احتمال دخول سوريا إلى لبنان دراسة جيوسياسية في حدود القوة والعقلانية الاستراتيجية من ضغط الحدود إلى خطر الحرب بالوكالة تقدير موقف موثق حتى 21 تموز/يوليو 2026
عبدالله م. بدوي · 2026-07-23
ملخص تنفيذي
تدرس هذه الورقة احتمال دخول قوات سورية إلى لبنان في ضوء التحولات الإقليمية الجارية حتى 21 تموز/يوليو 2026، وتتعامل مع المسألة بوصفها سؤالاً في العقلانية الاستراتيجية لا في القدرة المجردة على عبور الحدود. فالدولة قد تملك قوة تكفي لبدء عملية عسكرية، لكنها لا تكون بالضرورة قادرة على التحكم في مسارها أو في الأطراف التي ستدخل فيها أو في اليوم الذي تنتهي عنده. ومن ثم لا يكفي السؤال: هل تستطيع سوريا دخول لبنان؟ بل ينبغي أن يسبقه سؤال أكثر صرامة: ما المصلحة السورية المحددة التي تتحقق من هذا الدخول، وما البدائل الأقل كلفة، ومن يضمن ألا تتحول العملية إلى حرب استنزاف تخدم إسرائيل أو قوى خارجية أكثر مما تخدم الدولة والشعب السوريين؟
تخلص الدراسة إلى أن التدخل العسكري السوري الشامل يظل، في المدى القريب، احتمالاً منخفضاً، لأن السلوك الرسمي السوري يميل حتى الآن إلى وقف الحرب، ودعم المؤسسات اللبنانية، وضبط الحدود، وفتح مسارات اقتصادية وسياسية. وقد أعلن الرئيس أحمد الشرع أن المقاربة السورية للأزمة اللبنانية تقوم على أولوية وقف القصف وفتح حل سياسي واقتصادي واجتماعي، لا على إرسال قوات إلى الداخل اللبناني.[1] كما عبّر في حوار مع الرئيسين اللبناني والفرنسي عن دعم استقرار لبنان واستعادة مؤسساته لسيادتها، مع تأكيد التعاون بين الدولتين.[2]
إلا أن انخفاض الاحتمال لا يعني استحالته. فهناك ضغوط أمريكية معلنة تريد من دمشق أن تؤدي دوراً عسكرياً ضد حزب الله، وهناك حوادث تهريب واشتباكات محتملة على حدود طويلة وغير مرسمة بالكامل، كما أن أي هجوم كبير ينطلق من الأراضي اللبنانية أو حادث ميداني يسقط قتلى سوريين قد يخلق دينامية تصعيدية تتجاوز نيات القيادة. لذلك تفرق الدراسة بين تشديد الضبط الحدودي، وهو سيناريو مرتفع الاحتمال، وبين عمليات محدودة عابرة للحدود، وهي أقل احتمالاً، وبين حرب واسعة هدفها تفكيك حزب الله أو السيطرة على البقاع، وهي السيناريو الأخطر والأبعد عن المصلحة السورية.
الاستنتاج المركزي هو أن عقلانية دمشق تقاس بقدرتها على الفصل بين حقها في حماية حدودها ومنع التهريب، وبين تحويل الجيش السوري إلى قوة برية في حرب ليست أولويته الوطنية. سوريا مطالبة بإعادة بناء اقتصادها وجيشها ومؤسساتها، ومواجهة خلايا داعش، واستيعاب موجات العودة والنزوح، وحماية جبهتها الجنوبية في ظل وجود إسرائيلي موثق داخل منطقة الفصل وما وراءها. فتح جبهة لبنانية واسعة في هذه الظروف قد يبدد الموارد ويخلق فراغات داخلية ويستدعي الفصائل العراقية وإيران، ويحوّل مناطق لبنانية سنية ومسيحية ودرزية إلى خطوط تماس، بينما تبقى إسرائيل الطرف الأكثر قدرة على الاستفادة من استنزاف سوريا وحزب الله معاً.
