بين انتصار آب 2006 وصمود آب 2026: قراءة في خطاب الشيخ نعيم قاسم ومعادلات المرحلة المقبلة

عبدالله بدوي · 2026-08-17

بين آب 2006 وآب 2026، لا تحضر الذاكرة بوصفها حنينًا إلى الماضي فقط. ففي آب من كل عام تعود ذكرى انتصار 2006، لا كحدث مكتمل أُغلق في زمنه، بل كلحظة يعاد من خلالها النظر إلى الحاضر وقياس المسافة بين ما كان وما أصبح عليه لبنان والمنطقة. عشرون عامًا تفصل بين حرب تركت أثرًا عميقًا في الوعي اللبناني والإقليمي، وبين مرحلة تبدو أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها الحرب بالتفاوض، والسيادة بالضغط الخارجي، والدولة بالمقاومة، والخسائر العسكرية بأسئلة المجتمع وقدرته على الاحتمال.

من هنا جاءت كلمة الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم في 14 آب 2026. المناسبة هي انتصار 2006، لكن الكلمة، في جوهرها، لم تكن خطابًا عن الماضي. بدا الماضي فيها أقرب إلى مدخل لفهم الحاضر، وربما إلى وسيلة للحكم عليه. فحين تستعيد قيادة حزب الله حربًا مضى عليها عقدان في لحظة يعيش فيها لبنان آثار حرب أخرى، فإن السؤال لا يعود: ماذا حدث في 2006؟ بل: ماذا بقي من معنى ذلك الانتصار؟ وكيف تقرأ المقاومة موقعها اليوم بعد كل ما جرى منذ 2024؟

وهنا تكمن أهمية الخطاب. فهو لا يطلب من جمهوره أن يتذكر فقط، بل أن يقارن.

المقارنة الأولى تتعلق بطبيعة الحرب نفسها. في 2006، دخل حزب الله المواجهة في ظل ميزان عسكري مختل بوضوح لمصلحة إسرائيل، وانتهت الحرب من دون أن تحقق إسرائيل الأهداف القصوى التي أعلنتها. هذه الذاكرة تحولت لاحقًا إلى جزء أساسي من سردية المقاومة: التفوق العسكري لا يكفي وحده لحسم الحرب، وإرادة الصمود يمكن أن تكون عنصرًا من عناصر ميزان القوة.

بعد عشرين عامًا، يستدعي الشيخ نعيم قاسم هذه الفكرة، لكنه يضعها في سياق أشد قسوة. عندما يصف المواجهة الأخيرة بأنها «حرب وجودية»، ويتحدث عن «مواجهة كربلائية»، فهو لا يستخدم مفردات عسكرية بقدر ما يستخدم لغة تحدد معنى الصراع نفسه. في الحرب التقليدية، يمكن أن تكون الهزيمة نتيجة لخسارة موقع أو معركة أو قدرة عسكرية. أما في الحرب الوجودية، كما يقدمها الخطاب، فإن الهزيمة الحقيقية تصبح قبول الخصم بأن يعيد تشكيل إرادتك وخياراتك.

لهذا تأتي عبارته بأن «من يراهن على الاستسلام يراهن على سراب» في موقع محوري من الكلمة. فهي ليست مجرد جملة حماسية لجمهور حزبي. إنها إعلان عن الطريقة التي تريد قيادة حزب الله أن تُقرأ بها المرحلة كلها: الخسائر، مهما كانت كبيرة، لا تعني في ذاتها سقوط الخيار؛ والضغط، مهما اشتد، لا يعني أن النتيجة المنطقية ستكون الاستسلام.

لكن هذه اللغة تفتح سؤالًا لا يمكن للمقالة التحليلية أن تتجاوزه: ماذا يعني الانتصار بعد عشرين عامًا؟

في 2006 كان من الممكن تعريف الانتصار، في جانب كبير منه، بمنع إسرائيل من تحقيق أهداف الحرب وبقاء المقاومة وقدرتها على الاستمرار. أما في 2026، فقد أصبح المشهد أكثر التباسًا. فهناك قرى مدمرة، ونازحون، وخسائر بشرية ومادية واسعة، وهناك تفاوض واتفاقات ومسارات سياسية، وهناك أيضًا نقاش لبناني داخلي لم يعد يدور فقط حول مواجهة إسرائيل، بل حول مستقبل السلاح وعلاقة حزب الله بالدولة.

هنا بالتحديد يتحول خطاب الذكرى إلى خطاب مرحلة.

