الامتحان الموحد في ظروف تعليمية غير متكافئة عدالة التقييم وصدق الاختبار في ظل الحرب والنزوح والانقطاع التعليمي
عبدالله م.بدوي · 2026-06-15

عبد الله م. بدوي[1]
مقدمة
لا تستمد الامتحانات الرسمية مشروعيتها من كونها موحدة في الأسئلة والمدة ومعايير التصحيح فحسب، بل من كونها تأتي بعد فرصة تعليمية معقولة تمكّن الطالب من إظهار ما اكتسبه فعلا. فالامتحان، في أصله التربوي، ليس عقوبة ولا وسيلة فرز مجردة، بل أداة قياس يفترض أن تكون قادرة على التمييز بين التحصيل وضعفه من جهة، وبين أثر الظروف القهرية الخارجة عن إرادة المتعلم من جهة أخرى. ومن هنا يكتسب النقاش حول الامتحان الموحد في زمن الحرب والنزوح معنى خاصا؛ إذ قد تبدو المساواة في الإجراء عادلة ظاهريا، بينما تكون في نتائجها امتدادا لعدم مساواة سابق في فرص التعلم.
تنطلق هذه الدراسة من تصريح منسوب إلى وزيرة التربية والتعليم العالي في لبنان، مفاده أن خمسة وسبعين في المئة من الطلاب يمارسون حياتهم بصورة شبه طبيعية. ولا يتعامل البحث مع هذا التصريح بوصفه نتيجة إحصائية مكتملة المنهجية، بل بوصفه مدخلا دالا إلى سؤال تربوي: ماذا عن الطلاب الذين لا تنطبق عليهم هذه الحالة؟ إن دلالة الرقم لا تقف عند أكثرية تستطيع غالبا متابعة المسار الامتحاني، بل تمتد إلى أقلية وازنة قد تكون فقدت شروط الاستعداد والتعلم والأمان.[2]
لذلك لا يجري البحث هنا في سؤال إداري محض، مثل إمكان تنظيم الامتحانات أو صعوبة تأجيلها، بل في سؤال معياري وتقويمي: متى يكون الامتحان الموحد عادلا؟ وهل يكفي توحيد الورقة والقاعة والوقت لكي يكون الحكم على الطلاب متكافئا؟ تشير أدبيات التقويم التكويني إلى أن التحصيل يتأثر بفرص التعلم
وتتصل هذه الإشكالية أيضا بمسألة صدق الاختبار. فإذا كان الاختبار يزعم قياس التحصيل المدرسي، فإن النتيجة تصبح موضع شك عندما يكون ما يقاس جزئيا هو أثر الخوف أو النزوح أو الفاقد التعليمي أو انعدام الوصول إلى المدرسة. فالاختبار الصادق ليس الذي يملك أسئلة منظمة فقط، بل الذي تكون نتيجته قابلة للتفسير بوصفها دليلا على الكفاية المراد قياسها لا على عوائق خارجية طارئة.
تتمثل إشكالية الدراسة في الآتي: إذا كان الواقع التعليمي للطلاب غير واحد، وكان قسم منهم قد تابع سنة شبه طبيعية بينما عانى قسم آخر من الحرب أو النزوح أو الانقطاع التعليمي أو فقدان الأمان، فهل يكون من العدل التربوي إخضاع الجميع للامتحان الرسمي الموحد نفسه وبالمعايير ذاتها؟ ويتفرع عن هذا السؤال سؤال آخر لا يقل أهمية: هل يدل رسوب الطالب المتضرر على ضعف أكاديمي حقيقي، أم قد يدل على غياب شروط التمكن من الامتحان؟
لا تفترض الدراسة أن كل طالب خارج الحالة شبه الطبيعية متضرر بدرجة واحدة، ولا أن كل طالب داخلها غير متضرر إطلاقا. فالضرر التعليمي ليس وصفا جماعيا جامدا، بل درجة قابلة للقياس التقريبي من خلال مؤشرات: انتظام الحضور، إقفال المدرسة، النزوح، الوصول الآمن، الفاقد التعليمي، الدعم الأسري، الإمكانات التقنية، والحالة النفسية. ومن ثم فإن السياسة العادلة لا تبدأ من استثناء شامل ولا من تعميم صارم، بل من معيار ضرر فعلي قابل للتحقق.
وعليه تصوغ الدراسة فرضيتها على النحو الآتي: إن الامتحان الموحد يبقى مشروعا للطلاب الذين توافرت لهم شروط تعليم واستعداد مقبولة، لكنه يصبح أقل عدالة وصدقا بالنسبة إلى الطلاب الذين حرموا من هذه الشروط لأسباب قاهرة. والحل الأقرب إلى التوازن هو اعتماد مسارات تقييمية متعددة: امتحان رسمي للفئة المستعدة، وتقييم بديل أو دورة خاصة مدعومة أو إفادات مشروطة للفئات المتضررة، على أن تخضع هذه المسارات لمعايير واضحة وشفافة.
وتكمن أهمية هذا الضبط المنهجي في أن التصريح المحلي لا يحمل وحده عبء البرهنة على كل نتائج الدراسة. فالرقم المنسوب إلى الخطاب الرسمي يؤدي وظيفة افتتاح الإشكال، أما البناء الحجاجي فيستند إلى أدبيات التقويم والقياس والتعلم في الأزمات. وبذلك لا تصبح الدراسة رهينة صحة الرقم بمعناه الإحصائي الدقيق، بل تنطلق من حقيقة أوسع هي تفاوت شروط التعلم وتباين قدرة الطلاب على الاستعداد.
ولا تعالج الدراسة العدالة بوصفها مفهوما أخلاقيا عاما فحسب، بل بوصفها شرطا من شروط صدق القرار التربوي. فالقرار الامتحاني الذي لا يميز بين طالب امتلك زمنا تعليميا منتظما وطالب حرم منه قد ينتج حكما صحيحا إجرائيا وضعيفا معرفيا. لذلك تركز الدراسة على العلاقة بين الفرصة السابقة والنتيجة اللاحقة، لأن النتيجة لا تقرأ قراءة عادلة إلا في ضوء شروط إنتاجها.
