تشييع الإمام علي الخامنئي بين الإرث الكربلائي والنظريات الحديثة قراءة في الدلالات والتحولات والمآلات
د. عبد الله م. بدوي · 2026-07-31

موقع إقتدار
مقدمة
لا يبدأ هذا البحث من الجنازة بوصفها واقعة خارجية تُرى في الشارع وتنتهي بانتهاء الموكب، بل من السؤال الذي تطرحه الجنازة حين تكون جنازة قائد ديني سياسي في مجتمع تتداخل فيه العقيدة والذاكرة والدولة. فالتشييع، في مثل هذه الحال، لا يكون عبورًا صامتًا لجسد إلى مثواه الأخير، بل يصير نصًّا عامًّا تكتبه الجماعة بأجسادها ودموعها وسوادها وصمتها، وتعيد من خلاله ترتيب علاقتها بالراحل وبما حمله من معنى. إن الجسد المحمول في التشييع يكشف هشاشة الإنسان، غير أن الحشد حوله يكشف أن المعنى قد يكون أوسع من الجسد، وأن الغياب قد يتحول إلى طور آخر من الحضور.
تنبع أهمية هذا البحث من أنه يقرأ تشييع السيد علي الخامنئي في أفق إسلامي جامع أولًا، ثم في أفق كربلائي مخصوص، ثم في ضوء مفاهيم حديثة تساعد على فهم عمل الذاكرة والرمز والحشد. فلو قُرئ الحدث من خلال السياسة وحدها ضاع عمقه الديني، ولو قُرئ من خلال الوجدان وحده ضاعت بنيته الاجتماعية والسياسية، ولو قُرئ من خلال النظريات الحديثة وحدها تلاشت خصوصية الشهادة في الوعي الإسلامي. لذلك يتجه البحث إلى تركيب منهجي يجعل القرآن والسنة وما روي عن أهل البيت أصل المعنى، ويجعل النظرية الحديثة أداة كشف لا سلطة بديلة عن المعنى.
تتمثل مشكلة البحث في السؤال الآتي: كيف يمكن قراءة تشييع السيد علي الخامنئي بوصفه لحظة يتجاور فيها معنى الشهادة في القرآن والسنة النبوية وما روي عن أهل البيت، والذاكرة الكربلائية، وبناء الشرعية السياسية، وعمل الحشود في المجال العام؟ ويتفرع من ذلك سؤال آخر: كيف يمكن للباحث أن يستلهم كربلاء من غير أن يطابق بينها وبين الحدث المعاصر، وأن يستعمل مفاهيم الذاكرة والطقس والشرعية من غير أن يجعلها حاكمة على التجربة الدينية من خارجها؟
تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن التشييع لا يصبح حدثًا مؤثرًا لمجرد كثافة المشاركين فيه، بل لأنه يربط بين موت شخصي ومعنى جمعي. فالناس لا يشيعون جسدًا وحسب، بل يشيعون صورة عن الحق والقيادة والوفاء والذاكرة. ومن ثم فإن الموكب الجنائزي قد يتحول إلى فعل تأويلي يقول للجماعة: من كانت، ومن تكون، وإلى أين تمضي بعد فقد الرمز.
وتتحدد حدود البحث في قراءة التشييع بوصفه حدثًا رمزيًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا، لا في كتابة سيرة كاملة للسيد علي الخامنئي، ولا في إصدار حكم عقدي على مقامه الأخروي. ويهدف البحث إلى تأصيل فلسفة الشهادة من نصوصها الإسلامية الجامعة، وضبط الاستلهام الكربلائي من غير مطابقة، وقراءة الحشد بوصفه شاهدًا وجدانيًّا وسياسيًّا، وبيان مآلات الحدث في سؤال القيادة والهوية والشرعية.
تنتظم الدراسة في ستة محاور وخاتمة: يبدأ المحور الأول بفلسفة الشهادة في القرآن الكريم، ويعالج الثاني السنة النبوية وما روي عن أهل البيت في معنى الشهادة، ويتناول الثالث الإرث الكربلائي، ثم ينتقل الرابع إلى التشييع بوصفه شاهدًا لا خبرًا مجرّدًا، ويستعين الخامس بالنظريات الحديثة، فيما يجمع السادس الدلالات والتحولات والمآلات.
ومن جهة الدراسات السابقة، لا يدّعي البحث أنه يبدأ من فراغ؛ فقد درس (كامران سكوت أغاوي) رموز كربلاء وشعائرها في إيران الحديثة، مبيّنًا كيف تحولت عاشوراء إلى مخزون رمزي يصوغ الهوية والمقاومة. ودرس إسحاق نكاش نشأة طقوس عاشوراء بوصفها ممارسة اجتماعية تتكون تاريخيًّا وتعيد الجماعة تعريف نفسها عبر التكرار والحداد. أما محمود أيوب فقرأ الحزن الحسيني في بعده التعبدي والمعرفي، لا بوصفه عاطفة عابرة. غير أن هذه الدراسات، على أهميتها، لا تقرأ واقعة تشييع السيد الخامنئي بوصفها حالة مخصوصة تقع عند ملتقى الشهادة والقيادة والحرب والذاكرة العابرة للحدود؛ ومن هنا تأتي إضافة هذا البحث.
أما من جهة نقد المصادر، فقد ميّزت الدراسة بين النصوص المؤسسة التي يُرجع إليها في أصل المعنى، والمصادر التاريخية والمقتلية التي تُستعمل بحذر، والدراسات الحديثة التي تقدم أدوات تحليل، والمصادر الصحفية التي تثبت شواهد الواقعة ولا تنوب عن التأويل.
وبهذا التفريق لا يعود الخبر الصحفي برهانًا عقائديًّا، ولا تتحول الذاكرة الشعائرية إلى بديل عن التحقيق، ولا تغدو النظرية الحديثة سلطة فوق النص الديني.
أولًا: فلسفة الشهادة في القرآن الكريم
تبدأ فلسفة الشهادة في القرآن الكريم من نقض الظاهر. فالظاهر يقول إن المقتول قد انتهى، وإن الجسد حين يسقط ينقطع عنه الفعل والحضور. غير أن القرآن ينقل النظر من الحس إلى الوحي، ومن مشاهدة الجسد إلى إدراك الحقيقة: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لَّا تَشْعُرُونَ﴾ [سورة البقرة، الآية 154]. وقد قرّر المفسرون في التفسير الإسلامي العام أن هذه الحياة ليست حياةً حسية ظاهرة يدركها الناس بأدواتهم العادية، بل حياة غيبية مخصوصة تثبت بنص الوحي، وتؤسس في الوعي المسلم أن الشهادة لا تُقرأ بمنطق الفناء وحده[1].
