، ولا تساوي الخسارة المادية الفشل الأخلاقي.

ويغير هذا التصور طريقة الموازنة بين القيم والمنافع. فإذا كانت الحياة الدنيوية هي المجال الوحيد للحساب، غدت السلامة والمكسب المادي أكثر قدرة على احتكار القرار. أما إذا امتد معنى النجاح إلى المسؤولية أمام الله، فإن الفعل يقوّم بمعيار يتجاوز نتيجته العاجلة.

غير أن حضور الجزاء الأخروي لا يلغي المصلحة الدنيوية؛ فالخطاب نفسه يؤكد العمل وإدارة المال والأخذ بالأسباب. وتكمن وظيفته في منع المصلحة القريبة من أن تصبح الأفق الوحيد للإنسان.

2. التربية وتزكية النفس

لا تتحول القيمة إلى قوة فاعلة بمجرد معرفتها؛ فالإنسان قد يعرف الصواب ويعجز عن الالتزام به. ومن هنا تحتل التربية الأخلاقية موقعًا أساسيًا في تكوين الفاعل القادر على مقاومة الإغراء.

تعالج مجموعات المحاضرات الأخلاقية والتربوية موضوعات الصبر والصدق والوفاء وضبط النفس وعدم التعلق بالدنيا. ولا تقدم هذه الفضائل باعتبارها قرارات منفصلة، بل باعتبارها صفات ينبغي أن تستقر في الشخصية.

وتقترب هذه الرؤية من أخلاق الفضيلة في تركيزها على نوع الإنسان الذي يصدر عنه الفعل، لا على الفعل المنفرد وحده. لكنها تختلف عنها في مرجعيتها العقدية وفي ربطها الفضيلة بالتكليف وبالمسؤولية تجاه الجماعة والمستضعفين.[16]

وتؤدي التزكية وظيفة تحريرية؛ لأنها تمنح الإنسان قدرة على مقاومة القوى التي تستعبده من الداخل. غير أن الخطاب التربوي قد يفقد بعده الأخلاقي إذا استعمل لتحميل الأفراد وحدهم مسؤولية ظروف بنيوية تتجاوز قدرتهم، أو لتفسير كل اعتراض بأنه ضعف في الإيمان أو الصبر.

3. الذاكرة العاشورائية والقدوة

تحتل الكرامة موقعًا محوريًا في البنية العاشورائية للخطاب؛ إذ تقدم واقعة كربلاء نموذجًا لرفض الخضوع حين تصبح السلامة مشروطة بالتنازل عن الحق.

ولا تفهم الكرامة هنا شعورًا نفسيًا بالفخر فقط، بل حدًا معياريًا لا يجوز للمصلحة تجاوزه. وتؤدي عبارة «هيهات منا الذلة» وظيفة تتجاوز وصف حدث تاريخي، إذ تجعل المحافظة على الحياة أو الموقع غير مشروعة إذا كان ثمنها منح الظلم شرعية أخلاقية.

لكن هذا الاستدلال يحتاج إلى احتراز؛ فرفض الذل لا يعني أن كل تسوية ذل، أو أن كل تراجع تكتيكي خيانة، أو أن التعرض للخطر فضيلة في ذاته. إنما يعني وجود حد لا يجوز أن تتحول بعده المحافظة على الذات إلى مبرر للتخلي عن معناها الأخلاقي.

ويتسق هذا الاحتراز مع تقديم الحسين بوصفه «القدوة والأسوة والرمز والملهم»، وبوصف ذكراه باعثة على «إباء الضيم ورفض الذل». فوظيفة الذاكرة هنا ليست تمجيد الألم لذاته، بل إنتاج استعداد أخلاقي لمواجهة الإذلال والطغيان.[17]

وقد بينت دراسة بشير سعادة أن خطابات عاشوراء تجمع بين إنتاج الحجج وتنمية المشاعر وحالات الوعي، بما يجعلها مؤثرة في الهوية والفعل الجماعي والممارسة الأخلاقية.[18]

وهكذا لا تمارس الكرامة سلطتها من خلال التعريف الفلسفي المجرد، بل عبر قصة ورمز وذاكرة ونموذج قدوة. وهذه إحدى خصائص سلطة القيم في الخطاب المدروس: إنها لا تخاطب العقل وحده، وإنما تعيد تشكيل الوجدان الذي تصدر عنه الاختيارات.

4. اللغة وتكوين الجمهور

لا تقتصر اللغة القيمية على وصف الجمهور، بل تشارك في تكوينه. فعندما يصف الخطاب الجمهور بأنه وفي وشجاع وصابر، فإنه لا يقرر واقعًا فحسب، بل يدعوه إلى التماهي مع هذه الصفات والمحافظة عليها.

ويظهر البعد الأدائي في وصف الجمهور بأنه «شعب عظيم... أبي... وفي... شجاع». وقد بيّن المصطفى الهلالي أن التكرار في خطابي عام 2006 أدى وظائف الإقناع والمدح وتعزيز الأمل، وأسهم في بناء صورة الجمهور المقاوم داخل إطار جامع.[19]

فالمديح يحمل تكليفًا ضمنيًا: إذا كان الجمهور جمهور الوفاء، فعليه أن يتصرف بما ينسجم مع هذه الهوية. وهنا تتصل الأخلاق بالانتماء؛ إذ لا يدعى الإنسان إلى الصبر بوصفه قرارًا فرديًا فحسب، بل بوصفه عضوًا في جماعة تعرف نفسها بالصبر.