تعتمد الدراسة منهجا وصفيا تحليليا. فهي تصف الإشكال الواقعي الذي يطرحه تفاوت الظروف التعليمية، ثم تحلله في ضوء أدبيات التقويم والعدالة التعليمية وعلم النفس المعرفي وتعليم الطلاب اللاجئين والنازحين. ولا تقدم الدراسة مسحا ميدانيا مستقلا، ولا تتحقق إحصائيا من نسبة الخمسة والسبعين في المئة المنسوبة إلى التصريح الإعلامي؛ لذلك يبقى هذا المعطى بحاجة إلى توثيق رسمي مستقل إذا أريد استخدامه دليلا إحصائيا حاسما. ولا تتوقف حجة البحث على الدقة الإحصائية المطلقة للنسبة المتداولة، بل على الدلالة التربوية المترتبة على الإقرار بوجود تفاوت فعلي في شروط تعلم الطلاب واستعدادهم.
يعتمد البحث في إطاره النظري على أدبيات بحثية متخصصة تتناول عدالة التقويم، وصدق الاختبار، والتقويم التكويني، والعبء المعرفي، والقلق، وتعليم الطلاب اللاجئين والمتضررين. أما التصريح المحلي المؤسس فيعامل بوصفه واقعة خطابية وسياساتية تكشف تفاوتا في شروط التعلم، لا بوصفه مسحا إحصائيا مستقلا. وبذلك يفصل البحث بين الأدبيات العلمية الموثقة وبين الاستدلال التحليلي على دلالة الواقع المحلي.
ويهدف هذا المنهج إلى تجنب أحد خطأين: الأول تحويل الامتحان إلى مسألة تقنية بلا بعد حقوقي، والثاني تحويل الاستثناء إلى مطلب عاطفي غير مضبوط. فالتحليل الأكاديمي لا يكتفي بإظهار التعاطف مع المتضررين، بل يطلب تحديد معيار الضرر ووسيلة التحقق والأثر التقويمي المترتب عليه.
أولا: العدالة التربوية بين المساواة الشكلية والإنصاف
تقوم المساواة الشكلية على تطبيق القاعدة نفسها على الجميع: ورقة واحدة، وقت واحد، معايير تصحيح واحدة. وهذا النمط من المساواة ضروري في الظروف العادية لأنه يمنع المحاباة والتلاعب ويؤكد وحدة الشهادة. غير أن المساواة الإجرائية لا تكون كافية عندما تكون الشروط السابقة عليها غير متكافئة. فالطالب الذي درس في بيئة مستقرة، وتلقى شرحا منتظما وتغذية راجعة ومراجعة قبل الامتحان، لا يقف في نقطة البداية نفسها مع طالب نزح أو انقطعت مدرسته أو عاش حالة خوف مزمنة.
تقدم أدبيات التقويم من أجل التعلم دليلا مهما في هذا السياق؛ فقد بينت أن تحسين استراتيجيات التقويم التكويني لدى المعلمين يمكن أن ينعكس إيجابيا على تحصيل الطلاب، لأن الطالب يحتاج إلى تغذية راجعة وفرص تصحيح لا إلى حكم نهائي مفاجئ فقط.
وتؤكد مراجعات التقويم الصفي أن التغذية الراجعة المتكررة جزء من عملية إنتاج التعلم نفسها، لا مجرد إضافة إدارية إلى التعليم[3].
إذا نقلنا هذه الفكرة إلى سياق الامتحانات الرسمية، ظهر أن السؤال لا يكون: هل يستطيع الطالب الجلوس في القاعة؟ بل: هل أتيحت له فعلا شروط التعلم التي تجعل جلوسه في القاعة ذا معنى تقويمي عادل؟ إن القدرة اللوجستية على الحضور ليست مرادفة للجاهزية التعليمية. وقد يصل الطالب إلى مركز الامتحان ومعه نقص كبير في المنهاج، أو اضطراب في الذاكرة العاملة، أو خوف شديد، أو انقطاع طويل عن التفاعل مع المعلم. عندئذ يكون توحيد الاختبار مساواة في الشكل، لكنه قد يكون افتقارا إلى الإنصاف في الجوهر.
ولا يعني ذلك إلغاء معيار الكفاية أو إضعاف قيمة الشهادة. فالإنصاف لا يقوم على منح النجاح بلا معيار، بل على منع تحميل الطالب مسؤولية ضرر لم يصنعه. فإذا كان الامتحان يقيس ما تعلمه الطالب، وجب أن يكون قد أتيح له حد معقول من التعلم. وإذا لم يتح هذا الحد بسبب قاهر، يصبح من المشروع اعتماد أداة تقييم أخرى أو تأجيل مشروط بدعم فعلي.
ثانيا: صدق الاختبار وعدالته في سياق الأزمة
ويفيد هذا التمييز في نقد العبارة الشائعة التي تختزل العدالة في سؤال واحد: هل خضع الجميع للامتحان نفسه؟ فالسؤال الأكثر دقة هو: هل كان الامتحان نفسه قادرا على إنتاج الدلالة نفسها عند جميع الطلاب؟ فإذا كان طالب قد تلقى المنهاج كاملا وتدرب على نمط الأسئلة، وآخر لم يتلق إلا تعليما متقطعا، فإن وحدة الورقة لا توحد معنى الدرجة. الدرجة في الحالة الأولى أقرب إلى قياس التحصيل، وفي الحالة الثانية قد تكون أقرب إلى قياس مقدار الفاقد.
ومن هنا فإن صدق الامتحان في الظروف الاستثنائية يتطلب قراءة مزدوجة: قراءة داخلية تتعلق ببناء الأسئلة وتمثيلها للكفايات، وقراءة خارجية تتعلق بمدى صلاحية السياق الذي يطبق فيه الاختبار. قد تنجح الورقة في القراءة الأولى وتفشل جزئيا في الثانية. وهذا الفشل لا يعالج بتغيير الأسئلة وحده، بل بتعديل السياسة التقييمية التي تحيط بالامتحان.