ولا تقف الدلالة عند آية البقرة، بل تتسع في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [سورة آل عمران، الآية 169]. وقد فسّر الطباطبائي هذه الحياة بوصفها حياة حقيقية في عالم البرزخ، لا مجرد مجاز عزائي، وبذلك تصبح الآية تأسيسًا أنطولوجيًّا لمعنى الشهادة: فالحياة في التصور القرآني ليست البيولوجيا وحدها، والموت ليس توقف الحركة وحده، بل للوجود مرتبة أخرى تقاس بالقرب من الله وبصدق السبيل[2].
إن عبارة ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هي قلب المفهوم؛ فهي التي تمنع تحويل الشهادة إلى تمجيد للموت أو العنف، وتجعلها فعلًا أخلاقيًّا قائمًا على الغاية. فالقرآن لا يقدس الموت لذاته، بل يقدس أن يكون البذل في طريق الحق حين لا يبقى للحق طريق أرخص من النفس. ومن هنا تصبح لغة التشييع جزءًا من المسؤولية: أن تحفظ الجماعة معنى الشهادة من التحريف، فلا تختزل الشهيد في الفقد النهائي، ولا تجعل اسمه ذريعة لخطاب غير منضبط.
ومن زاوية إسلامية عامة، لا تنحصر فلسفة الشهادة في بيئة مذهبية مخصوصة. فالمسلمون، على اختلاف مدارسهم الكلامية والفقهية، يلتقون عند أصل قرآني واحد: أن البذل في سبيل الله ليس انطفاءً للإنسان بل صعود بمعنى حياته. ومن هذا الأصل ينتقل البحث إلى السنة النبوية وما روي عن أهل البيت في معنى الشهادة والوفاء.
وتشهد بعض المصادر الحديثية المعتمدة في المجال الإسلامي العام على هذا الاتصال من غير حاجة إلى تحويله إلى سجال مذهبي؛ ففي صحيح مسلم يرد حديث الثقلين، وفيه تذكير النبي (ص) بأهل بيته، بما يجعل حضور أهل البيت في البحث حضورًا متصلًا بالبيان المحمدي لا إضافة خارجة عنه[3].
وعليه، فإن التشييع في ضوء هذه الفلسفة لا يكون انتقالًا لميت من مكان إلى مكان، بل انتقالًا للمعنى من حياة الشخص إلى ذاكرة الجماعة. حين تسير الجماعة خلف النعش فإنها لا تشهد على موت الراحل فقط، بل تشهد على تأويلها لحياته وموته. ومن هنا يصبح التشييع شهادة ثانية: الأولى فعلها الشهيد أو الراحل بمساره، والثانية تفعلها الجماعة بحضورها ووفائها.
ثانيًا: السنة النبوية في معنى الشهادة
إن النصوص المروية عن أهل البيت في معنى الشهادة تُقرأ بوصفها بيانًا داخلًا في أفق السنة والقرآن، لا خطابًا منفصلًا عن النبوة. والمقصود هنا بيان كيف فهم بيت الرسالة معنى البذل والحق والنية.
وفي هذا البيان، لا تكفي صورة الموت لكي تصنع مقام الشهادة؛ فلا بد من النية، والسبيل، والغاية. وقد ورد في الكافي "فَوْقَ كُلِّ ذِي بِرٍّ بِرٌّ حَتَّى يُقْتَلَ الرَّجُلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِذَا قُتِل فِي سَبِيلِهِ فَلَيْسَ فَوْقَهُ بِرٌّ"[4]. وهذا النص لا يقدم الموت باعتباره مطلوبًا لذاته، بل يضع البذل الأقصى في قمة سلم القيم حين يكون في سبيل الله. فالدم لا يكتسب قيمته من حمرة المشهد، بل من صدق الطريق الذي سال فيه.
ويظهر في أبواب الجهاد أن النص الحديثي يربط البذل بحفظ الدين والجماعة والكرامة، مع ما يقتضيه ذلك من ضوابط شرعية وأخلاقية. وليس المقصود نقل الجهاد من سياقه الفقهي إلى كل واقعة سياسية، بل بيان أن النص الحديثي ينظر إلى البذل في سبيل الحق بوصفه عملًا يعيد ترتيب علاقة المؤمن بالحياة. فالحياة ليست أمنًا فرديًّا فحسب، بل مسؤولية عن حفظ المعنى العام حين يتهدده الظلم أو العدوان[5].
وعلى مستوى التأمل، يبدو هذا البيان كأنه يقول: إن الموت لا يكتسب دلالته من نهايته، بل من بدايته الباطنية: النية. فالموت آخر ما يراه الناس، أما النية فهي أول ما يراه الله. لذلك لا تكفي الكاميرا في فهم الشهادة، ولا يكفي عدد المشيعين في إثبات المعنى؛ بل لا بد من السؤال عما إذا كان الموت قد دخل في أفق الصدق والحق والبذل. وعند هذا الحد يصبح التشييع امتدادًا للمقام لا بديلًا عنه.
ومن ثم، فإن النصوص المروية عن أهل البيت لا تضيق الأفق الإسلامي بل تعمقه؛ فهي تستند إلى الأصل القرآني والنبوي، ثم تجسده في تجربة بيت الرسالة، حيث تختبر الجماعة معنى الفقد لا بوصفه انقطاعًا بل بوصفه عهدًا. ومن هنا ينتقل البحث إلى كربلاء لا باعتبارها حدثًا مذهبيًّا مغلقًا، بل بوصفها جرحًا إسلاميًّا في قلب الأمة، ثم بوصفها مركزًا خاصًّا للذاكرة والشعيرة في الوجدان الإمامي.
ثالثًا: الإرث الكربلائي من الشهادة إلى الذاكرة
تبلغ فلسفة الشهادة في الإرث الكربلائي مستوى لا تقف فيه عند مفهوم الثواب، بل تتحول إلى هندسة كاملة للوعي. فالشهادة في كربلاء ليست موتًا فاضلًا فحسب، بل كشف للحق، ومقاومة للظلم، وفتح للذاكرة على معنى لا يقدر السلطان على إغلاقه. وكلما حاولت القوة أن تجعل الدم نهاية، جعلته الذاكرة بداية.
