تسليم السلاح بين النقل والعقل

عبدالله م. بدوي · 2026-05-24

الاخبار

https://www.al-akhbar.com/topics-opinions/854237

عقب إصدار الحكومة اللبنانية قرار حصرية السلاح في يد الدولة، تصاعد النقاش في الأوساط الدينية والفكرية في لبنان والعالميْن العربي والإسلامي حول الموقف الشرعي والوضعي من مسألة تسليم السلاح أو نزعه من أيدي المدافعين عن أرضهم وعرضهم، بعيداً عن التجاذبات السياسية والاصطفافات الطائفية.

جاءت هذه الدعوات في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي بالاعتداء اليومي على لبنان قتلاً وتدميراً وخرقاً جوياً واستطلاعياً دون أي رادع أو حسيب. وكذلك في سياق مأساوي يعيشه الشعب الفلسطيني في غزة، حيث يواجه عدواناً إسرائيلياً شرساً مدعوماً بسكوت أو تواطؤ بعض الحكومات العربية والإقليمية الفاعلة، بما فيها السلطة القائمة في رام الله، التي بدت عاجزة عن القيام بواجبها في الدفاع، بل متورّطة أحياناً في مسارات تفاوضية تُضعف موقف المقاومة.

هذا الواقع يفرض سؤالاً جوهرياً: هل يجوز، من منظور الشريعة الإسلامية والعقل السليم، أن يُنزع السلاح من أيدي القادرين على الدفاع إذا تخلّت السلطة الرسمية عن واجبها أو سعت لتقييدهم؟
إن الإجابة على هذا السؤال تتطلّب العودة إلى النصوص القرآنية والحديثية، واستحضار القواعد الفقهية، وقراءة التاريخ الإسلامي والعربي، إضافة إلى تحليل عقلاني يستفيد من خبرات المفكّرين والأكاديميين، ورصد موقف القانون الدولي.

أولاً- الأساس النقلي: القرآن والسنّة

النصوص القرآنية والسنّة النبوية جاءت صريحة في إقرار حق الدفاع عن النفس والأرض والمستضعفين، بل اعتبرت ذلك واجباً شرعياً. قال تعالى: «وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا» (البقرة: 190)، «وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ...» (النساء: 75).

هاتان الآيتان تضعان قاعدة ثابتة: القتال دفاعاً عن النفس والمستضعفين ليس خياراً سياسياً، بل فريضة شرعية. وفي الحديث النبوي، يقول رسول الله: «من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد» (رواه أبو داود والنسائي). هذا الحديث يربط الدفاع بالكرامة الإنسانية، ويؤكد أن التخلي عن وسائل الدفاع (السلاح) في ظل التهديد منافٍ لمقاصد الشريعة.

وفي سياق الاستعداد للدفاع المشروع، نجد في العهد الجديد قول السيد المسيح لتلاميذه: «من ليس له، فليبع ثوبه ويشترِ سيفاً» (لوقا 22:36). وهو نص فُسّر في بعض القراءات المسيحية على أنه دعوة للاستعداد لمواجهة الأخطار، بما فيها الدفاع عن النفس، وإن اختلفت التفسيرات في ما إذا كان ذلك مجازاً روحياً أو توجيهاً عملياً.

ثانياً- القاعدة الفقهية: دفع الصائل والجهاد الدفاعي

فقهاء المسلمين اتفقوا على أن دفع الصائل (المعتدي) واجبٌ عيني إذا وقع العدوان، ولا يحتاج إلى إذن الحاكم أو الإمام. المحقّق الحلي في «شرائع الإسلام»: «إذا قصد الكفار بلداً وجب على أهله الدفع، فإن عجزوا فعلى من يليهم». الإمام الخميني في «تحرير الوسيلة»: «الدفاع عن الإسلام والمسلمين واجبٌ على كل مكلف بأي وسيلة ميسورة بلا قيد ولا شرط».
هذه القاعدة تلغي أي حجة سياسية تبرر نزع السلاح وقت الخطر.