يقصد بصدق الاختبار أن يكون الاستدلال المستخرج من النتيجة مناسبا للغرض الذي صمم الاختبار من أجله. وفي الامتحانات المدرسية، يكون الغرض المعلن عادة قياس التحصيل أو الكفايات الأساسية. غير أن النتيجة قد تفقد جزءا من دلالتها إذا اختلط التحصيل بعوامل غير مقصودة: فقدان المدرسة، انقطاع الانترنت، النزوح، الخوف، المرض النفسي، أو غياب التغذية الراجعة. ولا يكفي في هذه الحالة أن تكون الأسئلة صالحة في ذاتها؛ إذ ينبغي أن يكون سياق تطبيقها صالحا أيضا.
تساعد أدبيات التحقق من صلاحية المحتوى على توضيح هذه النقطة. فبناء أداة قياس صالحة يقتضي وضوح المجال المراد قياسه ومدى تمثيل البنود له، كما يقتضي فحص ما إذا كانت الأداة تقيس فعلا ما تدعي قياسه. وبالقياس إلى الامتحان الرسمي، يصبح السؤال: هل تقيس النتيجة المعرفة المدرسية، أم تقيس قدرة الطالب على مقاومة آثار الحرب والقلق والحرمان التعليمي؟ .[4]
ومن ثم فإن عدالة الاختبار ليست خاصية تقنية معزولة، بل علاقة بين الأداة والظروف التي تحيط بالطالب. قد تكون الورقة واحدة، لكنها لا تعمل بالطريقة نفسها عند جميع الطلاب إذا كان بعضهم قد خضع لسنة تعلم منتظمة، بينما خضع آخرون لسنة مقطعة أو مهددة. لذلك ينبغي أن يرافق القرار الامتحاني تحليل للفرصة التعليمية السابقة، لا الاكتفاء بسلامة نموذج الأسئلة.
وهنا يظهر الفرق بين صرامة المعيار وعدالته. فصرامة المعيار تعني عدم تخفيض المطلوب الأكاديمي بلا سبب. أما عدالته فتعني ألا يطبق المعيار على من لم تتح له شروط الاقتراب منه. فالتقييم العادل لا يحاسب الطالب على فجوة تعلم صنعتها الحرب أو النزوح، بل يبحث عن طريقة تقيس إمكاناته بصورة أقرب إلى الواقع.
ثالثا: التمكن من الامتحان والتقويم التكويني
وتتأكد الحاجة إلى هذه الأدلة المتعددة عندما يكون العام الدراسي نفسه غير متجانس. فالطالب لا يتعلم في فراغ، بل داخل سلسلة من الممارسات الصفية: شرح، سؤال، محاولة، خطأ، تصحيح، ثم إعادة بناء للمعرفة. وإذا انكسرت هذه السلسلة بفعل الحرب أو النزوح، فإن الامتحان النهائي لا يختبر نهاية مسار مكتمل، بل نهاية مسار منقوص. لذلك يصبح من الضروري إدخال معلومات عن المسار نفسه إلى عملية الحكم.
كما أن اعتماد ملفات الإنجاز أو التقارير المدرسية لا يعني الثقة المطلقة بكل علامة مدرسية، بل يعني بناء نظام تحقق يوازن بين القرب من الطالب والرقابة الخارجية. فالمعلم يعرف مسار الطالب، لكن اللجنة الخارجية تحمي القرار من التحيز أو التساهل. بهذا يتكامل الدليل المحلي مع الضبط المؤسسي، ويصير التقييم البديل أكثر قابلية للدفاع عنه.
التمكن من الامتحان لا يعني أن يعرف الطالب عنوان المادة أو أن يحضر إلى المركز في الموعد المحدد، بل يعني أن يكون قد مر بمسار تعلم كاف: شرح منظم، ممارسة، تغذية راجعة، مراجعة، فرصة لطرح الأسئلة، وتثبيت للمهارات الأساسية. وهذه العناصر لا تتكون في الأيام الأخيرة قبل الامتحان، بل عبر تراكم زمني متدرج. وعندما ينقطع هذا التراكم، لا يعود الامتحان النهائي وحده قادرا على تمثيل المسار التعليمي.
تظهر أهمية هذا المعنى في الأدبيات التي تميز بين التقويم التكويني والتقويم الختامي. فالتقويم التكويني يرافق التعلم ويكشف الفجوات ويساعد على تعديل التدريس، بينما يقدم التقويم الختامي حكما نهائيا في نهاية المسار. وقد بينت الأدبيات أن هذين النمطين ليسا متعارضين بالضرورة، بل يمكن أن يتكاملا إذا استعمل التقويم الختامي في ضوء معلومات تعلم أوسع. .[5]
ولهذا السبب تبدو مقترحات العلامات المدرسية وملفات الإنجاز والاختبارات الداخلية والتقارير التعليمية أدوات ذات قيمة في حالات الأزمة. فهي لا تلغي الامتحان، لكنها تمنع أن يصبح لحظة منفصلة عن تاريخ الطالب. وفي الظروف العادية قد يكون الامتحان الموحد كافيا نسبيا، أما في الظروف الاستثنائية فيصبح التقييم المتعدد المصادر أكثر قدرة على التقاط الجهد والفاقد والظرف.
وتدعم الأدبيات الحديثة حول علاقات التقويم بالتعلم هذا الاتجاه؛ إذ تبرز أن التقويم يمكن أن يكون للتعلم، وكجزء من التعلم، وعن التعلم، ولا ينبغي اختزاله في وظيفة واحدة. وبذلك يكون اعتماد تقييم بديل أو مكمل في حالات الضرر الفعلي امتدادا لفلسفة تقويمية معاصرة، لا إجراء عشوائيا أو تنازلا سياسيا. .[6]
رابعا: العبء المعرفي والقلق الامتحاني
في حالات الحرب والنزوح لا يذهب الطالب إلى الامتحان وهو يحمل المادة الدراسية وحدها، بل يحمل معها قلقا أمنيا ومعيشيا وأسريا. وقد ينعكس هذا القلق على الانتباه والذاكرة العاملة والقدرة على تنظيم الإجابة. ولذلك لا ينبغي تفسير انخفاض الأداء دائما بوصفه دليلا على ضعف القدرة أو قلة الاجتهاد.