يظهر في النص العلوي أن الحياة لا تكون قيمة مطلقة إن انفصلت عن العدل. ففي الخطبة السابعة والعشرين من نهج البلاغة يرد قوله (ع): "فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصة أوليائه"[6]. فالخطاب لا يصف القتال بما هو قتال، بل يصف وظيفة الدفاع عن الحق حين يصبح التراجع بابًا للذل العام. القيمة هنا لا تقوم في القتال بذاته، بل في كونه دفاعًا عن حق يهدده الظلم ويستباح باسمه الإنسان والجماعة.
وتتجلى ذروة المعنى في كربلاء من خلال وصية الإمام الحسين (ع) التي تكشف غاية الخروج لا صورة الموت وحدها: "إني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي صلى الله عليه وآله، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين". هذا النص ينقل كربلاء من لغة الفاجعة وحدها إلى لغة الإصلاح؛ فالشهادة لا تُطلب لأنها موت، بل لأنها آخر وسائل حفظ الحق حين تنسد أبواب الإصلاح. وبذلك يصبح التشييع، حين يستلهم كربلاء، مطالبًا بأن يثبت صلته بالإصلاح لا بمجرد الحزن؛ فالعهد لا يكون بالبكاء على الراحل فقط، بل بحفظ الغاية التي من أجلها صار الموت شاهدًا على الحياة[7].
وفي خطابه الآخر يقول الإمام الحسين (ع): "ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين: بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة... فإني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برمًا". هذه العبارة لا تجعل الموت قيمة مستقلة، بل تكشف أن الحياة مع الظلم قد تفقد معناها الأخلاقي. فليست السعادة هنا في الموت بما هو انقطاع عن الحياة، بل في حفظ كرامة الحياة من أن تُختزل إلى بقاء ذليل؛ ومن ثم لا يكون الموت هروبًا من الحياة، بل وفاءً لها حين تصير الحياة المذلة نقضًا للإنسان نفسه[8].
وقد روى الشيخ المفيد أخبار خروج الحسين ومقتله ضمن سياق يكشف أن الواقعة لم تكن طلبًا للموت، بل رفضًا لانقلاب القيم وطلبًا لإحياء الحق[9]. ولذلك لا تُستعاد كربلاء بوصفها حكاية موجعة فحسب، بل بوصفها أفقًا يفسر كيف يصبح الفقد عهدًا، وكيف يتحول الدم إلى ذاكرة، وكيف يصير الحزن مدرسة لا مجرد دمعة.
ومع ذلك، فإن البحث العلمي لا يترك الذاكرة المقتلية بلا ضابط. فلا يجوز أن تُستدعى كربلاء لكي تغلق السؤال، بل لكي تفتح التحليل على معنى الشهادة والوفاء والاستمرار، مع حفظ الفروق العقدية والتاريخية بين الواقعة المؤسسة والحدث المعاصر. فلا مطابقة بين الإمام الحسين (ع) وأحد، ولا بين الطف وأي تشييع لاحق. إنما توجد بنية تأويلية تمنح الوعي لغة لفهم الفقد حين يكون متصلًا بمشروع.
وقد بيّن المؤرخ المتخصص في إيران الحديثة (كامران سكوت أغاوي) أن عاشوراء تحولت في إيران الحديثة إلى نظام رمزي وسلوكي يصوغ معنى التضحية والهوية والمقاومة[10]. ودرس الباحث في تاريخ الشعائر الإسلامية إسحاق نكاش تشكل طقوس عاشوراء وتحولها إلى ذاكرة جماعية ذات بنية اجتماعية[11]. كما بيّن الباحث في الدراسات الإسلامية محمود أيوب أن الحزن الحسيني في الوجدان الإمامي ليس عاطفة عابرة، بل تجربة تعبدية ومعرفية تتصل بالفداء والمعنى[12].
رابعًا: التشييع بوصفه شاهدًا لا تغطية خبرية
ينتقل البحث الآن من التأسيس النصي إلى واقعة التشييع المعاصر، لكن لا بوصفه مراسلًا يعدد الأخبار، بل بوصفه باحثًا يقرأ الشواهد. فالوقائع لا تُذكر هنا لكي تُروى لذاتها، بل لكي تكشف ما اشتغل في وجدان الناس: سوادهم، بكاؤهم، زحفهم، لمسهم للنعش، صبرهم على الازدحام، وشعورهم أن جسدًا واحدًا حُمل في الشارع لكنه أيقظ ذاكرة جماعة واسعة.
لذلك يختار البحث من الوقائع ما يخدم سؤال المعنى: لماذا صار المسار نفسه خطابًا؟ لماذا تحول النعش إلى مركز جذب؟ لماذا صار السواد لغة جمعية لا لباس حداد فقط؟ ولماذا لا يكفي عدد المشاركين وحده لفهم الحدث؟ هذه الأسئلة تنقل المادة الخبرية من مستوى التسجيل إلى مستوى التحليل، وتمنع النص من أن يتحول إلى متابعة سياسية لما جرى في يوم التشييع.
أظهرت شواهد التشييع في طهران أن المسار لم يكن طريقًا جغرافيًّا فحسب، بل صار خطًّا رمزيًّا تتحرك عليه الذاكرة: حشود واسعة، سواد ظاهر، شعارات ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، ووجوه حملت الحزن والغضب معًا. ولا تُستعمل هذه المعطيات في البحث كخبر سياسي مجرد، بل كشواهد على أن الجنازة صارت ساحة وجدان عام، وأن السواد لم يكن لونًا على الثياب فقط، بل لغة حداد وكرامة، وأن الحشد لم يكن رقمًا، بل جسدًا اجتماعيًّا يحاول أن يقول: لم يسقط المعنى بسقوط الجسد[13].
وتحوّل النعش الملفوف بالعلم، كما أظهرته الشواهد الصحفية، إلى مركز مادي لذاكرة جماعية؛ فاليد التي امتدت إليه لم تكن تبحث عن خشب أو قماش، بل عن صلة أخيرة بالرمز. في هذه اللحظة يصير النعش أداة وصل بين الميت والأحياء، وبين الدولة والوجدان، وبين الفقد الفردي ومعنى الجماعة[14].
ومن أهم ما كشفه التشييع أن العدوان الخارجي علّق كثيرًا من الفجوات الداخلية، لكنه لم يلغِ التعدد الإيراني ولا الخلافات السياسية والاجتماعية. فقد لفتت بعض القراءات الصحفية إلى أن الحشود عكست قاعدة اجتماعية واسعة، لكنها لم تمحُ المطالب والاختلافات والجدل حول المستقبل[15]. الصيغة العلمية هنا ليست أن الشعب صار إجماعًا مطلقًا، بل إن لحظة الاغتيال والتشييع منحت الإيرانيين، حتى المختلفين في السياسة، سببًا وجدانيًّا لتقديم رابطة الوطن والكرامة على التناقضات اليومية.