مدخل: من سؤال القدرة إلى سؤال المصلحة
ينشأ جزء كبير من الالتباس في النقاش حول دخول سوريا إلى لبنان من استخدام مفهوم القوة استخداماً ناقصاً. فالقوة لا تعني امتلاك مقاتلين وسلاح وقدرة على التحرك عبر معابر أو مسالك جبلية فحسب، وإنما تعني القدرة على تحويل العمل العسكري إلى نتيجة سياسية مستقرة. عبور الحدود يمكن أن يتم خلال ساعات، أما إدارة بلد ذي نظام طائفي شديد الحساسية، وبنية حزبية مسلحة، وذاكرة تاريخية مثقلة بتجربة الوجود السوري، فلا تخضع للحساب نفسه. وقد تبدأ العملية تحت عنوان محدود، كضبط معبر أو مطاردة خلية، ثم تتوسع بفعل ردود الفعل المحلية والإقليمية إلى مواجهة لا تستطيع دمشق إنهاءها من طرف واحد.
إن نقطة الانطلاق المنهجية هي التمييز بين ثلاثة مستويات كثيراً ما تُدمج في خطاب واحد. المستوى الأول هو ضبط سوريا لأراضيها وحدودها، وهو حق سيادي لا خلاف عليه. والثاني هو التعاون الأمني مع مؤسسات الدولة اللبنانية لمنع تهريب السلاح والمقاتلين والمخدرات، وهو أيضاً مجال مشروع إذا تم بتوافق الدولتين. أما المستوى الثالث فهو دخول قوات سورية إلى لبنان لمقاتلة حزب الله أو تغيير التوازن السياسي الداخلي. هذا المستوى الأخير ليس امتداداً آلياً للمستويين السابقين، بل قرار حرب مستقل يحتاج إلى تهديد مباشر ووشيك، وإلى تفويض سياسي وقانوني، وهدف قابل للتحقيق، وخطة خروج، وضمانات تحول دون التوسع الإقليمي.
تزداد أهمية هذا التمييز لأن الخطاب الرسمي في البلدين يتحرك حالياً في اتجاه مغاير لمنطق التدخل. فقد أكدت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت في تموز/يوليو 2026 أن العلاقة المراد بناؤها تقوم على الاحترام المتبادل والسيادة وحسن الجوار، وأن التعاون يمر عبر المؤسسات الدستورية ومن دولة إلى دولة.[3] ونقل الرئيس اللبناني جوزاف عون أن الجانب السوري شدد على عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وأن الزيارة أزالت مخاوف لبنانية من نية سورية للعودة إلى سياسة الوصاية.[4] وهذه المواقف لا تلغي الخلاف حول حزب الله وسلاحه، لكنها تضع حدوداً سياسية واضحة أمام تحويل الخلاف إلى غزو أو تدخل مفتوح.
يتطلب تقدير الاحتمال إذاً قراءة متوازنة للنيات والقدرات والضغوط. النيات المعلنة تميل إلى عدم التدخل؛ القدرة العسكرية موجودة جزئياً لكنها غير مختبرة في حرب لبنانية طويلة؛ الضغوط الخارجية تدفع في اتجاه آخر؛ والمصلحة السورية الداخلية تفرض أولوية الاستقرار وإعادة البناء. وبين هذه العناصر تتشكل مساحة الخطر: ليس الخطر الأكبر أن تقرر دمشق فجأة احتلال لبنان، بل أن تنزلق عبر سلسلة من الإجراءات الحدودية والحوادث والردود إلى وضع يصبح فيه التراجع مكلفاً والتقدم أكثر كلفة.
أولاً: البيئة الإقليمية وضغط تحويل سوريا إلى قوة برية
لم يعد احتمال الدور السوري في لبنان مجرد افتراض نظري. ففي صيف 2026 طُرحت علناً أفكار أمريكية تدعو الرئيس أحمد الشرع إلى إرسال قوات إلى لبنان للتعامل مع حزب الله. ونقلت وكالة أسوشيتد برس أن الرئيس دونالد ترامب كرر اقتراحه بأن تقوم القوات السورية بهذه المهمة، بينما أعلن الشرع أنه يريد إبقاء بلاده خارج الحرب الإقليمية ولا يرغب في التدخل العسكري في لبنان.[5] تكشف هذه الواقعة أن النقاش لا يدور فقط داخل دمشق وبيروت، بل يدخل في حسابات قوى كبرى تبحث عن آلية برية لتنفيذ أهداف لا ترغب إسرائيل أو الولايات المتحدة في تحمل كلفتها كاملة.