تؤكد نظرية العبء المعرفي أن الذاكرة العاملة محدودة، وأن التعلم والأداء يتأثران بما يتحمله المتعلم من أعباء إضافية غير مرتبطة مباشرة بالمهمة التعليمية. كما بينت أعمال في تصميم التعليم أن تقليل العبء الخارجي يساعد المتعلم على توجيه موارده المعرفية نحو عناصر التعلم المهمة، لا نحو المشتتات أو صعوبات العرض. .[7]
وتتضح خطورة ذلك في الامتحان الرسمي لأن الطالب مطالب باسترجاع المعرفة وتنظيمها ضمن زمن محدود. فإذا كان جزء من موارده المعرفية مستهلكا في الخوف أو القلق أو التفكير في السكن والنزوح وسلامة الأسرة، فإن النتيجة النهائية قد تعبر عن حالة ضغط مركب لا عن مستوى أكاديمي خالص. وهذا لا يعني أن كل قلق يبطل الاختبار، بل يعني أن القلق الاستثنائي الناتج عن ظرف قاهر ينبغي أن يدخل في تفسير النتائج.
وتدعم دراسات القلق هذه الحجة. فالعلاقة بين القلق والإدراك معقدة، ويمكن للقلق أن يضعف الأداء في ظروف معينة عبر تأثيره في الانتباه والموارد التنفيذية. كما أظهرت مراجعة عن قلق الاختبار أن له آثارا سلبية في الأداء وتقدير الذات، وأن خفضه يمكن أن ينعكس إيجابيا على النتائج الدراسية. .[8]
وفي السياق المدرسي والاجتماعي، لا يعمل القلق منفردا، بل يتصل بشبكات الدعم. فقد أشارت دراسة حول القلق الاجتماعي والإنجاز الأكاديمي إلى أن الروابط الاجتماعية تؤدي دورا في تخفيف الأثر السلبي للقلق على النتائج. وهذا مهم في حالة النزوح، حيث قد يفقد الطالب علاقته بزملائه ومعلميه وبيئته الصفية، أي يفقد جزءا من شبكة الأمان التعليمي والاجتماعي.
خامسا: التعليم في النزوح واللجوء والانقطاع
تشترك حالات اللجوء والنزوح والانقطاع التعليمي في أنها تقطع علاقة الطالب المنتظمة بالمؤسسة المدرسية. فقد يصبح الطالب تابعا لمدرسة جديدة، أو يعيش في مكان مؤقت، أو يعتمد على تعليم عن بعد لا يملك أدواته، أو يفقد دعما أسريا بسبب ضغط الظروف المعيشية. وفي كل هذه الحالات لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كان المنهاج متاحا رسميا، بل ما إذا كان الوصول إليه ممكنا وفعالا.
تشير الأدبيات الخاصة بتعليم اللاجئين عن بعد إلى أن التكنولوجيا قد تفتح فرصا تعليمية، لكنها لا تكفي وحدها لضمان جودة التعلم، لأن الوصول إلى الأجهزة والاتصال والدعم الأسري والمعلم يبقى شرطا حاسما. وتؤكد دراسة عن الطلاب اللاجئين في التعليم المفتوح والتعليم عن بعد خلال الجائحة أن محدودية التكنولوجيا والدعم الأسري شكّلت عائقا تعليميا مهما، رغم بعض أشكال الدعم المؤسسي. .[9]
وتزداد أهمية هذه النتيجة عند التفكير في الطلاب المتضررين من الحرب. فإعلان إتاحة التعليم البديل لا يعني أن الجميع استفادوا منه بدرجة واحدة. قد يوجد درس إلكتروني، لكن لا يوجد جهاز. وقد يوجد جهاز، لكن لا يوجد اتصال مستقر. وقد يوجد الاتصال، لكن لا توجد بيئة هادئة أو دعم أسري أو استقرار نفسي. لذلك فإن مجرد وجود بديل تعليمي لا يكفي للقول إن تكافؤ الفرص تحقق.
كما تبين الأدبيات المتعلقة بتقييم صعوبات الطلاب ذوي الخلفيات اللاجئة أن فهم الخلفية والسياق الحالي للطالب أساسي لتقييمه وتعزيز تعلمه. ويعني ذلك أن التقييم العادل لا يفصل الطالب عن تجربته القريبة، ولا يقرأ نتيجته كما لو كان قد عاش مسارا مدرسيا عاديا. .[10]
وفي حالات الفاقد التعليمي، تقدم برامج التعليم المسرع مثالا على سياسة تعويضية ممكنة. فهي تستهدف عادة الأطفال خارج المدرسة أو المتأخرين تعليميا، وتهدف إلى تمكينهم من اللحاق أو العودة إلى التعليم النظامي عبر مسارات مكثفة. ولا تعني الإشارة إلى هذه البرامج نقلها آليا إلى حالة الامتحانات اللبنانية، بل الاستفادة من مبدئها: قبل الحكم النهائي، ينبغي توفير فرصة تعويضية حقيقية عندما يكون الضرر التعليمي كبيرا. .[11]
سادسا: قراءة في دلالة نسبة الخمسة والسبعين إلى الخمسة والعشرين
وتنبغي قراءة النسبة المقابلة، أي الربع الذي لا تنطبق عليه الحالة شبه الطبيعية، بوصفها سؤالا لا بوصفها حكما نهائيا. فهذه الفئة تحتاج إلى فرز داخلي: من تضرر جزئيا، ومن تضرر بشدة، ومن بقي قادرا على الامتحان مع بعض التسهيلات. إن السياسة العادلة لا تفترض تجانس المتضررين، كما لا تفترض تجانس غير المتضررين. وهي لذلك تحتاج إلى أدوات تحقق أكثر دقة من التصنيف العام.
والأثر العملي لهذه القراءة أن القرار لا ينبغي أن يبنى على منطق الأغلبية العددية وحده. ففي القضايا التربوية، قد تكون الأقلية المتضررة كبيرة بما يكفي لتغيير طبيعة السياسة كلها. فإذا كان ربع الطلاب خارج الوضع شبه الطبيعي، فإن تجاهلهم لا يعود تفصيلا إداريا، بل يصبح خللا في تصميم السياسة.
