نحو تجريم الصمت وكسر الهيمنة: «المجلس العالمي» يدعو للمواجهة الشاملة

عبدالله م. بدوي · 2026-07-31

البروفيسور أسعد السحمراني

في لحظة تاريخية فارقة ومثقلة بالتحولات الجيوسياسية الكبرى، تتكشف أمام أنظار الإنسانية أعمق أزمات المنظومة الدولية وأكثرها تجذراً. ففي حين تبلغ آلة التوحش العسكري ذروة الإبادة الجماعية، ويُمارس التطهير العرقي الممنهج على مرأى من شاشات العالم، تقف الهيئات الأممية والدولية موقف الشاهد العاجز، أو المتواطئ الصامت. إن العدوان العنصري الذي يمارسه الكيان الصهيوني الغاصب، بشراكة عضوية ودعم مطلق من الولايات المتحدة الأمريكية، لم يعد مجرد حرب تقليدية، بل هو محاولة صريحة لاقتلاع شعوب بأكملها من جغرافيتها وتاريخها. يقابل هذا التوحش صمتٌ مريب ينسحب على مجلس الأمن، وهيئة الأمم المتحدة، وحركة عدم الانحياز، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، مما يسقط ورقة التوت عن سردية "القانون الدولي" وما يسمى "حقوق الإنسان".

من رحم هذا العجز العالمي، وفي سياق محاولة جادة لبلورة موقف أممي بديل يعبر عن إرادة الشعوب الحرة، انعقد مساء الأحد (٢٦ يوليو/تموز ٢٠٢٦) اجتماع طارئ واستثنائي لـ"المجلس العالمي لنصرة الشعب الفلسطيني والقضايا العادلة". هذا اللقاء، الذي أداره رئيس المجلس البروفيسور أسعد السحمراني، لم يكن مجرد منصة للتنديد، بل شكّل ملتقىً استراتيجياً لأصوات الجنوب العالمي النابض بالرفض، حيث ضم نُخباً فكرية وحركية من السنغال، وموريتانيا، ومصر، والسودان، واليمن، وتشاد، وساحل العاج، وغينيا كوناكري. إن تنوع هذه المشاركة الجغرافية يرسخ حقيقة أن الصراع مع المشروع الصهيو-أمريكي هو صراع إنساني وعالمي، تتخندق فيه شعوب أفريقيا وآسيا دفاعاً عن كرامتها ومستقبلها.

لقد تمادى التحالف الصهيو-أمريكي في عدوانه الوحشي، متجاوزاً استهداف المقاومة ليمارس تدميراً منهجياً لبنية الحياة ذاتها. في غزة العزة، ترتقي قوافل الشهداء، وتُسفك دماء الأطفال في مجازر يومية تستهدف كي الوعي الفلسطيني. وفي نابلس والخليل والقدس وعموم الضفة الغربية، تُسارع آلة التهويد لابتلاع المقدسات والأوقاف، وتمرير مخططات التهجير وتخريب الممتلكات. ولا ينفصل المشهد في فلسطين عن الساحة اللبنانية، حيث يمارس الكيان الصهيوني سياسة "الأرض المحروقة"، عبر عمليات تفجير ممنهجة للقرى، وتجريف للمزروعات، وإعدام للثروة الحرجية وتخريب للتراث العمراني، في انتهاك سافر لا يعترف بأي قواعد للاشتباك أو قوانين للحروب. أمام هذه المسلخة المفتوحة، يطرح العقل البشري سؤاله الأكثر إلحاحاً: أين هي المواثيق والمعاهدات؟ وأين القانون الدولي الإنساني من كل هذا الخراب؟

أمام هذا الانحدار الأخلاقي للمجتمع الدولي، وضع "المجلس العالمي لنصرة الشعب الفلسطيني" خريطة طريق تتجاوز الخطاب العاطفي، لتؤسس لخمسة مسارات استراتيجية ترسم معالم المواجهة الشاملة:

أولاً: تجريم الصمت ومأسسة المساءلة الدولية

لم يعد السكوت عن التطهير العرقي الصهيو-أمريكي مجرد تخاذل سياسي، بل بات شراكة فعلية في الجريمة. هذا العدوان يهدد بانهيار الاستقرار والأمن العالميين ويشرعن شريعة الغاب. وعليه، فإن الواجب الإنساني والحقوقي يحتم على المنظمات الدولية والإقليمية الخروج من غيبوبتها، واستخدام كل صلاحياتها القانونية لوقف العدوان وتفعيل أدوات المحاكم الدولية. لا يمكن للمنظومة القانونية العالمية أن تستعيد شرعيتها إلا بوضع قادة الإجرام الصهيوني والأمريكي في قفص الاتهام الحقيقي.