ثالثاً- المواقف التاريخية لعلماء لبنان

تاريخ لبنان السياسي والعسكري يقدّم شواهد واضحة على أن العلماء لعبوا دوراً حاسماً في رفض أي مشروع لنزع سلاح المقاومة:
- السيد عبد الحسين شرف الدين (1920): رفض أمام المندوب السامي الفرنسي مشروع نزع سلاح المجاهدين ضد الاحتلال.
- السيد موسى الصدر (1975): اعتبر الدفاع عن الوطن واجباً شرعياً كالصلاة، وحرّم التخلي عن السلاح زمن العدوان.
- الشيخ محمد مهدي شمس الدين: أكّد أن التخلي عن السلاح أمام العدو «خيانة شرعية وعقلية».
- السيد محمد حسين فضل الله (2003): شدّد على أن واجب الدفاع لا يسقط بعجز الدولة.

رابعاً- المواقف المعاصرة للمرجعيات الدينية

- السيد علي السيستاني: رفض أي اتفاق ينتقص من القدرة على حماية الأرض (2008)، وأصدر فتوى الدفاع الكفائي (2014).
- السيد علي الخامنئي: حذّر من «تسليم مفاتيح» الدفاع للعدو، واعتبر الدفاع عن المستضعفين واجباً لا يقبل التأجيل (2015).

خامساً- البعد العقلي والعرفي: قراءة معاصرة مدعومة برأي الخبراء

العقل يحكم بأن نزع السلاح زمن التهديد يشبه الانتحار الجماعي، وهو ما ينهى عنه القرآن: «وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» (البقرة: 195).
- الرأي الأكاديمي المحلي، د. طلال عتريسي: «نزع السلاح بلا ضمانات دولية يخلق فراغاً أمنياً يملؤه العدو».
- الرأي الأكاديمي العربي، د. عزمي بشارة: «احتكار الدولة للسلاح» لا يُطبّق في ظل الاحتلال أو الدولة الفاشلة.
- الرأي الغربي، ريتشارد فولك: نزع سلاح الشعوب تحت الاحتلال خرق للقانون الدولي الإنساني.
- تقارير المنظمات الدولية، «هيومن رايتس ووتش» (2023): نزع السلاح في غزة أو الضفة دون حل عادل وصفة للمجازر. «معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام» (SIPRI): نزع السلاح بلا ضمانات ردع يؤدي إلى انهيار الأمن المحلي.

سادساً: شواهد تاريخية إضافية

- المقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي: عند احتلال فرنسا للجزائر عام 1830، سعت الإدارة الاستعمارية إلى مصادرة أسلحة الأهالي. لكنّ الأمير عبد القادر الجزائري رفض نزع سلاح القبائل، معتبراً أن ذلك «خيانة للعهد الذي بيننا وبين الله في الدفاع عن أرض الإسلام». وقد أثبت التاريخ أن كل منطقة جُرّدت من سلاحها سقطت بسرعة أمام الاحتلال.

- حرب البوسنة (1992–1995): قبل اندلاع المجازر، فرضت الأمم المتحدة حظراً على تسليح جميع أطراف النزاع، لكنّ هذا القرار عملياً منع البوسنيين المسلمين من الحصول على السلاح، بينما كان الصرب مسلّحين جيداً. النتيجة كانت مجازر مروّعة مثل سربرنيتسا، ما دفع كثيراً من الباحثين إلى القول بأن نزع السلاح أو منعه عن الضحايا مكّن المجرمين من ارتكاب جرائم الإبادة.

خاتمة

النتيجة النهائية أن تسليم السلاح زمن العدوان، مع عجز السلطة، محرّم شرعاً ومرفوض عقلاً وعرفاً. الدروس المستفادة من غزة ولبنان والعراق والجزائر والبوسنة، تؤكّد أن الشعوب المهدّدة لا تملك ترف التخلّي عن أدوات الدفاع، وأنّ أي اتفاق أو إجراء يسلبها هذا الحق يفتح الباب أمام الكارثة.