من منظور واشنطن وتل أبيب، قد تبدو سوريا الجديدة مرشحة جذابة لهذا الدور. فهي تمتلك حدوداً طويلة مع لبنان، ولديها خصومة تاريخية وسياسية مع حزب الله بسبب تدخله السابق إلى جانب الحكومة السورية، كما أنها تسعى إلى الاعتراف الدولي ورفع العقوبات والحصول على دعم اقتصادي. غير أن ما يبدو فرصة للقوى الخارجية قد يكون فخاً لسوريا؛ إذ يمكن إغراؤها بوعود سياسية ومالية مقابل فتح حرب تستهلك جيشها وتعيد إنتاج الانقسام المذهبي وتضعها في مواجهة شبكات إقليمية تمتد إلى العراق وإيران.
المشكلة ليست في أن كل تفاهم مع الغرب يساوي تبعية، ولا في أن أي ضغط خارجي سيُقبل حكماً، بل في عدم توازن توزيع المنافع والأكلاف. إسرائيل تحصل من الحرب المحتملة على إضعاف خصمها اللبناني وقطع خطوط إمداده واستنزاف جيش سوري قد يعيد بناء نفسه، في حين تتحمل دمشق القتلى والنزوح والفوضى الحدودية وردود الفعل الداخلية. وحتى إذا قدمت الولايات المتحدة مساعدات أو رفعت قيوداً اقتصادية، لا توجد آلية تضمن أن تعوض هذه المكاسب كلفة حرب مفتوحة، ولا أن تستمر بعد انتهاء الحاجة إلى الدور السوري.
يضاف إلى ذلك أن إسرائيل ليست طرفاً يقدّم لسوريا ضماناً سيادياً. فالأمم المتحدة وثقت في تقرير قوة فض الاشتباك الصادر في آذار/مارس 2026 وجود قوات إسرائيلية وأنشطة عسكرية داخل منطقة الفصل وما وراءها، واعتبرت ذلك انتهاكاً لاتفاق فض الاشتباك والقرارات ذات الصلة. كما رصدت القوة أحد عشر موقعاً إسرائيلياً على الجانب السوري وأعمالاً هندسية أضرت بالأراضي الزراعية ومنعت السكان من الوصول إلى بعضها.[6] ولذلك تبدو المفارقة شديدة الوضوح: قد يُطلب من سوريا أن تقاتل حزب الله لمصلحة ترتيب إقليمي تقوده قوى لا تزال تقبل أو تعجز عن وقف الوجود الإسرائيلي على أرض سورية.
من هنا لا ينبغي استخدام عبارة «خدمة العدو» كشعار عاطفي فحسب، بل كمفهوم تحليلي. قد تخدم دولة مصلحة عدوها من دون توقيع تحالف معه إذا هاجمت خصماً رئيسياً له، وبددت مواردها، وحولت جبهتها الداخلية إلى مجال هش، بينما يظل العدو محتفظاً بالأرض والتفوق الجوي وحرية الحركة. الحكم على القرار السوري يجب أن يستند إلى النتيجة الموضوعية المتوقعة، لا إلى النيات المعلنة وحدها. وإذا كانت النتيجة المرجحة هي إضعاف سوريا ولبنان معاً، فإن الحرب تصبح غير عقلانية حتى لو قُدمت تحت عنوان السيادة أو مكافحة التهريب.
ثانياً: الموقف السوري المعلن وحدود التحول
يظهر الخطاب السوري خلال عام 2026 ميلاً واضحاً إلى الجمع بين موقفين: دعم الدولة اللبنانية في استعادة سيادتها وحصر القرار الأمني بمؤسساتها، ورفض دخول سوريا نفسها في حرب عسكرية على الأراضي اللبنانية. هذا الجمع مهم لأنه يوضح أن دمشق لا تتبنى بالضرورة رؤية حزب الله لسلاحه أو لدوره السياسي، لكنها لا ترى أن معالجة المسألة تكون عبر إعادة الجيش السوري إلى لبنان. ففي آذار/مارس أعلن الشرع دعم مساعي الحكومة اللبنانية لتعزيز الأمن واستعادة السيادة، ثم طرح في حزيران/يونيو مقاربة تقوم على وقف الحرب والقصف والحل السياسي والاقتصادي والاجتماعي.[7][8]
هذا الاتجاه لم يبقَ في مستوى الخطاب. فقد ترافقت زيارة الشيباني إلى بيروت مع لقاءات شملت الرؤساء الثلاثة وقوى سياسية متباينة، بما فيها شخصيات شديدة الخصومة مع حزب الله وشخصيات أقرب إليه. الدلالة هنا أن دمشق تسعى إلى إعادة تعريف علاقتها بلبنان من علاقة نفوذ مباشر إلى علاقة مؤسساتية، وأنها تحاول مخاطبة النظام اللبناني كله لا بناء محور داخلي تابع لها. كما أن استقبال وزير الاقتصاد اللبناني في دمشق في تموز/يوليو والبحث في التعاون التجاري يعكسان وضع الاقتصاد والربط التنموي في مركز العلاقة الجديدة.[9]
مع ذلك، لا ينبغي تحويل العقلانية المعلنة إلى ضمانة مطلقة. الدول تغير سياساتها عندما تتغير التهديدات أو تتعرض لضغط كبير، والقيادة السورية نفسها قد تجد أن رفض التدخل يكلّفها خسارة دعم دولي أو استمرار شبكات تهريب تهدد سلطتها. كما يمكن للخطاب الدبلوماسي أن يستمر بالتوازي مع إعداد خيارات عسكرية احتياطية. لذلك لا تُقاس النيات بالكلمات وحدها، بل بمؤشرات الانتشار العسكري، ونقل الذخائر، وبناء المستشفيات الميدانية، وحجم الاستطلاع على الحدود، وطبيعة الاتصالات مع واشنطن وبيروت.