وتمنح الجماعة الفرد دعمًا معنويًا يساعده على تحمل الكلفة، بينما يمنح الفرد الجماعة تجسيدًا عمليًا لقيمها. غير أن هذه الآلية تحمل احتمالًا نقديًا؛ فقد تتحول الهوية القيمية، إذا أغلقت على نفسها، إلى وسيلة تمنع المراجعة أو تجعل نقد القرار مساويًا للخروج على الجماعة.

لذلك ينبغي التمييز بين الوفاء للقيمة والتسليم غير النقدي بكل قرار يصدر باسمها.

سادسًا: المنفعة بين المشروعية والإغراء

1. المصلحة ليست نقيضًا للقيمة

لا يدل حضور التخطيط والحساب والموازنة على غياب الأخلاق؛ فقد يكون تقليل الخسائر، وحماية المجتمع، واختيار التوقيت، وتطوير القدرة، واجبات أخلاقية وسياسية.

ومن ثم لا يقاس الالتزام بالقيم بمقدار رفض كل منفعة، بل بالطريقة التي ترتب بها المصالح وتحدد حدودها.

تقدم خطبة ليلة القدر مثالًا على هذا التداخل؛ فهي تربط العمل الديني بالإدارة الواقعية للمال، والنهي عن الإسراف والتبذير، والأخذ بالأسباب. كما تقدم الصلاح معيارًا أوسع من حصول الإنسان على كل ما يرغب فيه؛ فقد يرغب في المال أو الرئاسة، لكن حصوله عليهما قد يحمله على الفساد أو الظلم.

يدل ذلك على أن الرغبة الفردية لا تكفي لتعريف المصلحة. فالمصلحة تحتاج إلى تقويم آثارها في الفاعل والآخرين، وإلى ربطها بغاية أخلاقية أوسع.

وفي كلمة الليلة السابعة من محرّم 1437هـ، يستعمل الخطاب لغة المصلحة والمنفعة نفسها لتوسيع الأفق الزمني للفاعل؛ إذ يصف إهمال الاستعداد للحياة الآخرة بأنه «غير منطقي، غير عقلي، غير عقلائي، حتى غير مصلحي، غير نفعي». فالخطاب لا يرفض التفكير النفعي من حيث مراعاة المصير والنتيجة، بل يعترض على اختزاله في المنفعة الدنيوية القريبة.[20]

2. من المنفعة إلى الإغراء

تتحول المنفعة إلى إغراء في عدد من الحالات:

أ. حين تجعل السلامة الشخصية سببًا مطلقًا لترك نصرة المظلوم.

ب. حين يبرر المال أو الموقع الكذب أو الخيانة.

ج. حين تتحول مصلحة الجماعة إلى غطاء لإهدار حقوق الآخرين.

د. حين يقاس النجاح بالنتيجة المادية وحدها مع إغفال عدالة الوسيلة.

هـ. حين يعاد تعريف القيمة بعد وقوع الفعل لتبرير المكسب المتحقق.

ولا يكمن فساد المنفعة في كونها تحقق فائدة، بل في استيلائها على ترتيب الغايات. فعندما يصبح كل شيء قابلًا للتنازل مقابل السلامة أو المال أو السلطة، تتحول المنفعة من اعتبار واقعي إلى مصدر للمعيار.

3. الصبر وإدارة الزمن

يظهر الصبر بوصفه قدرة على الاستمرار تحت الضغط، لكنه ليس انتظارًا سلبيًا؛ فهو يرتبط بالعمل والاستعداد والتخطيط، ويمنع الإنسان من استبدال الغاية البعيدة بمكسب قريب بسبب طول الطريق أو ارتفاع الكلفة.

وتتصل هذه الدلالة بموضوع المنفعة؛ لأن المنفعة الآنية تستمد جانبًا من إغرائها من عامل الزمن: المكسب حاضر، بينما ثمرة الالتزام مؤجلة؛ والسلامة قريبة، بينما أثر التضحية غير مضمون.

يؤدي الصبر وظيفة إعادة تنظيم الزمن الأخلاقي؛ فهو يوسع أفق الإنسان بحيث لا يحصر تقييم الفعل في نتيجته الفورية.

لكن الصبر قد يتحول إلى خطاب تبريري إذا استعمل لمنع مراجعة الوسائل، أو إنكار الأخطاء، أو فرض كلفة يمكن تجنبها. فهو قيمة حين يحفظ الإنسان من بيع غايته تحت ضغط اللحظة، لكنه لا يعفي القيادة من مسؤولية التخطيط وتقليل الضرر.

4. الوفاء والصدق والثقة

لا تقتصر أهمية الصدق والوفاء على صلاح الفرد؛ فهما من شروط إمكان العمل الجماعي. فالجماعة التي لا يثق أفرادها بصدق القيادة، أو لا تثق قيادتها بوفاء جمهورها، تعجز عن تحمل القرارات ذات الكلفة الطويلة.

ولا يكون الوفاء مجرد تعلق عاطفي بالأشخاص، بل التزامًا بعهد وقضية ومسؤولية. كما لا يكون الصدق مجرد مطابقة الخبر للواقع، بل يشمل عدم تضليل الجمهور في تقدير الأخطار والنتائج.