وهذه النقطة بالذات تحفظ البحث من المبالغة. فمن خالف بعض سياسات القائد لا يلزم أن يتحول إلى مؤيد كامل، لكنه قد يرى في قتله في سياق صراع خارجي استهدافًا لكرامة وطن وذاكرة جماعة. بهذا المعنى ردمت الجنازة بعض الفجوات في الوجدان لا في كل السياسة، وعلّقت التنازع لا أنها ألغته. وهذه الدقة تزيد قوة الفكرة؛ لأنها تجعلها قابلة للدفاع أمام القارئ الناقد، وتمنع الخصم العلمي من إسقاط البحث بسبب تعميم زائد أو عبارة انفعالية غير لازمة.
فالتحليل الأكاديمي لا ينفي العاطفة، لكنه يمنعها من الادعاء بما لا تستطيع البرهنة عليه. ومن هنا تكون الوحدة المقصودة وحدة لحظة وجرح وموقف أمام الخارج، لا حكمًا نهائيًّا على كل اتجاهات المجتمع الإيراني ولا نفيًا للمعارضة أو النقد أو المطالب الداخلية.
ولا يقتصر هذا المعنى على طهران وحدها؛ فقد امتد التشييع، بحسب الشواهد الصحفية، إلى النجف وكربلاء، حيث دخل الجثمان فضاءين من أكثر الأمكنة الشيعية كثافة في الذاكرة الدينية. هنا لا يعود المسار انتقالًا بين مدن فحسب، بل عبورًا من مركز الدولة إلى مركز الوجدان الكربلائي والعلوي؛ فالنجف وكربلاء ليستا محطتين جغرافيتين، بل لغتان للوفاء والولاية والشهادة[16].
وفي القراءة السياسية الرمزية، يكشف انتقال المراسم إلى العراق أن التشييع خرج من حدود الدولة الوطنية إلى مجال أوسع يتصل بشبكات الهوية والمقاومة والعلاقة بالمستضعفين وفلسطين ومواجهة الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية. غير أن البحث لا يحوّل هذا الامتداد إلى إجماع عالمي؛ بل يقرأه بوصفه شاهدًا على أن شخصية القائد الراحل لم تُستقبل، في وعي أنصاره، بوصفها شخصية إيرانية محضة، بل بوصفها رمزًا أمميًّا داخل فضاء المقاومة[17].
وفي مستوى التلقي الإعلامي، نقلت تغطيات أجنبية واسعة أوصافًا لافتة لسعة الحدث وامتداده؛ فتحدثت The Guardian عن ملايين خرجوا في طهران، وأبرزت Associated Press انتقال المراسم إلى النجف ثم كربلاء، وقرأت Financial Times انتقال الجثمان إلى العراق بوصفه إظهارًا لقوة رمزية وإقليمية تتجاوز الحدود الإيرانية. ووصفت Times of India المراسم بأنها أكبر جنازة في تاريخ إيران، فيما نقلت The Times تقديرات متداولة للحضور تراوحت بين مئات الآلاف وعشرات الملايين. وتكشف هذه الأوصاف، من حيث صدورها في صحف ووكالات أجنبية، أن التشييع قُرئ خارجيًّا بوصفه حدثًا واسع الحضور، لا وداعًا محليًّا محدود الأثر[18].
خامسًا: القائد الخلف ومقتضيات الغياب الأمني
يقتضي التحليل الأكاديمي أن يُقرأ غياب السيد مجتبى الخامنئي عن مشاهد التشييع في سياقه الأمني والعسكري، لا أن يُجعل دليلًا آليًّا على فراغ رمزي، ولا دليلًا نهائيًّا على قيادة مكتملة. فقد تناولت تقارير دولية غيابه بوصفه متصلًا بمخاوف أمنية وبسياق خلافة شديد الحساسية، كما ربطت تقارير أخرى صعوده بضغط مؤسسي وحربي استثنائي. لذلك فإن القراءة المتوازنة لا تقول إن الغياب يساوي ضعفًا، ولا تقول إنه وحده يكفي لإثبات البطولة؛ بل تضعه في منطقة تحليل حذر بين مقتضيات الأمن وسؤال الشرعية اللاحق[19][20].
في هذا الإطار، يمكن فهم احتجاب القائد الخلف عن مشاهد التشييع بوصفه نتيجة محتملة لمقتضيات أمنية في معركة لم تستقر بعد، لا بوصفه انسحابًا من المعنى. فالمعركة التي قُتل فيها القائد الراحل لم تكن قد أغلقت كل فصولها، والظهور العلني في لحظة تربص أمني قد يكون خطرًا على القيادة نفسها. غير أن البحث لا يحول هذا الاحتمال إلى يقين، ولا يثبت دورًا قياديًّا تفصيليًّا إلا بقدر ما تسمح به الوثائق والوقائع.
إن الأهم في التحليل أن التشييع لم يكن نهاية المعركة بل فصلها الوجداني: القائد الراحل سُجّي في النعش، والقائد الخلف حُجب عن الصورة بحكم سياق أمني، والجماعة حضرت لتقول إن الاغتيال لا ينبغي أن يتحول إلى انهيار في المعنى. هذا التوزيع بين الجسد الغائب والقيادة المحتجبة والجمهور الحاضر يمنح الحدث كثافته؛ فالجنازة ليست وداعًا فقط، بل امتحان لقدرة الجماعة والمؤسسة على منع العدو من امتلاك معنى الموت بعد أن امتلك لحظة القتل.
سادسًا: الذاكرة والطقس والشرعية في الفكر الحديث
لا يكفي التأسيس الديني لفهم التشييع بوصفه ظاهرة عامة، لأن الدين حين يدخل المجال العام يعمل عبر ذاكرة ورمز وطقس ومؤسسة وجمهور. هنا يأتي الفكر الحديث لا ليحل محل المعنى الديني، بل ليكشف آليات انتقاله من النص والوجدان إلى الساحة والشارع والصورة. فالنظرية الحديثة إذا استُعملت بحذر تكون عدسة، وإذا استُعملت بسلطة تصبح حجابًا.