لكن حتى الآن تبدو الإجراءات السورية أقرب إلى الدفاع الحدودي منها إلى التحضير لاجتياح. فقد أعلنت هيئة العمليات في الجيش في 5 آذار/مارس 2026 توسيع الانتشار على الحدود اللبنانية والعراقية وإشراك حرس الحدود وكتائب الاستطلاع، ووصفت الخطوة بأنها دفاعية هدفها منع الارتدادات الأمنية والتسلل والتهريب.[10] هذا النوع من الانتشار منطقي في ظل حرب إقليمية ونزوح واسع، ولا يعني بذاته نية العبور. بل يمكن اعتباره بديلاً عن الدخول: كلما ازدادت قدرة دمشق على ضبط جانبها من الحدود، انخفضت حاجتها إلى ملاحقة التهديد داخل لبنان.
العقلانية في سياسة الشرع لا تعني المصالحة مع حزب الله أو إسقاط الملفات الأمنية. هي تعني ترتيب الأدوات وفق تدرجها: تبدأ الدولة بالاستخبارات والضبط والمعابر والتفاوض والتعاون مع الجيش اللبناني، ولا تنتقل إلى القوة العابرة للحدود إلا إذا ثبت فشل البدائل ووجود تهديد مباشر. ومن هذه الزاوية، يظل معيار النجاح هو منع سوريا من العودة إلى نموذج النظام السابق في إدارة لبنان، وفي الوقت نفسه منع لبنان من أن يكون ساحة تستخدم لتهديد الدولة السورية.
ثالثاً: الحدود والتهريب بوصفهما بوابة التصعيد
تمثل الحدود السورية-اللبنانية الحلقة الأكثر قابلية لتحويل التوتر السياسي إلى احتكاك عسكري. فهي حدود طويلة، شديدة التعقيد جغرافياً، لم تُرسم في جميع نقاطها بصورة نهائية، وتتداخل فيها البلدات والملكيات والروابط العائلية ومسارات التجارة والتهريب. هذه الخصائص تجعل السيطرة الكاملة عليها صعبة حتى في أوقات الاستقرار، فكيف في ظل حرب إقليمية وانهيار اقتصادي وشبكات مسلحة نشأت خلال عقود؟
في تموز/يوليو 2026 أعلنت السلطات السورية ضبط شاحنة محملة بأسلحة وصواريخ عند الحدود العراقية، وقالت إن التحقيق الأولي رجح أنها كانت متجهة إلى حزب الله في لبنان، بينما نفى الحزب الاتهام ووصفه بأنه رواية مختلقة، وأعلنت القيادة العراقية تشكيل لجنة للتحقيق والتنسيق مع دمشق.[11] أهمية الحادثة لا تكمن في حسم الروايتين، وهو ما لا تسمح به المعلومات العلنية، بل في إظهار سرعة انتقال ملف التهريب إلى مستوى سياسي قد يولد اشتباكاً أو إجراءات أشد.