إن دلالة التصريح المنسوب إلى الجهة الرسمية لا تكمن فقط في نسبة الأكثرية، بل في الاعتراف الضمني بأن واقع الطلاب ليس موحدا. فإذا كان خمسة وسبعون في المئة يعيشون حياة شبه طبيعية، فإن النسبة المقابلة حسابيا لا تدخل في هذا الوصف. وحتى إذا بقيت خصائص هذه الفئة بحاجة إلى تحديد، فإن وجودها يكفي لفتح سؤال السياسة التقييمية. فالسياسة العامة لا تقاس فقط بقدرتها على خدمة الأكثرية، بل بقدرتها على حماية من لا تشملهم الشروط العامة.
وقد يبدو من السهل إداريا اعتماد قرار واحد: يمتحن الجميع أو يعفى الجميع. غير أن العدالة التربوية لا تعمل بهذه الثنائية المبسطة. فالطلاب الذين استعدوا فعلا لهم حق في مسار امتحاني يحفظ انتظام الشهادة ولا يعلق مستقبلهم، والطلاب الذين لم تتح لهم شروط التعلم لهم حق في ألا يتحول الامتحان إلى عقوبة على ظرف قاهر. ومن هنا تظهر الحاجة إلى سياسة متعددة المسارات.
ولا ينبغي بناء هذه السياسة على معايير طائفية أو مناطقية أو سياسية. فإذا كان الضرر في الواقع متركزا في مناطق معينة، فإن الصياغة الأكاديمية والإدارية الأقوى هي معيار الضرر الفعلي. أي أن الاستثناء لا يمنح بسبب الهوية أو الانتماء، بل بسبب إثبات واقعي لانقطاع التعليم أو النزوح أو فقدان الأمان أو عدم القدرة على الوصول إلى المدرسة ومركز الامتحان.
سابعا: معايير مقترحة لتحديد الضرر الفعلي
وتستطيع الوزارة، أو الجهة المنظمة للامتحانات، أن تحول هذه المؤشرات إلى سلم تقدير معلن. فيمنح كل مؤشر وزنا محددا، وتجمع المؤشرات في درجة ضرر كلية، ثم تربط الدرجة بالمسار التقييمي الملائم. فهذا الأسلوب يقلل القرارات الفردية المتناقضة، ويسمح بمراجعة الحالات على أساس واحد. ولا يلزم أن يكون السلم حسابيا جامدا، لكنه ينبغي أن يكون واضحا بما يكفي ليعرف الطالب والأسرة والمدرسة سبب القرار.
وينبغي أن يرافق السلم مبدأ الشفافية المحدودة: أي نشر المعايير العامة من دون كشف البيانات الشخصية للطلاب. فالشفافية تحمي الثقة العامة، والسرية تحمي كرامة الطالب وخصوصيته. وكل سياسة لا تراعي هذين الأمرين معا قد تتحول إما إلى غموض يثير الشك، أو إلى إفصاح مضر بحقوق الطلاب.
حتى لا يتحول الاستثناء إلى باب عشوائي أو تلاعب، تقترح الدراسة اعتماد مؤشرات متدرجة للضرر. أولها انتظام التعليم: عدد أيام الانقطاع، إقفال المدرسة، تعذر الوصول، الانتقال بين مدارس متعددة، وعدم إنجاز المنهاج الأساسي. ثانيها الاستقرار المكاني: النزوح من السكن الأصلي، الإقامة المؤقتة، أو الانتقال المتكرر خلال العام الدراسي. ثالثها شروط التعلم البديل: توافر الجهاز، الاتصال، الهدوء، الدعم الأسري، والتواصل مع المعلم. رابعها الحالة النفسية والاجتماعية: تعرض الطالب لخطر أمني مباشر، فقدان قريب، أو اضطراب شديد موثق من جهة مختصة.
وتحتاج هذه المعايير إلى آلية تحقق لا تكتفي بتصريح الطالب أو أسرته. ويمكن أن تشمل الآلية إفادات المدرسة، وتقارير الإدارة والمعلمين، وسجلات الحضور، ووثائق النزوح أو الإقامة، وشهادات محلية رسمية، وتقدير لجان تربوية ونفسية عند الحاجة. والغاية من هذه الآلية ليست التشدد الإداري لذاته، بل حماية المبدأ من سوء الاستخدام، وحماية الطلاب المتضررين من اتهامهم بطلب امتياز غير مستحق.
كما ينبغي تصنيف الضرر إلى درجات. فالضرر الشديد قد يبرر إفادة أو تقييما بديلا واسعا، والضرر المتوسط قد يبرر دورة خاصة مدعومة، والضرر المحدود قد يبرر تسهيلات في المركز أو تمديدا أو دعما نفسيا وتعليميا. وبهذا لا تتحول الاستثناءات إلى كتلة واحدة، بل تصبح متناسبة مع مقدار الضرر.
ثامنا: البدائل التقييمية الممكنة
يمكن تصور أربع مسارات لا يلغي أحدها الآخر. المسار الأول هو الامتحان الرسمي المعتاد للطلاب الذين توافرت لهم شروط تعلم واستعداد مقبولة. وهذا المسار يحفظ انتظام النظام التعليمي وقيمة الشهادة بالنسبة إلى الفئة التي لم تتعرض لضرر جوهري.
المسار الثاني هو التقييم البديل للطلاب المتضررين جزئيا. ويمكن أن يجمع بين العلامات المدرسية، الاختبارات الداخلية، ملفات الإنجاز، تقارير المعلمين، وحضور الطالب ومشاركته خلال العام. وتدعم الأدبيات التي تربط بين التقويم الصفي والتعلم فكرة استخدام أكثر من دليل قبل إصدار الحكم، خصوصا عندما يكون الامتحان النهائي غير كاف بمفرده.