فالشيخ نعيم قاسم لا يقدم الانتصار بوصفه غياب الخسائر. بل يكاد يعيد تعريفه باعتباره منع الخصم من الوصول إلى غايته النهائية. وهذا فارق مهم. عندما تكون الحرب مكلفة إلى هذا الحد، يصبح معنى الانتصار أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للاختزال في صورة احتفالية. قد تخسر بيوتًا وقادة ومواقع وقدرات، لكنك، وفق منطق الخطاب، لا تكون قد هُزمت طالما أنك ما زلت قادرًا على رفض الشروط التي يريد خصمك فرضها عليك.

هذه الفكرة هي التي تصل بين آب 2006 وآب 2026.

لكنها في الوقت نفسه تكشف أن حزب الله اليوم لا يخاطب إسرائيل وحدها.

جزء أساسي من خطاب قاسم كان موجّهًا إلى الداخل اللبناني، وبصورة أكثر مباشرة إلى السلطة. وهذه ربما أبرز نقطة تميز كلمة 2026 عن خطاب تذكاري تقليدي. فالتوتر الذي يظهر في اللغة ليس توتر جبهة واحدة، بل توتر جبهتين: جبهة مع إسرائيل، وجبهة سياسية داخلية حول كيفية التعامل مع نتائج الحرب.

عندما يقول قاسم إن السلطة «صوّبت على المقاومة بدل العدو المعتدي»، فهو يقدم تفسيرًا واضحًا لما يراه انقلابًا في ترتيب الأولويات. وفق هذه الرؤية، بقيت إسرائيل في موقع المعتدي، واستمرت الخروقات والاحتلال في بعض النقاط، ومع ذلك انتقل جانب كبير من الضغط السياسي إلى سؤال سلاح المقاومة. بالنسبة إليه، هذه ليست مجرد مسألة سياسية قابلة للاختلاف، بل خلل في تعريف المشكلة نفسها.

وهنا نصل إلى واحدة من أكثر المفارقات اللبنانية عمقًا: الجميع تقريبًا يتحدث عن السيادة، لكن الجميع لا يعطي الكلمة المعنى نفسه.

من يرى أن الدولة يجب أن تحتكر السلاح يقول إن السيادة تبدأ من وجود قرار عسكري واحد ومؤسسة شرعية واحدة تحدد الحرب والسلم. ومنطق المقاومة يقول إن السيادة لا يمكن اختزالها في شكل السلطة؛ فما قيمة احتكار الدولة للسلاح إذا لم تكن قادرة على منع احتلال أرضها أو وقف قصف قراها أو حماية سكانها؟

ليس السؤال هنا أي الرؤيتين أصح أخلاقيًا أو سياسيًا فحسب، بل لماذا بقي لبنان عشرين عامًا عاجزًا عن تحويلهما إلى رؤية واحدة.

وهذا هو، ربما، السؤال الذي يجعل قراءة كلمة قاسم اليوم أكثر أهمية من مجرد استخراج عبارات منها.

لأن الخطاب، عندما يُقرأ في عمقه، لا يقول فقط إن المقاومة باقية. هو يقول أيضًا إن الشروط التي تجعلها ترى نفسها ضرورة ما زالت قائمة. ولذلك فإن أي نقاش حول مستقبلها لن يُحسم، من وجهة نظرها، بمجرد مطالبتها بالتراجع، وإنما بتغيير البيئة التي صنعت الحاجة إليها أصلًا: الاحتلال، الاعتداء، اختلال ميزان القوة، والشك في قدرة المؤسسات الدولية على فرض التزاماتها على إسرائيل.

ومن هذه النقطة تبدأ المواجهة الحقيقية في الكلمة مع خيار التفاوض.

فالشيخ نعيم قاسم لا يناقش التفاوض بوصفه مفهومًا نظريًا. هو يضعه أمام امتحان النتيجة. سبع جولات تفاوض، ثم يسأل: ماذا تحقق؟

السؤال يبدو بسيطًا، لكنه يحمل تصورًا كاملًا للسياسة. بالنسبة إلى هذا الخطاب، لا قيمة كبيرة لمسار تفاوضي إذا لم ينعكس على الأرض: انسحاب، عودة أهالٍ، توقف اعتداءات، انتشار جيش، واستعادة قدرة الدولة على ممارسة سيادتها.

وهنا ينتقل النقاش من سؤال «هل نفاوض؟» إلى سؤال أصعب بكثير: بأي قوة نفاوض؟

ربما تكون هذه هي العقدة التي يريد قاسم أن يضعها في قلب النقاش اللبناني. فالتفاوض من دون قوة قد يتحول، في رؤيته، إلى إدارة للضغط بدل إنهائه، بينما القوة من دون استثمار سياسي قد تتحول بدورها إلى استنزاف دائم. وبين الاثنين يقف لبنان، باحثًا منذ سنوات عن معادلة لم تنضج بعد: كيف تُترجم القوة إلى سيادة، وكيف تتحول السيادة من شعار إلى قدرة فعلية واستقلال حقيقي؟