ثانياً: تكامل مسارات المقاومة وتفعيل سلاح المقاطعة

تتجاوز قضية فلسطين كونها مسألة حدود وجغرافيا لتصبح قضية الأمة الكبرى؛ بأبعادها الدينية، والوطنية، والإنسانية. إن الواجب التاريخي يفرض حشد كل الطاقات لنصرة الشعبين الفلسطيني واللبناني. وفي هذا السياق، تصبح المقاومة خياراً وجودياً شاملاً لا يقتصر على البندقية، بل يمتد ليشمل الميادين الفكرية والإعلامية والاقتصادية. ويشكل تفعيل سلاح المقاطعة الصارمة وفرض العقوبات الشعبية ركيزة أساسية لخنق شريان الاقتصاد المعادي، وصولاً إلى تعزيز المقاومة العسكرية بوصفها لغة الحوار الوحيدة التي يفهمها الاحتلال لتحرير الإنسان والمقدسات والتراب الوطني.

ثالثاً: معركة الوعي والتحصين المجتمعي والثقافي

تستهدف آلة الاستعمار الحديث البنية الأخلاقية والثقافية للمجتمعات قبل استهدافها العسكري. من هنا، تبرز الحاجة الماسة لانخراط الاتحادات والنقابات والمؤسسات الأهلية في معركة صياغة الوعي. يجب تفكيك السردية الاستعمارية وبيان مخاطر "الصهينة والأمركة" التي تستهدف تذويب الدين، وتشويه الثقافة، ونهب الثروات. يتطلب هذا الجهد تشكيل جبهات عريضة ومسارات للتحركات الشعبية الضاغطة، قادرة على محاصرة المعتدين، وفضح جرائمهم، وإسقاط محاولات التطبيع الثقافي والنفسي.

رابعاً: الوحدة الداخلية كشرط حتمي للانتصار

في خضم هذه المعركة الوجودية القاسية، لا مجال للترف السياسي أو الانقسامات الأيديولوجية الضيقة. إن الدعوة موجهة لجميع مكونات الأمة، وأحرار العالم، للالتزام بنهج وحدوي صلب ونبذ كافة أشكال التعصب والتشظي. يعلمنا التاريخ أن الجبهة الداخلية المتينة، والمتماسكة خلف خيار الصمود، هي المعبر الحتمي نحو الانتصارات الكبرى، في حين تشكل الفرقة والانقسام بوابات مجانية للهزيمة والخذلان والارتهان للإرادة الخارجية.

خامساً: القراءة الاستراتيجية للتحولات العالمية

لا يدور هذا الصراع المعقد في فراغ جيوسياسي. فمع بدايات الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين، يشهد النظام العالمي تفككاً في آحادية القطبية، وتحولات هيكلية في موازين القوى والاستراتيجيات الإقليمية والدولية. إن هذه اللحظة الانتقالية توجب على النخب الحية والمخلصين لقضايا التحرر أن يقرأوا هذه التحولات بعمق، وأن يوظفوها بذكاء براغماتي لخدمة الصالح العام، ولتعجيل مسار تحرير الأرض والمقدسات واسترداد الحقوق المسلوبة. لقد آن الأوان لأن تفرض الأمة ذاتها كفاعل رئيسي في المعادلة الدولية؛ فإما أن ندخل التاريخ من باب الفعل، أو أن نسقط نهائياً من كل الحسابات.

خاتمة: إرادة الحياة تقهر آلة الموت

في الختام، وعلى الرغم من كثافة النيران ووحشية المجازر، فإن الرسالة التي أطلقها المجتمعون تفيض باليقين. إن مواجهة هذه الغطرسة تتطلب شحذ الهمم، وتكثيف العمل المؤسسي والميداني بروح التفاؤل الاستراتيجي. ففي قاموس الشعوب المتجذرة في أرضها، لا يأس مع الإيمان، ولا تراجع ما دام هناك حق يُطالب به، ومقاومة تشرّع صدرها للمستقبل. إن فجر التحرير، وإن بدا طريقُه معبداً بالتضحيات الجسام، هو الحقيقة الوحيدة التي ستنتصر في النهاية.