يبدأ التحليل بمفهوم الذاكرة الجمعية عند عالم الاجتماع الفرنسي موريس هالبفاكس، والمقصود بها أن الماضي لا يُحفظ في وعي الأفراد منفردًا كما لو كان مخزنًا ثابتًا، بل يُعاد بناؤه في ضوء الحاضر وحاجات الجماعة. وقد قرر هالبفاكس أن الماضي لا يُستعاد كما هو، بل يعاد تشييده انطلاقًا من أطر الحاضر[21]. في ضوء هذا المفهوم، يصبح التشييع فعلًا من أفعال بناء الذاكرة: فالجماعة لا تحفظ السيد الخامنئي في كل تفاصيل حياته، بل تحفظ معناه كما تحتاج إليه في لحظة الحرب: قائدًا راحلًا، رمزًا للصمود، وموضعًا لاختبار العلاقة بين الحزن والدولة.
وهذا يعني أن الذاكرة لا تنقل الماضي بريئًا من حاجات الحاضر؛ فهي تنتخب من صورة الراحل ما يساعدها على فهم الخطر الذي تعيشه. فإذا كان الحاضر حاضرًا حربيًّا، أعادت الجماعة قراءة القائد الراحل من جهة الصمود والمواجهة. وإذا كان الحاضر حاضرًا انتقاليًّا، بحثت في سيرته عما يسند سؤال الخلافة والاستمرار. ومن هنا يصبح التشييع مختبرًا لبناء المعنى، لا مجرد مرآة تعكس صورة جاهزة.
أما عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركهايم فيفيد في فهم الطقس السياسي، أي الفعل الجماعي المنظم الذي يحول الحزن إلى ممارسة ذات زمان ومكان ورموز[22]. فالتشييع حين يكون عامًّا لا يكتفي بأن يعبر عن مشاعر قائمة، بل يعيد إنتاجها في صورة منظمة: وقت محدد، مكان محدد، مسار، نعش، صور، وشعارات. وهذا التنظيم لا يقتل صدق الدموع، بل يمنحها جسدًا اجتماعيًّا قادرًا على احتمال الفقد.
ويفيد مفهوم السلطة الرمزية عند عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو في قراءة الصورة والراية والنعش والشعار؛ فالسلطة الرمزية هي القدرة على جعل معنى ما مقبولًا اجتماعيًّا من غير إكراه مباشر[23]. في التشييع، يصبح النعش مركزًا، والصورة حضورًا بديلًا، والشعار ضغطًا تأويليًّا، والمكان جزءًا من المعنى. وما يبدو شكلًا خارجيًّا يكون في الحقيقة نظامًا دلاليًّا كاملًا.
ومن هنا لا تُفهم الرموز بوصفها زينة للمشهد، بل بوصفها أدوات لترتيب الإدراك العام. فالعمامة والسواد والعلم والمسار والصورة لا تقول الشيء نفسه، لكنها تشترك في إحاطة الفقد بسياج من المعنى. والباحث لا يحتاج إلى أن يرفع هذه الرموز فوق النقد، بل إلى أن يقرأ كيف اشتغلت: ماذا أبرزت؟ ماذا أخفت؟ وكيف نقلت الموت من صدمة فردية إلى خطاب جمعي؟
أما عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر فيفتح باب الشرعية، وهي الاعتقاد الاجتماعي بأن سلطة ما تستحق الطاعة أو الاعتراف[24]. وغياب القائد لا يترك فراغًا إداريًّا فقط، بل امتحانًا للمعنى: هل تستطيع المؤسسة أن تنقل الشرعية من جسد الراحل إلى رمزية المشروع؟ وهل يستطيع الجمهور أن يحول الحزن إلى اعتراف مستمر لا إلى انفعال عابر؟
وتنبه دراسات الموت السياسي الحديثة إلى أن الاغتيال قد يترك أثرًا في المزاج السياسي والانتخابي والرمزي، لكنه لا يعمل بطريقة آلية ولا ينتج النتيجة نفسها في كل مجتمع[25]. وهذا التنبيه مهم في هذه الدراسة؛ لأن تشييع السيد الخامنئي لا ينبغي أن يُقرأ كقانون عام، بل كحالة مخصوصة تتفاعل فيها الحرب والهوية والدولة والذاكرة الكربلائية.
الدلالات والتحولات والمآلات
تتوزع دلالات تشييع السيد علي الخامنئي على مستويات متداخلة.
الدلالة الأولى إسلامية عامة: فالجماعة التي تقرأ الرحيل في أفق الشهادة لا تكتفي بتسجيل الموت، بل تعيد إدخاله في لغة العهد.
والدلالة الثانية كربلائية: لا بمعنى المطابقة بين كربلاء والحدث المعاصر، بل بمعنى حضور منطق كربلاء في الوعي؛ أن الحزن يمكن أن يصير موقفًا، وأن الجسد الغائب قد يفتح زمنًا جديدًا للمعنى.
والدلالة الثالثة اجتماعية: فالحشد لا يقول شيئًا واحدًا، لكنه يقول إن الراحل ما زال قادرًا على جمع جماعة حوله بعد موته. ومن وجهة نظر علم الاجتماع، هذه القدرة بعد الموت أهم أحيانًا من القدرة أثناء الحياة؛ لأن الحضور في الجنازة لا ينتظر قرار القائد ولا سلطته المباشرة، بل يتحرك تحت تأثير الصورة والذاكرة والانتماء.
والدلالة الرابعة سياسية: فالتشييع لم يلغِ انقسام الداخل، لكنه كشف أن الخطر الخارجي قادر على تعليق حدته في لحظة وجدانية كبرى. هنا تصير الجنازة قوة مقاومة لا تحمل السلاح، لكنها تمنع العدو من أن يربح المعنى بعد أن قتل الجسد. وهذه المقاومة الرمزية لا تكفي وحدها لبناء مستقبل سياسي، لكنها تكشف أن الذاكرة قد تكون خط دفاع أول حين يُستهدف الرمز.
أما التحولات التي يفتحها الحدث فتبدأ من تحول الحزن إلى ذاكرة. الحزن في لحظته الأولى انفعال، لكنه إذا دخل في الطقس والصورة والخطاب صار ذاكرة قابلة للتكرار. ثم تتحول الذاكرة إلى هوية حين تصبح جزءًا من تعريف الجماعة لنفسها. وبعد ذلك تتحول الهوية إلى سياسة حين تؤثر في مواقف الناس من القيادة والعدو والمستقبل.
وتنفتح المآلات على ثلاث احتمالات كبرى:
الاحتمال الأول: أن ينجح التشييع في تثبيت الاستمرار، فيُقرأ الخامنئي بوصفه رمزًا عابرًا لشخصه، وتتحول ذكراه إلى سند للمؤسسة.
الاحتمال الثاني: أن تُختبر القيادة الخلف في ظل الخطر، لا عبر الظهور الاستعراضي وحده، بل عبر قدرتها اللاحقة على حفظ التماسك المؤسسي وتبديد أثر الاغتيال في الوعي العام.