غير أن الوفاء قد يتحول إلى طاعة شخصية، كما قد يصبح الصدق انتقائيًا تحت مبررات السرية والحرب. ولذلك ينبغي التمييز بين الوفاء للمبدأ والوفاء للشخص، وبين السرية التي تقتضيها الضرورة والتضليل الذي يمنع المساءلة، وبين الثقة المبنية على خبرة متراكمة والثقة التي تطلب تعطيل النقد.

تضبط القيمة هنا العلاقة بين القيادة والجمهور من الطرفين: تطلب من الجمهور الثبات، لكنها تطلب من القيادة حفظ الأمانة، وعدم تحويل التضحيات إلى مورد خاص لتعزيز السلطة.

سابعًا: المقاومة بوصفها واقعية قيمية

1. الجمع بين الإيمان والتخطيط

تمثل كلمة مهرجان الانتصار في 22 أيلول 2006 نصًا مركزيًا في فهم العلاقة بين القيمة والمصلحة؛ لأنها ترفض الثنائية بين الإيمان والتخطيط. فقد وصف السيد حسن نصر الله تجربة المقاومة بأنها تعتمد على الإيمان واليقين والتوكل والاستعداد للتضحية، لكنها تعتمد كذلك على العقل والتخطيط والتنظيم والتدريب والتسليح والأخذ بالأسباب.[21]

تكشف هذه الصياغة عن أربعة أبعاد: أن الالتزام الديني لا يقدم بديلًا من المعرفة والخبرة، وأن التوكل لا يلغي الأخذ بالأسباب، وأن العقل العملي لا يعمل خارج المرجعية القيمية، وأن التضحية لا تساوي العشوائية أو إهدار الإمكانات والأرواح.

ويمكن وصف هذه الرؤية بأنها واقعية قيمية: واقعية لأنها تلتفت إلى القوة والتنظيم والنتائج، وقيمية لأنها لا تمنح الوسائل استقلالًا كاملًا عن الغاية والمعيار.

ويضعف هذا التصور القراءة التي ترى أن حضور القيم يستلزم إلغاء الحساب السياسي، كما يضعف القراءة المقابلة التي تفسر اللغة القيمية كلها بوصفها غطاء لمصلحة سابقة. فالنص يجمع البعدين، وتبقى مهمة البحث فحص طريقة التوفيق بينهما في الحالات العملية.

2. التضحية وحفظ الإنسان

تحتل التضحية موقعًا مهمًا في خطاب المقاومة، لكنها لا ينبغي أن تفهم طلبًا للموت في ذاته. فقيمتها تتحدد بالغاية التي تتجه إليها، وبالضرورة، وبمقدار ما تخدم حفظ الجماعة والحق الذي تدافع عنه.

وتنشأ هنا موازنة دقيقة: إذا كانت التضحية شرطًا للدفاع عن المجتمع، فإن القيادة الأخلاقية مسؤولة في الوقت نفسه عن تقليل الكلفة وعدم تحويل التضحية إلى مورد غير محدود.

فالاستعداد لدفع الثمن لا يلغي واجب حماية الأرواح، كما أن حماية الأرواح لا تعني دائمًا ترك الواجب. ويتطلب الحكم الأخلاقي فحص البدائل والضرورة والتناسب والنتائج، لا الاكتفاء بإعلان قيمة التضحية أو حفظ النفس.

3. إعادة تعريف النصر والهزيمة

لا يقاس النصر في الخطاب بالنتيجة العسكرية المباشرة وحدها، بل يرتبط بالثبات، وبقاء الإرادة، وحفظ الكرامة، ومنع العدو من تحقيق غاياته.

ويمنع هذا التعريف الإنسان من اختزال القيمة في النتيجة المادية؛ فقد تكون الخسارة العسكرية الجزئية مصحوبة بحفظ الإرادة أو القضية، كما قد يكون المكسب المادي مصحوبًا بتنازل يمس جوهر الغاية.

غير أن توسيع معنى النصر قد يتحول إلى وسيلة تحصن الخطاب من الاختبار إذا أمكن وصف كل نتيجة بأنها نصر معنوي. ولذلك ينبغي أن تبقى للنصر مؤشرات واقعية قابلة للفحص، إلى جانب أبعاده المعنوية.

فالواقعية القيمية لا تلغي الوقائع، بل ترفض أن تكون الوقائع المادية وحدها مصدر المعنى.

ثامنًا: الواقعية السياسية وحدود المصلحة

1. التحول السياسي وثبات المبادئ

تشير دراسات حزب الله إلى انتقاله من حركة تركز على الأيديولوجيا الدينية إلى فاعل يعمل داخل المؤسسات اللبنانية ويقدم برامج سياسية واجتماعية. وقد حلل جوزف ألاغا هذا التحول من خلال التمييز بين الأيديولوجيا الدينية، والأيديولوجيا السياسية، والبرنامج العملي.[22]

ولا تثبت هذه التحولات في ذاتها انتصار المنفعة على القيمة؛ فقد تكون المشاركة السياسية وسيلة جديدة لتحقيق أهداف ثابتة ضمن واقع متغير. كما قد تعبر عن مراجعة حقيقية لبعض التصورات، أو توسيع دائرة المصلحة العامة، أو الاعتراف بتعدد المجتمع اللبناني.