إذا تكررت عمليات من هذا النوع، يمكن لسوريا أن توسع نقاط التفتيش، وتغلق المسالك، وتعتقل شبكات محلية، وتستخدم الطائرات المسيرة والمراقبة الإلكترونية. هذه خطوات سيادية داخل أراضيها. غير أن الخطر يبدأ عندما تطارد قوة سورية مهربين إلى الجانب اللبناني، أو عندما يُطلق النار على دورية سورية من داخل لبنان، أو عندما تستخدم المدفعية لضرب موقع قريب من الحدود. في هذه اللحظة قد يرد حزب الله أو فصيل محلي، ويصبح الطرفان أمام ضحايا وضغط للرد، فتتحول واقعة أمنية إلى اشتباك سياسي ثم إلى عملية محدودة.
التاريخ الإقليمي يبين أن الحروب الكبرى لا تبدأ دائماً بقرار شامل. أحياناً تنشأ من تراكم حوادث صغيرة لا يريد أي طرف أن يظهر أمام جمهوره متراجعاً عنها. ولهذا فإن إدارة الحدود تحتاج إلى آلية اتصال عسكرية سريعة بين دمشق وبيروت، وقواعد واضحة للمطاردة والنيران، وتحقيق مشترك في الشحنات والحوادث. ومن المفيد أن تشمل الآلية الجيش اللبناني والأجهزة الرسمية فقط، مع قناة غير مباشرة لإيصال الرسائل إلى حزب الله، لأن غياب الاتصال يجعل سوء التقدير أكثر احتمالاً.
يجب أيضاً الفصل بين منع السلاح من المرور في سوريا وبين قرار نزع سلاح حزب الله داخل لبنان. الأول يتعلق بالسيادة السورية، أما الثاني فهو ملف لبناني داخلي وإقليمي لا تستطيع دمشق حسمه من دون دخول حرب. وقد تنجح سوريا في وقف قسم كبير من الإمداد من دون عبور الحدود، وهو ما يجعل التدخل الواسع غير ضروري. بل إن الحصار الحدودي المنضبط يمكن أن يتحول إلى ورقة تفاوض تحصل دمشق من خلالها على تعاون اقتصادي وأمني، بدلاً من إهدار الورقة في مواجهة عسكرية.
أما إذا قُدم طلب لبناني رسمي لمساعدة تقنية في الحدود، فالأفضل أن يقتصر على غرف تنسيق، وتبادل معلومات، ودوريات متوازية على جانبي الخط، لا وحدات سورية داخل لبنان. فدخول القوات، حتى بطلب حكومي، سيعيد فوراً ذاكرة الوصاية والانقسام حول شرعية الطلب، وسيمنح حزب الله وحلفاءه مادة لتصوير العملية كعودة للاحتلال السوري. بذلك تتحول أداة يفترض أن تدعم الدولة اللبنانية إلى سبب لإضعافها وانقسامها.
رابعاً: قيود الداخل السوري وكلفة فتح الجبهة
أقوى موانع التدخل ليست لبنانية فقط، بل سورية. فالدولة الخارجة من حرب طويلة تحتاج إلى تركيز مواردها على تثبيت مؤسساتها، وتوحيد قواتها، وفرض القانون، وإعادة الخدمات، واستيعاب العائدين. وقد قدر البنك الدولي كلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، بعد تضرر قرابة ثلث رصيدها الرأسمالي السابق للحرب، مع أضرار مباشرة كبيرة في البنية التحتية والمساكن والمنشآت غير السكنية.[12] هذا الرقم لا يعني أن الإعمار يجب أن يسبق كل سياسة أمنية، لكنه يكشف ضيق الهامش المالي المتاح لحرب خارجية.
الحرب في لبنان لن تكون عملية رخيصة أو سريعة. تحتاج القوات إلى وقود وذخيرة وصيانة وطبابة واتصالات واستخبارات وطرق إمداد وحماية خلفية. وكل كتيبة تُرسل إلى البقاع تحتاج إلى وحدات تحمي طريقها من الحدود إلى مواقعها، وإلى احتياط يعوض الخسائر ويؤمن التبديل. وإذا طال القتال ستزداد الحاجة إلى التجنيد والضرائب والاقتراض، ما ينعكس على العملة والأسعار والخدمات. وبذلك لا تكون الكلفة عسكرية فقط، بل سياسية واجتماعية؛ لأن السوري الذي ينتظر الكهرباء والسكن والعمل سيسأل عن سبب إنفاق الموارد في حرب خارجية.