المسار الثالث هو الدورة الخاصة المدعومة. ولا يكفي في هذه الحالة تأجيل الامتحان إلى موعد لاحق؛ لأن المشكلة ليست في التاريخ فقط، بل في الفاقد التعليمي. لذلك ينبغي أن تسبق الدورة فترة تعويض فعلية، تشمل مراجعة الكفايات الأساسية، ودعما نفسيا، واختبارات تدريبية، وتغذية راجعة. وتدل أدبيات الاختبارات القصيرة والتعلم المعزز بالاختبار على أن الممارسة المنظمة يمكن أن تدعم التعلم والاحتفاظ، إذا صممت بوصفها جزءا من التعلم لا مجرد أداة ضغط. .[12]
المسار الرابع هو الإفادات أو النجاح المشروط للحالات الأشد تضررا، حيث يصبح الامتحان غير قادر على إنتاج حكم عادل. ولا ينبغي النظر إلى هذا المسار بوصفه إلغاء للمعيار، بل بوصفه اعترافا بأن الأداة العادية لم تعد مناسبة لفئة معينة في ظرف استثنائي. ويمكن ضبط هذا المسار بتوثيق الضرر، وبربطه بمتطلبات لاحقة عند الانتقال إلى المرحلة التالية، مثل دورات تقوية أو اختبارات تشخيصية غير إقصائية.
وتتعلق قيمة هذه البدائل بقدرتها على حفظ أمرين معا: صدقية الشهادة وحق الطالب في التقييم العادل. فالسياسة الجيدة لا تختار بينهما اختيارا صفريا، بل تصمم ترتيبات تقلل الضرر على كليهما.
تاسعا: مناقشة الاعتراضات
أما الاعتراض المتعلق بصعوبة المقارنة بين مسارات مختلفة فيجاب عنه بأن النظام التعليمي يعرف أصلا أنواعا متعددة من الأدلة: امتحانات مدرسية، أعمال فصلية، مشاريع، اختبارات نهائية، وشهادات انتقال. والمطلوب في الأزمة ليس اختراع منطق جديد كليا، بل استعمال أدوات معروفة ضمن بنية أوضح وأشد ضبطا. والمقارنة لا تكون بين شكلين متطابقين من التقييم، بل بين مسارين يسعيان إلى قياس الكفاية بأعدل وسيلة ممكنة.
وقد يقال إن الإفادة أو النجاح المشروط يخل بمبدأ الاستحقاق. والجواب أن الاستحقاق نفسه لا يكون مفهوما إذا فصل عن الفرصة. فالطالب لا يستحق الرسوب لمجرد أنه لم يتعلم ما لم تتح له فرصة تعلمه. والاستحقاق العادل يعني مساءلة الطالب ضمن حدود ما أتيح له فعلا، لا تحميله آثار ظرف قاهر لم يكن قادرا على دفعه.
الاعتراض الأول أن الإفادات أو التقييمات البديلة تضعف قيمة الشهادة. وهذا اعتراض وجيه إذا منحت الإفادات بلا معيار أو بلا تحقق. غير أن قيمة الشهادة لا تقوم فقط على صرامة الامتحان، بل على صدق النتيجة. فإذا كان الامتحان سيقيس أثر الحرب لا التحصيل، فإن التمسك به وحده قد يضعف القيمة المعرفية للشهادة بدل أن يحميها.
الاعتراض الثاني أن الامتحان الموحد ضروري للمساواة. والجواب أن الامتحان الموحد يكون أداة مساواة عندما تتقارب الشروط السابقة عليه. أما إذا اختلفت الشروط اختلافا كبيرا، فإن التوحيد قد ينتج ظلما مقنعا. فالمساواة لا تعني معاملة غير المتساوين في الفرصة كما لو كانوا متساوين فعلا، بل تعني تصميم إجراء يسمح لكل طالب بإظهار قدرته قدر الإمكان.
الاعتراض الثالث أن بعض غير المتضررين قد يستفيدون من الاستثناء. وهذا خطر حقيقي، لكنه لا يبطل المبدأ، بل يفرض آلية تحقق صارمة. فكثير من السياسات العامة تتضمن احتمال سوء استخدام، ولا يكون الحل إلغاء الحق، بل ضبط طريق الوصول إليه.
الاعتراض الرابع أن الدورة الخاصة تكفي للجميع. وهذا غير دقيق؛ فالدورة الخاصة قد تكون مناسبة للضرر المتوسط، لكنها لا تكفي للحالات التي فقدت جزءا كبيرا من العام أو عاشت ضغطا نفسيا شديدا. كما أن التأجيل بلا دعم لا ينتج تمكنا، بل يؤخر الاختبار فقط.
عاشرا: الموقف التربوي الراجح
يقود التحليل إلى موقف مركب: لا إلغاء عاما للامتحانات، ولا تعميم جامد لها. فالامتحان الرسمي يبقى مشروعا للطلاب الذين توافرت لهم شروط التعلم والاستعداد، لكنه يحتاج إلى بدائل بالنسبة إلى من لم تتح لهم هذه الشروط. وهذا الموقف يحمي الشهادة من التسييس، لأنه لا يتعامل مع الطلاب بوصفهم كتلا مناطقية أو طائفية، بل بوصفهم حالات تعليمية قابلة للتقييم وفق ضرر فعلي.
وتتمثل السياسة الأكثر اتزانا في إعلان معايير الضرر قبل القرار النهائي، وتشكيل لجان تربوية مناطقية، وإتاحة مسارات تقييمية مختلفة، ونشر تقرير يشرح الأساس التربوي والحقوقي للقرار. فالغموض في مثل هذه الحالات يولد اتهامات متبادلة: اتهام بالإجحاف إذا جرى الامتحان، واتهام بإضعاف الشهادة إذا اعتمد الاستثناء. أما الشفافية فتجعل القرار قابلا للنقاش والمراجعة.
ولكي لا تتحول البدائل إلى ممر إداري شكلي، يجب أن ترتبط بفلسفة تعليمية واضحة: الطالب لا ينجح لأنه متضرر، بل يمنح فرصة تقييم عادلة لأن الضرر حال دون استخدام الأداة العادية. فإذا امتلك الطالب الحد الأدنى من الكفايات عبر دليل بديل، كان من العدل الاعتراف به. وإذا احتاج إلى دعم قبل الانتقال، كان من العدل إلزام المؤسسة بتوفيره بدل معاقبته على الفاقد.