لكن التحول يفتح سؤالًا جوهريًا: متى يكون التكيف تطويرًا للوسائل، ومتى يصبح تعديلًا للغايات؟

ولا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بمجرد إعلان الفاعل ثبات مبادئه، كما لا يمكن إثبات التخلي عنها بمجرد تغير لغته. ويقترح البحث أربعة معايير: استمرار المعيار الأخلاقي المعلن عبر المراحل، وإمكان تفسير الوسيلة الجديدة في ضوء ذلك المعيار، وعدم تحول الضرورة المؤقتة إلى مصلحة دائمة غير قابلة للمساءلة، وعدم استعمال القيمة بصورة انتقائية لتبرير خيارات متعارضة من دون تفسير.

2. البراغماتية والانتهازية

تبحث مريم فريدة في علاقة الاجتهاد والفتوى والتكليف بما تسميه البراغماتية السياسية، وتبين أن المرونة قد تصاغ من خلال آليات دينية تتيح التعامل مع الوقائع المتغيرة.[23]

وهنا ينبغي التمييز بين البراغماتية والانتهازية. فالبراغماتية، بمعنى مراعاة الواقع والنتائج واختيار الوسائل الممكنة، ليست مذمومة بالضرورة. أما الانتهازية فتبدأ حين يصبح المكسب هو الذي ينتج المعيار، بدل أن يخضع له.

ويجد هذا التمييز أساسًا في مفهوم المصلحة في الفكر الإسلامي؛ فالمصلحة لا تساوي كل منفعة، وإنما تقدر ضمن مراتب وحقوق ومفاسد. وإذا تعارضت المصالح والمفاسد، تطلب الأمر موازنة تمنع تحصيل منفعة جزئية على حساب مفسدة أعظم.[24]

وبذلك لا يكون إدخال النتائج في القرار السياسي خروجًا من الأخلاق، ما دامت النتائج جزءًا من موازنة أوسع، وما دامت الوسائل والغايات قابلة للتقويم.

3. المصلحة الوطنية والمصلحة التنظيمية

يمثل الاندماج في النظام السياسي اللبناني اختبارًا مهمًا؛ لأن الانتقال من خطاب الجماعة المقاومة إلى العمل السياسي الداخلي يفرض التعامل مع مصالح متعددة، ومع جماعات لا تشترك في المرجعية العقائدية نفسها.

وفي هذا المستوى لا يكفي الاستناد إلى التكليف الديني الخاص لإقناع المجال العام. وتصبح العدالة في توزيع الأعباء، وحقوق الجماعات الأخرى، والمشاركة، والمساءلة، معايير ضرورية لتقويم المصلحة.

ويبرز السؤال الآتي: هل تعرف المصلحة العامة بطريقة تسمح للآخرين بالمشاركة في تحديدها، أم تشتق بصورة أحادية من تصور الجماعة لدورها؟

لا تقدم العينة جوابًا نهائيًا، لكنها تكشف أن الانتقال من الأخلاق الفردية إلى السياسة يغير طبيعة الاختبار. ففي المحاضرة الأخلاقية يكون التوتر بين الإنسان ونفسه، أما في السياسة فيصبح التوتر بين مصالح جماعات متعددة، لكل منها حقوق ومخاوف وتصور للخير العام.

ومن ثم لا يجوز مساواة ما يحفظ قوة المؤسسة بالمصلحة الوطنية من دون برهنة؛ فقد تتطابق المصلحتان في حالة، وتتباعدان في حالة أخرى.

4. التكيف الخطابي

تظهر دراسات الاتصال السياسي أن خطاب حزب الله تكيف مع تحولات البيئة واتساع الجمهور، وجمع بين عناصر دينية ووطنية واجتماعية وسياسية.[25]

ولا يعد تنوع اللغة تناقضًا في ذاته؛ فقد تشرح القيمة الواحدة من زوايا متعددة، ويختلف ترتيب الأولويات بحسب الجمهور والسياق.

لكن التكيف يصبح موضع إشكال إذا أدى إلى تقديم معان متعارضة للمبدأ نفسه، أو إلى إخفاء غاية عن جمهور وإظهارها لجمهور آخر. ولذلك ينبغي التمييز بين تعدد اللغة مع وحدة المعنى، وتعدد الأولويات بتعدد السياق، والتناقض الذي تستعمل فيه القيمة لإرضاء كل جمهور بدلالة مختلفة.

ولا تسمح عينة البحث بحسم هذا الجانب بصورة شاملة، لكنها تضعه ضمن معايير اختبار اتساق الخطاب.

تاسعًا: المناقشة النقدية

بعد إعادة بناء المعيار الذي يعلنه الخطاب، ينتقل هذا القسم إلى تقويم لوازمه الأخلاقية. ولذلك لا تنسب الأسئلة الآتية جميعها نصيًا إلى صاحب الخطاب، بل يصوغها الباحث بوصفها اختبارات معيارية تترتب على مفاهيم الكرامة والوفاء والتضحية والمصلحة التي كشفتها العينة.

1. هل القيم معيار أم أداة تعبئة؟

تكشف النصوص أن القيم تؤدي وظائف تفسيرية وتربوية وتعبوية. فهي تفسر معنى الإنسان والعمل والنصر، وتسهم في تربية الفرد، وتبني هوية الجماعة وتحفزها.