والاحتمال الثالث: أن تستمر معركة تفسير الإرث: هل يُقرأ القائد الراحل بوصفه شهيدًا في صراع خارجي، أم رجل دولة، أم رمز مرحلة، أم كل ذلك معًا؟
والأهم أن هذه المآلات لا تُحسم في يوم الحداد. فالجنازة قد تكشف طاقة وجدانية كبرى، لكنها لا تعفي المؤسسة من امتحان السياسة، ولا تعفي الجمهور من مسؤولية تحويل الذاكرة إلى وعي استراتيجي في المواجهة لا إلى انفعال عابر وحسب. لذلك يبقى السؤال مفتوحًا بعد انتهاء الموكب: هل يصير الحزن قوة أخلاقية تحفظ المعنى، أم يتحول إلى صورة تُستعمل ثم تبهت؟ إن البحث يميل إلى أن قيمة التشييع النهائية ستقاس بقدرته على إنتاج ذاكرة مسؤولة، لا بمجرد قدرته على إنتاج مشهد مهيب.
خاتمة
خلص البحث إلى أن تشييع الإمام علي الخامنئي لا يُفهم بوصفه حدثًا جنائزيًّا مجردًا، ولا بوصفه مناسبة سياسية منفصلة عن بنيتها الدينية والرمزية. فقد ظهر أن المدخل الأعمق لفهم التشييع هو فلسفة الشهادة: في القرآن حياة بعد الموت الظاهر، وفي السنة عبر ما روي عن أهل البيت صدق وبذل وغاية، وفي كربلاء إصلاح وذاكرة وموقف.
كما بيّن البحث أن الإرث الكربلائي لا يعمل هنا بوصفه أداة مطابقة، بل بوصفه أفقًا تأويليًّا. فليس المقصود مساواة أي حدث معاصر بكربلاء، وإنما فهم كيف تمنح كربلاء الوعي الإسلامي والشيعي لغة للحديث عن الفقد والوفاء والاستمرار. ومن دون هذا الأفق لا يمكن فهم كثير من الرموز والشعارات والانفعالات التي أحاطت بتشييع القائد الراحل.
وأظهرت الدراسة أن الوقائع الخبرية تصلح أن تُستثمر بوصفها شواهد قوية في هذا الأفق مثل: لباس الناس، بكاؤهم، اندفاعهم نحو النعش، مسارهم في الشوارع، وانتقال المراسم إلى النجف وكربلاء وما رافقها من فعاليات رمزية عابرة للحدود. لذلك كانت قيمة التشييع في أنه فتح لحظة وجدانية واسعة ردمت بعض الفجوات الداخلية وعلقت أخرى، وأدخلت الجنازة في فضاء رمزي يتجاوز إيران من غير أن يسمح ذلك بإطلاق أحكام رقمية نهائية حول كونه الأكبر في التاريخ بحسب وسائل الإعلام.
وتبقى القيمة الأساسية للبحث في الجمع بين التأمل الفلسفي والتحليل التوثيقي. فهو لا يذوب في خطاب وجداني، ولا يكتفي بتحليل سياسي بارد، بل يحاول أن يرى الجنازة كما هي: جسدًا يوارى ومعنى يستعاد، حزنًا يتدفق وذاكرة تتشكل، قيادة تغيب عن الصورة لأمنها وتحضر في وظيفة الصمود، وجماعة تبحث عن ثأرها واستمرارها بعد غياب الرمز.
نتائج البحث
1. أثبت البحث أن الشهادة في القرآن ليست تمجيدًا للموت، بل إعادة تعريف للحياة حين تقع في سبيل الله والحق.
2. بيّن البحث أن ما روي عن أهل البيت في معنى الشهادة يقرأ داخل أفق السنة والبيان النبوي بوصفه تفسيرًا حقيقيًّا، لا بوصفه خطابًا منفصلًا عنه.
3. خلص البحث إلى أن كربلاء تؤدي وظيفة أفق تأويلي لا قالب مطابق؛ فهي تمنح لغة للفقد والوفاء والاستمرار من غير أن تساوي الحدث المعاصر بالواقعة المؤسسة.
4. أظهر تحليل التشييع أن العدوان الخارجي ردم كثيرًا من فجوات الداخل الإيراني، لكنه لم يمحُ التعدد السياسي والاجتماعي.
5. كشف البحث أن غياب السيد مجتبى الخامنئي عن مشاهد التشييع لا يُقرأ وحده بوصفه فراغًا رمزيًّا، ولا إثباتًا كافيًا للقيادة، بل يوضع في سياق أمني وحربي مفتوح.
6. أظهر البحث أن عناصر المشهد الجنائزي - المسار، الدموع، السواد، النعش، الراية - لا تعمل منفردة، بل تنتج معًا بنية رمزية تجعل الحشد فاعلًا في صناعة الذاكرة، لا مجرد جمهور متلقٍّ.
7. كشف امتداد التشييع إلى النجف وكربلاء والفعاليات الرمزية خارج إيران أن الحدث تعدى حدود الدولة الوطنية في وعي أنصاره، لكنه بقي بحاجة إلى صياغة حذرة لا تحول الاتساع الرمزي إلى رقم تاريخي غير مثبت إلى الأن.
8. أظهر توظيف هالبفاكس ودوركهايم وبورديو وفيبر أن الذاكرة والطقس والسلطة الرمزية والشرعية تفسر آليات اشتغال التشييع، لكنها لا تستنفد عمقه الديني والكربلائي.
9. انتهى البحث إلى أن مآلات التشييع لا تحسم في يوم الموكب، بل في قدرة القيادة والجمهور والخطاب اللاحق على تحويل الحزن إلى ذاكرة صمود وتحدٍ.
توصيات ومقترحات
1. توسيع دراسة الجنائز السياسية في إيران بعد الثورة من خلال مقارنة تشييع الإمام الخميني وقاسم سليماني والسيد علي الخامنئي، لاكتشاف الفروق بين جنازة المؤسس وجنازة القائد العسكري وجنازة القائد الأعلى.
2. دراسة أثر الوسائط الرقمية في صناعة الذاكرة الجنائزية، لأن الصورة المتداولة قد تعيد تشكيل الحدث أكثر مما يفعله الحضور الفيزيائي وحده.
3. تحليل العلاقة بين المظلومية الكربلائية وسرديات الدولة في لحظات الانتقال السياسي، مع التمييز بين الاستلهام الديني والتوظيف السياسي.