خاتمة ونتائج
خلصت الدراسة إلى أن الامتحان الموحد لا يكون عادلا بمجرد توحيده. فالعدالة التقويمية تتوقف على العلاقة بين الامتحان وفرص التعلم السابقة عليه. وعندما تقر الوقائع بوجود تفاوت واسع في ظروف الطلاب، يصبح من غير الكافي اعتماد معيار واحد للجميع من غير فحص الضرر الفعلي.
وتبين أن صدق الاختبار قد يتأثر في حالات الحرب والنزوح والانقطاع؛ لأن النتيجة قد تقيس أثر الخوف والفاقد التعليمي والعبء المعرفي أكثر مما تقيس التحصيل. كما بينت الدراسة أن التقويم التكويني والتقييم البديل لا يمثلان إضعافا للمعيار، بل قد يكونان أكثر ملاءمة عندما يصبح الامتحان النهائي عاجزا عن تمثيل المسار التعليمي.
وتوصلت الدراسة إلى أن أفضل مقاربة هي سياسة متعددة المسارات: امتحان رسمي لمن توافرت لهم شروط التعلم، وتقييم بديل أو دورة خاصة مدعومة أو إفادات مشروطة لمن ثبت ضرره. ولا ينهض هذا الحل إلا على معايير واضحة، ولجان تحقق، وشفافية في الإعلان، وتجنب لأي معيار فئوي أو سياسي.
توصيات
توصي الدراسة وزارة التربية والتعليم العالي باعتماد سلّم قرار تدريجي لا يبدأ من الإعفاء ولا ينتهي إلى الامتحان الموحد بوصفه حلا وحيدا، بل يرتب الخيارات بحسب الإمكانات الواقعية المتاحة للوزارة وبحسب درجة الضرر التعليمي المثبت.
١. إذا أمكن إجراء امتحان رسمي آمن ومنظم للطلاب الذين توافرت لهم شروط تعليم واستعدادات طبيعية مقبولة، فينبغي إجراؤه لهم حفاظا على انتظام الشهادة الرسمية، مع ضمان الوصول الآمن إلى مراكز الامتحان وعدم تعريض الطلاب لمخاطر إضافية.
٢. إذا أمكن تعويض الفاقد التعليمي قبل الامتحان، توصي الدراسة بتنظيم دورة خاصة مدعومة للطلاب المتضررين، على أن تسبقها فترة دعم حقيقية تشمل مراجعة الكفايات الأساسية، وتدريبا على نمط الأسئلة، وتغذية راجعة تربوية، لا مجرد تأجيل تاريخ الامتحان.
٣. إذا لم تكن الدورة الخاصة الشاملة ممكنة، وكان بالإمكان اعتماد تقييم بديل موثوق، فينبغي للوزارة أن تستند إلى العلامات المدرسية، وملفات الإنجاز، والاختبارات الداخلية، وتقارير المعلمين والإدارات، بوصفها أدوات مكملة تسمح بالحكم على مسار الطالب لا على لحظة امتحانية واحدة.
٤. إذا أمكن التمييز بين درجات الضرر، فينبغي تشكيل لجان تربوية محلية أو مناطقية لدراسة الحالات وفق وثائق مدرسية ورسمية ومحلية، بحيث لا يتحول الاستثناء إلى امتياز مفتوح، ولا تتحول القاعدة العامة إلى إنكار للضرر الفعلي.
٥. إذا تعذرت الإمكانات التنظيمية أو الأمنية أو التعليمية اللازمة للتعويض والتقييم البديل، وثبت أن فئة من الطلاب حرمت من شروط التعلم والاستعداد حرمانا جوهريا، تصبح الإفادة المدرسية أو إفادة النجاح حلا متعينا تربويا، لأنها في هذه الحالة لا تمثل تنازلا عن معيار الشهادة، بل تعويضا عن استحالة تطبيق معيار امتحاني عادل.
٦. إذا تفاوتت القدرة التنفيذية بين المناطق، فينبغي أن تعتمد الوزارة معيار الضرر لا معيار المنطقة أو الانتماء، وأن تشرح بوضوح لماذا يستفيد طالب معين من مسار استثنائي ولا يستفيد آخر، حماية للعدالة ولثقة المجتمع بالشهادة الرسمية.
٧. في جميع الأحوال، توصي الدراسة بأن يصدر القرار النهائي ببيان تربوي معلل يوضح المعايير والخيارات الممكنة والخيارات المتعذرة، حتى لا يظهر القرار بوصفه إجراء سياسيا أو إداريا مفاجئا، بل بوصفه سياسة تقييمية تستند إلى الإنصاف وصدق الاختبار وحماية حق الطالب في التعلم.
قائمة المصادر والمراجع
1. موقع الديار. «كرامي: 75% من الطلاب يمارسون حياتهم بشكل شبه طبيعي». خبر عاجل، 14 حزيران 2026، https://addiyar.com/article/2365210.
2. Black, Paul, and Dylan Wiliam. “Assessment and Classroom Learning.” Assessment in Education: Principles, Policy & Practice, vol. 5, no. 1, 1998, pp. 7–74.
3. Wiliam, Dylan, Clare Lee, Christine Harrison, and Paul Black. “Teachers Developing Assessment for Learning: Impact on Student Achievement.” Assessment in Education: Principles, Policy & Practice, vol. 11, no. 1, 2004, pp. 49–65.
4. Dixson, Dante D., and Frank C. Worrell. “Formative and Summative Assessment in the Classroom.” Theory Into Practice, vol. 55, no. 2, 2016, pp. 153–159.
5. Yusoff, Muhamad Saiful Bahri. “ABC of Content Validation and Content Validity Index Calculation.” Education in Medicine Journal, vol. 11, no. 2, 2019, pp. 49–54.
6. Schellekens, L. H., et al. “A Scoping Review on the Notions of Assessment as Learning, Assessment for Learning, and Assessment of Learning.” Studies in Educational Evaluation, vol. 71, 2021, article 101094.