لكن تعدد الوظائف يثير سؤالًا: هل تبقى القيمة معيارًا يحكم القرار، أم تتحول في بعض الحالات إلى أداة لتبرير قرار اتخذ لأسباب أخرى؟

لا يحسم هذا السؤال بمجرد كثافة اللغة الأخلاقية. فالمعيار الحقيقي هو قدرة القيمة على تقييد الفاعل عندما تكون مخالفتها نافعة له. فإذا استعملت القيمة فقط لتعبئة الآخرين على التضحية، من دون أن تفرض قيودًا مقابلة على القيادة، تحولت من معيار مشترك إلى أداة سلطة.

أما إذا ألزمت القيادة والجمهور معًا، وحددت الوسائل، وأبقت القرار قابلًا للمساءلة، أمكن الحديث عن سلطة معيارية فعلية.

2. القدوة والمساءلة

تساعد صورة القائد القدوة في تحويل القيمة إلى سلوك؛ لأن القيمة المجردة تكتسب قوة حين تتجسد في شخص يثق به الجمهور.

غير أن حضور القدوة قد يجعل النقد أكثر صعوبة إذا تداخلت الثقة بالمبدأ مع الثقة المطلقة بالشخص. ويظهر هنا توتر بين الحاجة إلى قيادة قادرة على توحيد الجماعة وبين ضرورة إبقاء القرار البشري قابلًا للمراجعة.

ولا تتعارض المساءلة مع الوفاء، بل قد تكون إحدى صوره؛ لأن الوفاء للقضية يقتضي منع الخطأ أو تصحيحه، لا حماية الأشخاص من النقد.

3. الكرامة والتسوية

تمنع الكرامة تحويل الإنسان إلى أداة أو إخضاعه للذل، لكنها لا تقدم وحدها معيارًا تفصيليًا للحكم على كل تسوية سياسية.

فقد تكون التسوية وسيلة لحفظ حق ممكن ومنع مفسدة أكبر، وقد تكون تنازلًا يمس جوهر الحق. ولا يحسم الفرق باستعمال ألفاظ الكرامة أو الواقعية، بل بتحليل مضمون التسوية وبدائلها ونتائجها.

وهنا تظهر الحاجة إلى الجمع بين ثبات المعيار والاجتهاد في التنزيل؛ إذ قد يكون الإصرار على وسيلة واحدة، رغم تغير الواقع، نوعًا من تحويل الوسيلة إلى قيمة مطلقة.

4. التضحية وحماية الجماعة

تكتسب التضحية معناها من تجاوز المصلحة الفردية، لكنها تصبح إشكالية إذا تحول الأفراد إلى مجرد أدوات لتحقيق أهداف المؤسسة.

وتتطلب أخلاق التضحية ثلاثة ضوابط: مشروعية الغاية، وضرورة الكلفة وتناسبها، ومشاركة من يتحملونها في فهمها وقبولها بقدر ما يسمح به السياق.

ولا يكفي تمجيد التضحية لإثبات أخلاقية القرار، كما لا يكفي ارتفاع الكلفة لإثبات خطئه. وإنما يحتاج الأمر إلى فحص البدائل والنتائج والمسؤوليات.

5. حدود الدراسة بين الخطاب والممارسة

يوفر الخطاب معيارًا معلنًا يمكن استخدامه في تقويم الفعل، لكنه لا يثبت بمفرده تحقق ذلك المعيار في الممارسة.

ولذلك لا تنتهي الدراسة إلى القول إن الخطاب والممارسة متطابقان، ولا إلى أن القيم مجرد غطاء للمصلحة. إنما تكشف بنية معيارية واضحة، ثم تقترح استعمالها في بحوث لاحقة لفحص قرارات وحالات تاريخية محددة.

عاشرًا: نتائج البحث

1. يقوم تصور الإنسان في خطاب السيد حسن نصر الله على أنه فاعل مريد ومسؤول، يمتلك حاجات ومصالح، لكنه لا يختزل إليها.

2. لا تفهم الحرية بوصفها الانفلات من كل قيد، بل باعتبارها تحررًا من استبداد الخوف والطمع والهوى، وقدرة على امتلاك النفس عند الاختيار.

3. تمارس القيم سلطتها عبر مستويات عقدية وتربوية وهوياتية واستراتيجية؛ فهي تستمد إلزامها من الإيمان، وتتجسد في الشخصية، وتتعزز داخل الجماعة، ثم تدخل في توجيه الفعل السياسي.

4. لا يقيم الخطاب قطيعة مطلقة بين القيمة والمنفعة؛ إذ يمنح التخطيط والتنظيم وتقليل الخسائر واختيار الوسائل موقعًا أساسيًا في الفعل المسؤول.

5. تتمثل المسألة المركزية في التمييز بين المصلحة المشروعة والمنفعة المغرية؛ فالمصلحة المشروعة تخضع للحق والعدل والكرامة، بينما يبدأ الإغراء حين يصبح المكسب مسوغًا لترك الواجب أو تبرير الظلم.

6. يشكل الجمع بين الإيمان والعقل والتوكل والتخطيط أحد أبرز مواضع الاتساق في الخطاب؛ إذ لا تقدم التضحية بديلًا من التنظيم، ولا يقدم التنظيم بديلًا من الغاية القيمية.

7. تؤدي الذاكرة العاشورائية دورًا في نقل القيمة من المفهوم المجرد إلى الوجدان والهوية والقدوة، بما يجعلها قادرة على تحريك الفعل الجماعي.

8. لا تقتصر اللغة القيمية على وصف الجمهور، بل تشارك في تكوينه من خلال دعوته إلى التماهي مع صفات الصبر والوفاء والكرامة.