4. إعداد دراسات مقارنة بين الجنائز الكبرى في البيئات الإسلامية المختلفة، لبيان أثر المذهب والدولة والإعلام في بناء معنى التشييع.
5. أقتراح بحث مستقل في مفهوم خلافة الرمز بعد غياب القادة الدينيين السياسيين، بوصفها مسألة تختلف عن خلافة المنصب والإدارة.
قائمة المصادر والمراجع
أولًا: المصادر الإسلامية والتفسيرية
1. القرآن الكريم.
2. ابن أعثم الكوفي، أحمد بن أعثم: الفتوح، تحقيق علي شيري، بيروت، دار الأضواء، ط1، 1411هـ/1991م.
3. ابن شعبة الحراني، الحسن بن علي: تحف العقول عن آل الرسول، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، ط2، 1404هـ.
4. الشريف الرضي، محمد بن الحسين: نهج البلاغة، ضبط صبحي الصالح، بيروت، دار الكتاب اللبناني، 1967م.
5. الطباطبائي، محمد حسين: الميزان في تفسير القرآن، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1997م.
6. القرطبي، محمد بن أحمد الأنصاري: الجامع لأحكام القرآن، تحقيق أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، القاهرة، دار الكتب المصرية، ط2، 1384هـ/1964م.
7. الكليني، محمد بن يعقوب: الكافي، تحقيق علي أكبر الغفاري، طهران، دار الكتب الإسلامية، ط4، 1407هـ.
8. المفيد، محمد بن محمد بن النعمان: الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، قم، مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث، ط1، 1413هـ.
9. مسلم بن الحجاج القشيري: صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، د.ت.
ثانيًا: الدراسات والمراجع الحديثة
1. أغاوي، كامران سكوت: شهداء كربلاء: الرموز والشعائر الشيعية في إيران الحديثة (بالإنكليزية)، سياتل، مطبعة جامعة واشنطن، 2004م.
2. أيوب، محمود.م.: المعاناة الخلاصية في الإسلام: دراسة في الجوانب التعبدية لعاشوراء في التشيع الاثني عشري (بالإنكليزية)، لاهاي، موتون، 1978م.
3. بورديو، بيير: اللغة والسلطة الرمزية (بالإنكليزية)، ترجمة جينو ريموند وماثيو آدمسون، كامبريدج، مطبعة جامعة هارفرد، 1991م.
4. دوركهايم، إميل: الأشكال الأولية للحياة الدينية (بالإنكليزية)، ترجمة جوزف وارد سوين، لندن، جورج ألن وأونوين، 1915م.
5. هالبفاكس، موريس: الذاكرة الجمعية (بالإنكليزية)، ترجمة فرانسيس ج. ديتر وفيدا يزدي ديتر، نيويورك، هاربر ورو، 1980م.
6. نكاش، إسحاق: "محاولة لتتبع أصل طقوس عاشوراء" (بالإنكليزية)، مجلة عالم الإسلام، المجلد 33، العدد 2، 1993م.
7. تاكاغي، ميو نيكول: "آثار الشهادة السياسية في نتائج الانتخابات: اغتيال آبي" (بالإنكليزية)، أرشيف arXiv:2305.18004، 2023م.
8. فيبر، ماكس: الاقتصاد والمجتمع (بالإنكليزية)، تحرير غونتر روث وكلاوس فيتيش، بركلي، مطبعة جامعة كاليفورنيا، 1978م.
ثالثًا: المصادر الصحفية والإلكترونية
1. وكالة أسوشيتد برس: "المشيعون يحتشدون في موكب تشييع بطهران للمرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي" (بالإنكليزية)، 6 تموز/يوليو 2026م، تاريخ الاطلاع: 8 تموز/يوليو 2026م.
2. موقع أكسيوس: "المرشد الأعلى المقبل في إيران: مجتبى، ابن خامنئي المتشدد" (بالإنكليزية)، 8 آذار/مارس 2026م، تاريخ الاطلاع: تموز/يوليو 2026م.
3. صحيفة الغارديان: "ملايين يشاركون في موكب تشييع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (بالإنكليزية)، 6 تموز/يوليو 2026م، تاريخ الاطلاع: ٨ تموز/يوليو 2026م.
4. صحيفة الغارديان: "طهران غصّت بمشيعي خامنئي، لكن الانقسامات ومطالب التغيير باقية" (بالإنكليزية)، 7 تموز/يوليو 2026م، تاريخ الاطلاع: 8 تموز/يوليو 2026م.
5. وكالة أسوشيتد برس: "بدء صلاة الجنازة في العراق للمرشد الأعلى الإيراني بعد وصول الجثمان إلى المدينة المقدسة" (بالإنكليزية)، 8 تموز/يوليو 2026م، تاريخ الاطلاع: تموز/يوليو 2026م.
6. صحيفة فايننشال تايمز: "إيران تعرض قوتها الإقليمية مع توجه جنازة خامنئي إلى العراق" (بالإنكليزية)، 8 تموز/يوليو 2026م، تاريخ الاطلاع: 8 تموز/يوليو 2026م.
7. صحيفة فايننشال تايمز: "القيادة الإيرانية تظهر الوحدة في جنازة آية الله علي خامنئي، لكن الخلف غائب" (بالإنكليزية)، 5 تموز/يوليو 2026م، تاريخ الاطلاع: 8 تموز/يوليو 2026م.
8. صحيفة التايمز: "الشيوعي المؤيد لماغا يهتف: الموت لأميركا في جنازة آية الله" (بالإنكليزية)، 8 تموز/يوليو 2026م، تاريخ الاطلاع: 8 تموز/يوليو 2026م.
9. صحيفة تايمز أوف إنديا: "الابن الذي لا يظهر أبدًا: إيران تدفن مرشدًا أعلى وترث شبحًا (بالإنكليزية)، 6 تموز/يوليو 2026م، تاريخ الاطلاع: 8 تموز/يوليو 2026م.
10. صحيفة الغارديان: "نحن صواريخ إيران الحقيقية: ملايين يتجمعون في طهران في اليوم الرابع من جنازة علي خامنئي" (بالإنكليزية)، 6 تموز/يوليو 2026م، تاريخ الاطلاع: 8 تموز/يوليو 2026م.
[1] القرطبي، محمد بن أحمد الأنصاري (ت 671هـ): الجامع لأحكام القرآن، تحقيق أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، القاهرة، دار الكتب المصرية، ط2، 1384هـ/1964م، 2/171-172، تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ [سورة البقرة، الآية 154].
[2] الطباطبائي، محمد حسين: الميزان في تفسير القرآن، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1997م، 4/73-77، تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [سورة آل عمران، الآية 169].