7. Sweller, John. “Cognitive Load Theory and Educational Technology.” Educational Technology Research and Development, vol. 68, 2020, pp. 1–16.
8. Mayer, Richard E., and Roxana Moreno. “Nine Ways to Reduce Cognitive Load in Multimedia Learning.” Educational Psychologist, vol. 38, no. 1, 2003, pp. 43–52.
9. Vytal, Katherine, and Brian Cornwell. “Describing the Interplay between Anxiety and Cognition: From Impaired Performance under Low Cognitive Load to Reduced Anxiety under High Load.” Psychophysiology, vol. 50, no. 9, 2013, pp. 842–852.
10. Hembree, Ray. “Correlates, Causes, Effects, and Treatment of Test Anxiety.” Review of Educational Research, vol. 58, no. 1, 1988, pp. 47–77.
11. Brook, Christina A., and Teena Willoughby. “The Social Ties That Bind: Social Anxiety and Academic Achievement Across the University Years.” Journal of Youth and Adolescence, vol. 44, 2015, pp. 1139–1152.
12. Taftaf, Rana, and Christine Williams. “Supporting Refugee Distance Education: A Review of the Literature.” American Journal of Distance Education, vol. 34, no. 1, 2020, pp. 5–18.
13. Nazlı, Kemal, and Ali Culha. “Refugee Students in Open and Distance Learning during the COVID-19 Pandemic through the Eyes of Turkish Teachers.” Turkish Online Journal of Distance Education, vol. 24, no. 3, 2023, pp. 209–223.
14. Khawaja, Nigar G., and Glenn Howard. “Assessing Educational Difficulties of Students from Refugee Backgrounds: A Case Study Approach.” Journal of Psychologists and Counsellors in Schools, vol. 30, no. 2, 2020, pp. 97–111, doi:10.1017/jgc.2020.2.
15. Diazgranados Ferráns, Silvia, Jeongmin Lee, Chinedu Ohanyido, Kayla Hoyer, and Adane Miheretu. “The Cost-Effectiveness of an Accelerated Learning Program on the Literacy, Numeracy and Social-Emotional Learning Outcomes of Out-of-School Children in Northeast Nigeria: Evidence from a Mixed Methods Randomized Controlled Trial.” Journal of Research on Educational Effectiveness, vol. 15, no. 4, 2022, pp. 655–686, doi:10.1080/19345747.2022.2037799.
16. Garza, Marta C., et al. “Performance in Kahoot! Activities as Predictive of Exam Performance.” BMC Medical Education, vol. 23, article 413, 2023.
حواشي
[1]عبد الله م. بدوي، ماجستير في علوم التربية، جامعة القديس يوسف. البريد الإلكتروني: abdallah.badawi@net.usj.edu.lb.
[2]موقع الديار، «كرامي: 75% من الطلاب يمارسون حياتهم بشكل شبه طبيعي»، خبر عاجل، 14 حزيران 2026، https://addiyar.com/article/2365210.
[3] [3]Black and Wiliam, “Assessment and Classroom Learning,” pp. 7–74; Wiliam et al., “Teachers Developing Assessment for Learning,” pp. 49–65.
[4]Muhamad Saiful Bahri Yusoff, “ABC of Content Validation and Content Validity Index Calculation,” Education in Medicine Journal, vol. 11, no. 2, 2019, pp. 49–54.
[5]Dante D. Dixson and Frank C. Worrell, “Formative and Summative Assessment in the Classroom,” Theory Into Practice, vol. 55, no. 2, 2016, pp. 153–159.
[6]L. H. Schellekens et al., “A Scoping Review on the Notions of Assessment as Learning, Assessment for Learning, and Assessment of Learning,” Studies in Educational Evaluation, vol. 71, 2021, article 101094.
[7]John Sweller, “Cognitive Load Theory and Educational Technology,” Educational Technology Research and Development, vol. 68, 2020, pp. 1–16; Richard E. Mayer and Roxana Moreno, “Nine Ways to Reduce Cognitive Load in Multimedia Learning,” Educational Psychologist, vol. 38, no. 1, 2003, pp. 43–52.
[8]Katherine Vytal and Brian Cornwell, “Describing the Interplay between Anxiety and Cognition: From Impaired Performance under Low Cognitive Load to Reduced Anxiety under High Load,” Psychophysiology, vol. 50, no. 9, 2013, pp. 842–852; Ray Hembree, “Correlates, Causes, Effects, and Treatment of Test Anxiety,” Review of Educational Research, vol. 58, no. 1, 1988, pp. 47–77; Christina A. Brook and Teena Willoughby, “The Social Ties That Bind: Social Anxiety and Academic Achievement Across the University Years,” Journal of Youth and Adolescence, vol. 44, 2015, pp. 1139–1152.
[9]Rana Taftaf and Christine Williams, “Supporting Refugee Distance Education: A Review of the Literature,” American Journal of Distance Education, vol. 34, no. 1, 2020, pp. 5–18; Kemal Nazlı and Ali Culha, “Refugee Students in Open and Distance Learning during the COVID-19 Pandemic through the Eyes of Turkish Teachers,” Turkish Online Journal of Distance Education, vol. 24, no. 3, 2023, pp. 164–181.
[10]Nigar G. Khawaja and Glenn Howard, “Assessing Educational Difficulties of Students from Refugee Backgrounds: A Case Study Approach,” Journal of Psychologists and Counsellors in Schools, vol. 30, no. 2, 2020, pp. 190–205.
[11]Silvia Diazgranados Ferráns, Jeongmin Lee, Chinedu Ohanyido, Kayla Hoyer, and Adane Miheretu, “The Cost-Effectiveness of an Accelerated Learning Program on the Literacy, Numeracy and Social-Emotional Learning Outcomes of Out-of-School Children in Northeast Nigeria,” International Journal of Educational Development, vol. 93, 2022, article 102648.
[12]Marta C. Garza et al., “Performance in Kahoot! Activities as Predictive of Exam Performance,” BMC Medical Education, vol. 23, article 413, 2023.