9. لا يثبت التكيف السياسي وحده التخلي عن المبادئ؛ فقد يكون تعديلًا للوسائل ضمن ثبات الغايات. غير أن هذا الادعاء يحتاج في كل حالة إلى اختبار مستقل.

10. تكمن قوة التصور المدروس في رفض اختزال الإنسان إلى كائن نفعي، بينما يظهر الخطر المحتمل حين تحتكر الجماعة تعريف القيم والمصلحة من دون مساحة كافية للمساءلة والمشاركة.

11. تبين أن «جدلية القيمة والمنفعة» أدق من القول بتعارضهما المطلق؛ لأن المنفعة قد تخدم القيمة، والقيمة قد تفرض مراعاة النتائج، بينما يبدأ التعارض عندما تطالب المصلحة بالاستقلال عن الضوابط.

12. يظل الانتقال من الخطاب الأخلاقي إلى الممارسة السياسية المجال الأكثر حاجة إلى دراسات تطبيقية؛ لأن اتساق المفاهيم داخل النص لا يثبت اتساق القرارات معها.

الخاتمة

تناول البحث صورة الإنسان ومنظومة القيم في خطاب السيد حسن نصر الله من خلال العلاقة بين سلطة القيمة وإغراء المنفعة. ولم يقتصر على استخراج الفضائل الواردة في خطابه، بل حاول تحديد نوع الإنسان الذي تفترضه هذه الفضائل، والكيفية التي تختبر بها عندما يصبح الالتزام مكلفًا.

أظهرت الدراسة أن الإنسان يقدم بوصفه كائنًا واعيًا ومريدًا ومسؤولًا، يمتلك حاجات ومصالح مشروعة، لكنه لا يختزل إليها. وتتحقق حريته الأخلاقية بقدرته على السيطرة على دوافع الخوف والطمع والتعلق بالموقع، وتحويل الإيمان من معرفة أو انتماء إلى عمل وسلوك.

كما بينت أن القيم لا تعمل من خلال الأمر والنهي المجردين فقط، بل عبر التربية والذاكرة والقدوة والهوية واللغة التعبوية. فالكرامة والصبر والوفاء والتضحية ليست مفردات منفصلة، وإنما عناصر في بناء شخصية فردية وجماعية قادرة على تحمل الكلفة.

ولم تثبت العينة وجود رفض مطلق للمنفعة أو للحساب الواقعي؛ إذ يصرح الخطاب بأهمية العقل والتخطيط والتنظيم والتدريب والأخذ بالأسباب. ومن ثم لا تقوم العلاقة بين القيمة والمصلحة على الإلغاء، بل على الترتيب: تكون المصلحة مشروعة حين تخدم غاية عادلة وتحفظ الإنسان والمجتمع وتلتزم بضوابط الوسيلة، وتتحول إلى إغراء عندما تمنح سلطة تبرير الظلم أو الكذب أو الخيانة أو التخلي عن المسؤولية.

غير أن قوة الخطاب المعياري لا تعفيه من الاختبار النقدي. فكل خطاب سياسي قادر على إعلان القيم، بينما يتحدد وزنه الأخلاقي في التعامل مع حالات التعارض الواقعية: بين حفظ الجماعة وقبول الكلفة، وبين الوفاء والمساءلة، وبين الكرامة والتسوية، وبين المصلحة الوطنية والمصلحة التنظيمية.

ولذلك لا تنتهي الدراسة إلى حكم تمجيدي يفترض انتصار القيم دائمًا، ولا إلى حكم اختزالي يفسر القيم جميعها باعتبارها غطاء للمصلحة. وإنما تنتهي إلى أن خطاب السيد حسن نصر الله يقدم بناءً قيميًا يمكن اعتماده معيارًا لفحص الخطاب نفسه والممارسة المنسوبة إليه.

فكلما بقيت المصلحة خاضعة للحق والعدل والكرامة، أمكن الحديث عن واقعية قيمية تجمع الثبات في الغاية والمرونة في الوسيلة. وكلما أعيد تعريف القيمة لتلائم المكسب الآني، فقدت سلطتها المعيارية واقتربت من المصلحية التي يعلن الخطاب رفضها.

حدود البحث ومقترحات الدراسات اللاحقة

تقتصر الدراسة على عينة نوعية من النصوص، ولا تدعي استيعاب جميع خطب السيد حسن نصر الله أو مراحل تطور خطابه. كما تركز على الخطاب المعلن، ولا تقدم تقويمًا شاملًا للممارسة السياسية والعسكرية والمؤسسية.

وتقترح الدراسة إنجاز أبحاث لاحقة في الموضوعات الآتية:

1. مقارنة مفهوم المصلحة في المحاضرات الأخلاقية والخطب السياسية.

2. تحليل تطور مفهومي الكرامة والتضحية عبر المراحل الزمنية المختلفة.

3. دراسة العلاقة بين القيم المعلنة والقرارات السياسية في حالات تاريخية محددة.

4. مقارنة مفهوم الإنسان عند السيد حسن نصر الله بمفهومه عند مفكرين إسلاميين معاصرين.

5. دراسة تلقي الجمهور للقيم، وعدم الاكتفاء بتحليل إنتاج الخطاب.

6. بحث حدود المصلحة الوطنية والمصلحة التنظيمية في الخطاب السياسي.