[3] مسلم بن الحجاج القشيري (ت 261هـ): صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، د.ت، 4/1873، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب، ح 2408.
[4] الكليني، محمد بن يعقوب (ت 329هـ): الكافي، تحقيق علي أكبر الغفاري، طهران، دار الكتب الإسلامية، ط4، 1407هـ، 5/53، كتاب الجهاد، باب فضل الشهادة، ح1.
[5] المصدر نفسه، 5/2-4، كتاب الجهاد، باب فضل الجهاد، ح1-6.
[6] الشريف الرضي، محمد بن الحسين (ت 406هـ): نهج البلاغة، ضبط صبحي الصالح، بيروت، دار الكتاب اللبناني، 1967م، الخطبة 27، 69-70.
[7] ابن أعثم الكوفي، أحمد بن أعثم (ت نحو 314هـ): الفتوح، تحقيق علي شيري، بيروت، دار الأضواء، ط1، 1411هـ/1991م، 5/21.
[8] ابن شعبة الحراني، الحسن بن علي (من أعلام القرن الرابع الهجري): تحف العقول عن آل الرسول، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، ط2، 1404هـ، 245.
[9] المفيد، محمد بن محمد بن النعمان (ت 413هـ): الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، قم، مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث، ط، 1413هـ، 2/32-39.
[10] أغاوي، كامران سكوت: شهداء كربلاء: الرموز والشعائر الشيعية في إيران الحديثة (بالإنكليزية)، سياتل، مطبعة جامعة واشنطن، 2004م، ص 9-14.
[11] نكاش، إسحاق: "محاولة لتتبع أصل طقوس عاشوراء" (بالإنكليزية)، مجلة عالم الإسلام، المجلد 33، العدد 2، 1993م، ص 161-181.
[12] أيوب، محمود م.: المعاناة الخلاصية في الإسلام: دراسة في الجوانب التعبدية لعاشوراء في التشيع الاثني عشري (بالإنكليزية)، لاهاي، موتون، 1978م، ص 143-155.
[13] صحيفة الغارديان: "ملايين يشاركون في موكب تشييع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي" (بالإنكليزية)، 6 تموز/يوليو 2026م، تاريخ الاطلاع: 8 تموز/يوليو 2026م.
[14] وكالة أسوشيتد برس: "المشيعون يحتشدون في موكب تشييع بطهران للمرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي" (بالإنكليزية)، 6 تموز/يوليو 2026م، تاريخ الاطلاع: 8 تموز/يوليو 2026م.
[15] صحيفة الغارديان: "طهران غصّت بمشيعي خامنئي، لكن الانقسامات ومطالب التغيير باقية" (بالإنكليزية)، 8 تموز/يوليو 2026م، تاريخ الاطلاع: 8 تموز/يوليو 2026م.
[16] وكالة أسوشيتد برس: "بدء صلاة الجنازة في العراق للمرشد الأعلى الإيراني بعد وصول الجثمان إلى المدينة المقدسة" (بالإنكليزية)، 8 تموز/يوليو 2026م، تاريخ الاطلاع: 8 تموز/يوليو 2026م.
[17] صحيفة فايننشال تايمز: "إيران تعرض قوتها الإقليمية مع توجه جنازة خامنئي إلى العراق" (بالإنكليزية)، 8 تموز/يوليو 2026م، تاريخ الاطلاع: 8 تموز/يوليو 2026م.
[18] صحيفة الغارديان: "نحن صواريخ إيران الحقيقية: ملايين يتجمعون في طهران في اليوم الرابع من جنازة علي خامنئي" (بالإنكليزية)، 6 تموز/يوليو 2026م، تاريخ الاطلاع: 8 تموز/يوليو 2026م.
وكالة أسوشيتد برس: "بدء صلاة الجنازة في العراق للمرشد الأعلى الإيراني بعد وصول الجثمان إلى المدينة المقدس" (بالإنكليزية)، 8 تموز/يوليو 2026م، تاريخ الاطلاع: 8 تموز/يوليو 2026م.
صحيفة فايننشال تايمز: "إيران تعرض قوتها الإقليمية مع توجه جنازة خامنئي إلى العراق" (بالإنكليزية)، 8 تموز/يوليو 2026م، تاريخ الاطلاع: 8 تموز/يوليو 2026م.
صحيفة تايمز أوف إنديا: "الابن الذي لا يظهر أبدًا: إيران تدفن مرشدًا أعلى وترث شبحًا" (بالإنكليزية)، 6 تموز/يوليو 2026م، تاريخ الاطلاع: 8 تموز/يوليو 2026م.
صحيفة التايمز: "الشيوعي المؤيد لماغا يهتف: الموت لأميركا في جنازة آية الله" (بالإنكليزية)، 8 تموز/يوليو 2026م، تاريخ الاطلاع: 8 تموز/يوليو 2026م.
[19] صحيفة فايننشال تايمز: "القيادة الإيرانية تظهر الوحدة في جنازة آية الله علي خامنئي، لكن الخلف غائب" (بالإنكليزية)، 5 تموز/يوليو 2026م، تاريخ الاطلاع: 8 تموز/يوليو 2026م.
[20] موقع أكسيوس: "المرشد الأعلى المقبل في إيران: مجتبى، ابن خامنئي المتشدد" (بالإنكليزية)، 8 آذار/مارس 2026م، تاريخ الاطلاع: 8 تموز/يوليو 2026م.
[21] هالبفاكس، موريس: الذاكرة الجمعية (بالإنكليزية)، ترجمة فرانسيس ج. ديتر وفيدا يزدي ديتر، نيويورك، هاربر ورو، 1980م، ص 24-25، وص 48.
[22] دوركهايم، إميل: الأشكال الأولية للحياة الدينية (بالإنكليزية)، ترجمة جوزف وارد سوين، لندن، جورج ألن وأونوين، 1915م، ص 46-47.
[23] بورديو، بيير: اللغة والسلطة الرمزية (بالإنكليزية)، ترجمة جينو ريموند وماثيو آدمسون، كامبريدج، مطبعة جامعة هارفرد، 1991م، ص 163-170.
[24] فيبر، ماكس: الاقتصاد والمجتمع (بالإنكليزية)، تحرير غونتر روث وكلاوس فيتيش، بركلي، مطبعة جامعة كاليفورنيا، 1978م، 1/212-216.
[25] تاكاغي، ميو نيكول: "آثار الشهادة السياسية في نتائج الانتخابات: اغتيال آبي" (بالإنكليزية)، أرشيف arXiv:2305.18004، 2023م، ص 1-4.