قائمة المصادر والمراجع

أولًا: المصادر الأصلية

نصر الله، حسن: كلمات في الأخلاق الإسلامية، بيروت: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، إصدار رقمي، 2016.

نصر الله، حسن: كلمات في الثورة الحسينية، بيروت: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، إصدار رقمي، 2016.

نصر الله، حسن: كلمات في تربية الشخصية الإسلامية، بيروت: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، إصدار رقمي، 2016.

نصر الله، حسن: كلمات في المفاهيم الإسلامية، بيروت: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، إصدار رقمي، 2016.

نصر الله، حسن: «حقيقة الدعاء ومقتضيات القبول والاستجابة»، من خطبة ليلة القدر الكبرى، 9 تموز 2015، شبكة المعارف الإسلامية، نسخة إلكترونية غير مرقمة، https://www.almaaref.org/maarefdetails.php?cid=169&id=17911&subcatid=1341&supcat=6.

نصر الله، حسن: «سر الانتصار»، من كلمة مهرجان الانتصار الإلهي، 22 أيلول 2006، شبكة المعارف الإسلامية، نسخة إلكترونية غير مرقمة، https://www.almaaref.org/maarefdetails.php?cid=749&id=19200&subcatid=2361&supcat=6.

نصر الله، حسن: «كلمة الليلة السابعة من محرّم 1437هـ»، 20 تشرين الأول 2015، شبكة المعارف الإسلامية، نسخة إلكترونية غير مرقمة، https://www.almaaref.org/maarefdetails.php?id=14926.

نصر الله، حسن: «كلمة مهرجان النبي شيت»، 9 حزيران 2000، ضمن: مركز المعارف للتأليف والتحقيق، معارف الإسلام، بيروت: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، إصدار رقمي، 2015، ص 380-381، https://books.almaaref.org/view.php?id=47.

نصر الله، حسن: قول منقول ضمن «أعمال شهري محرّم وصفر-1435هـ»، شبكة المعارف الإسلامية، 2 تشرين الثاني 2013، https://almaaref.org.lb/post/12490/.

Nasrallah, Hassan. Voice of Hezbollah: The Statements of Sayyed Hassan Nasrallah. Edited by Nicholas Noe. Translated by Ellen Khouri. Introduction by Nicholas Blanford. London: Verso, 2007.

ثانيًا: المصادر الأصولية والأخلاقية

ابن عبد السلام، عز الدين عبد العزيز: قواعد الأحكام في مصالح الأنام، مراجعة طه عبد الرؤوف سعد، القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية، 1991.

الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى: الموافقات، تحقيق أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، الخبر: دار ابن عفان، ط 1، 1997.

ثالثًا: الدراسات العربية

مرعي، خضر محمد: «القيم الأخلاقية في خطاب السيد حسن نصر الله»، أوراق ثقافية، مج 6، ع 32، تموز 2024، ص 76-88.

رابعًا: الدراسات الأجنبية

Alagha, Joseph Elie. The Shifts in Hizbullah’s Ideology: Religious Ideology, Political Ideology, and Political Program. Amsterdam: Amsterdam University Press, 2006.

Farida, Mariam. Religion and Hezbollah: Political Ideology and Legitimacy. London and New York: Routledge, 2020.

Matar, Dina. “Hassan Nasrallah: The Central Actor in Hizbullah’s Political Communication Strategies.” In The Hizbullah Phenomenon: Politics and Communication, by Lina Khatib, Dina Matar, and Atef Alshaer, 153-180. New York: Oxford University Press, 2014.

Lahlali, El Mustapha. “Repetition and Ideology in Nasrallah’s Political Speeches.” Arab Media & Society, no. 15 (Spring 2012). https://doi.org/10.70090/ML12RINP.

Saad-Ghorayeb, Amal. Hizbu’llah: Politics and Religion. London: Pluto Press, 2001.

Saade, Bashir. Hizbullah and the Politics of Remembrance: Writing the Lebanese Nation. Cambridge: Cambridge University Press, 2016.

Saade, Bashir. “Ḥasan Naṣrallāh’s ʿĀshūrāʾ Speeches: The Thin Line between Ethics and Identity.” Die Welt des Islams 59, nos. 3-4 (2019): 384-410. https://doi.org/10.1163/15700607-05934P06.

خامسًا: المراجع الفلسفية المساعدة

Hursthouse, Rosalind, and Glen Pettigrove. “Virtue Ethics.” The Stanford Encyclopedia of Philosophy. First published July 18, 2003; substantive revision December 8, 2016. https://plato.stanford.edu/entries/ethics-virtue/.

Sinnott-Armstrong, Walter. “Consequentialism.” The Stanford Encyclopedia of Philosophy. Substantive revision October 4, 2023. https://plato.stanford.edu/entries/consequentialism/.

[1]   د. عبد الله م. بدوي، باحث لبناني في الدراسات الإسلامية والإدارة السياسية والتربوية وعلم الاجتماع، رئيس مركز إسناد للدراسات والأبحاث.

[2]   خضر محمد مرعي، «القيم الأخلاقية في خطاب السيد حسن نصر الله»، أوراق ثقافية، مج 6، ع 32، تموز 2024، ص 76-88.

[3]    Bashir Saade, “Ḥasan Naṣrallāh’s ʿĀshūrāʾ Speeches: The Thin Line between Ethics and Identity,” Die Welt des Islams 59, nos. 3-4 (2019): 384-410, https://doi.org/10.1163/15700607-05934P06.

[4]    Bashir Saade, Hizbullah and the Politics of Remembrance: Writing the Lebanese Nation, Cambridge: Cambridge University Press, 2016.

[5]    El Mustapha Lahlali, “Repetition and Ideology in Nasrallah’s Political Speeches,” Arab Media & Society, no. 15 (Spring 2012), https://doi.org/10.70090/ML12RINP.

[6]Dina Matar, “Hassan Nasrallah: The Central Actor in Hizbullah’s Political Communication Strategies,” in The Hizbullah Phenomenon: Politics and Communication, by Lina Khatib, Dina Matar, and Atef Alshaer (New York: Oxford University Press, 2014), pp. 153-180.

[7]    Amal Saad-Ghorayeb, Hizbu’llah: Politics and Religion, London: Pluto Press, 2001.

[8]    Joseph Elie Alagha, The Shifts in Hizbullah’s Ideology: Religious Ideology, Political Ideology, and Political Program (Amsterdam: Amsterdam University Press, 2006), pp. 149-206.

[9]    Mariam Farida, Religion and Hezbollah: Political Ideology and Legitimacy (London and New York: Routledge, 2020), chap. 5, “Content and Context Analyses of Nasrallah’s Speeches 2000-2013.”

[10]Hassan Nasrallah, Voice of Hezbollah: The Statements of Sayyed Hassan Nasrallah, ed. Nicholas Noe, trans. Ellen Khouri, introduction by Nicholas Blanford (London: Verso, 2007).

[11]عز الدين بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، مراجعة طه عبد الرؤوف سعد، القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية، 1991، ج 1، ص 10، 58، 98؛ أبو إسحاق الشاطبي، الموافقات، تحقيق أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، الخبر: دار ابن عفان، ط 1، 1997، ج 2، ص 31-33.

[12]Walter Sinnott-Armstrong, “Consequentialism,” The Stanford Encyclopedia of Philosophy, substantive revision October 4, 2023, https://plato.stanford.edu/entries/consequentialism/ (accessed July 31, 2026).

[13] السيد حسن نصر الله، «حقيقة الدعاء ومقتضيات القبول والاستجابة»، من خطبة ليلة القدر الكبرى، 9 تموز 2015، شبكة المعارف الإسلامية، نسخة إلكترونية غير مرقمة، https://www.almaaref.org/maarefdetails.php?cid=169&id=17911&subcatid=1341&supcat=6 (تاريخ الاطلاع: 31 تموز 2026).

[14] المصدر نفسه.

[15]السيد حسن نصر الله، «كلمة مهرجان النبي شيت»، 9 حزيران 2000، ضمن: مركز المعارف للتأليف والتحقيق، معارف الإسلام (بيروت: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، إصدار رقمي، 2015)، ص 380-381، https://books.almaaref.org/view.php?id=47 (تاريخ الاطلاع: 31 تموز 2026).

[16]Rosalind Hursthouse and Glen Pettigrove, “Virtue Ethics,” The Stanford Encyclopedia of Philosophy, substantive revision December 8, 2016, https://plato.stanford.edu/entries/ethics-virtue/ (accessed July 31, 2026).

[17]السيد حسن نصر الله، قول منقول ضمن «أعمال شهري محرّم وصفر-1435هـ»، شبكة المعارف الإسلامية، 2 تشرين الثاني 2013، https://almaaref.org.lb/post/12490/ (تاريخ الاطلاع: 31 تموز 2026).

[18]  Saade, “Ḥasan Naṣrallāh’s ʿĀshūrāʾ Speeches,” pp. 384-410.

[19]El Mustapha Lahlali, “Repetition and Ideology in Nasrallah’s Political Speeches,” section “Repetition and the Strategy of Persuasion, Praise and Hope,” Arab Media & Society, no. 15 (Spring 2012), https://doi.org/10.70090/ML12RINP (accessed July 31, 2026).

[20]السيد حسن نصر الله، «كلمة الليلة السابعة من محرّم 1437هـ»، 20 تشرين الأول 2015، شبكة المعارف الإسلامية، نسخة إلكترونية غير مرقمة، https://www.almaaref.org/maarefdetails.php?id=14926 (تاريخ الاطلاع: 31 تموز 2026).

[21] السيد حسن نصر الله، «سر الانتصار»، من كلمة مهرجان الانتصار الإلهي، 22 أيلول 2006، شبكة المعارف الإسلامية، نسخة إلكترونية غير مرقمة، https://www.almaaref.org/maarefdetails.php?cid=749&id=19200&subcatid=2361&supcat=6 (تاريخ الاطلاع: 31 تموز 2026).

[22]  Alagha, The Shifts in Hizbullah’s Ideology, pp. 149-206.

[23]  Farida, Religion and Hezbollah, chap. 5.

[24] عز الدين بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، مراجعة طه عبد الرؤوف سعد، القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية، 1991، ج 1، ص 10، 58، 98؛ أبو إسحاق الشاطبي، الموافقات، تحقيق أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، الخبر: دار ابن عفان، ط 1، 1997، ج 2، ص 31-33.

[25]  Dina Matar, “Hassan Nasrallah: The Central Actor in Hizbullah’s Political Communication Strategies,” in The Hizbullah Phenomenon: Politics and Communication, by Lina Khatib, Dina Matar, and Atef Alshaer (New York: Oxford University Press, 2014), pp. 153-180.