القيد الثاني هو خطر داعش. فقد وصف تقرير الأمين العام للأمم المتحدة في شباط/فبراير 2026 الوضع الأمني السوري بأنه هش، وأكد استمرار خلايا داعش في العمل عبر البلاد واستهدافها قوات الأمن، وسعيها إلى إثارة توترات طائفية، وقدر وجود نحو ثلاثة آلاف مقاتل للتنظيم في العراق وسوريا، غالبيتهم في سوريا. كما اعتبر الرئيس أحمد الشرع هدفاً ذا أولوية للتنظيم، وأشار إلى إحباط محاولات اغتيال استهدفت قيادات الدولة.[13] هذه الوقائع تجعل سحب القوات من البادية والشمال والشمال الشرقي مغامرة أمنية مباشرة.
حذر مجلس الأمن أيضاً من نشوء فراغ أمني حول مراكز احتجاز عناصر داعش في شمال شرقي سوريا.[14] وإذا انشغلت وحدات سورية مدربة في لبنان، قد تتحرك الخلايا في مناطق أقل رقابة، أو تهاجم طرقاً ومنشآت، أو تستغل توترات محلية لتوسيع شبكاتها. وقد تستفيد دعاية التنظيم من تصوير الحكومة السورية بوصفها قوة تقاتل إلى جانب إسرائيل ضد حزب لبناني، فتستقطب أفراداً يرون في الحرب اصطفافاً طائفياً أو خيانة لقضية فلسطين. وهكذا يمكن لجبهة افتُتحت بذريعة تعزيز الأمن أن تضعف الأمن داخل سوريا.
القيد الثالث يتعلق بتماسك البنية العسكرية والسياسية. الجيش السوري الجديد ما زال في طور بناء قيادة وطنية جامعة من وحدات وفصائل وتجارب مختلفة. بعض المقاتلين يحمل عداءً شديداً لحزب الله بسبب الحرب السابقة، وقد يدفع باتجاه الانتقام، بينما قد يرفض آخرون القتال إذا ظهر أنه يجري بتنسيق مع إسرائيل أو لخدمة أهداف أمريكية. حرب من هذا النوع قد توحد القوات في البداية تحت شعار السيادة، لكنها قد تكشف لاحقاً اختلاف الولاءات والتقديرات وقواعد السلوك، ولا سيما إذا وقعت خسائر كبيرة أو اتُهمت وحدات بارتكاب انتهاكات ضد المدنيين.
أما القيد الرابع فهو التوازنات المحلية في الساحل والسويداء والشمال الشرقي. لا تفترض الدراسة أن العلويين أو الدروز أو الأكراد أو غيرهم سيقومون بتحرك منظم عند خروج الجيش إلى لبنان، فذلك ادعاء لا سند حتمياً له. لكنها تفترض أن أي انخفاض ملموس في حضور الدولة يرفع قدرة الجماعات المحلية وبقايا النظام وشبكات الجريمة والثأر على المناورة. وقد تتحول مطالب الحماية إلى تشكيلات مسلحة أو إدارات منفصلة، فتضطر دمشق إلى القتال على جبهتين.
تضاف إلى ذلك الكلفة الإنسانية المرتبطة بالسوريين واللبنانيين الذين قد يعبرون الحدود. بين 2 و27 آذار/مارس 2026 عبر إلى سوريا أكثر من 202 ألف شخص، بينهم نحو 175 ألف سوري وأكثر من 27 ألف لبناني، بحسب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.[15] وبحلول 12 نيسان/أبريل ارتفع العدد إلى نحو 277 ألف شخص وفق أرقام السلطات السورية التي نقلتها المفوضية.[16] تكشف هذه الموجة أن أي اتساع للحرب في لبنان سيضع على سوريا عبئاً فورياً في السكن والغذاء والتعليم والصحة والنقل، حتى لو لم تدخل الحرب. فإذا أصبحت دمشق طرفاً فيها، ستضاعف بنفسها الأزمة التي يتعين عليها إدارتها.
لذلك لا يجوز تقييم قرار التدخل من زاوية عدد الجنود المتاحين فقط. القدرة الحقيقية هي القدرة على خوض الحرب والحفاظ في الوقت نفسه على الحدود العراقية والبادية والساحل والسويداء والشمال الشرقي، وتمويل الخدمات واستقبال العائدين. ما لم توجد قدرة متزامنة على هذه الوظائف، فإن إرسال القوات إلى لبنان يعني توزيع الدولة على مساحة أكبر من قدرتها المؤسسية، وهو جوهر التمدد الاستراتيجي المفرط.
خامساً: الموانع اللبنانية وذاكرة الوجود السوري
لا يمكن فهم احتمالات التدخل من دون استحضار الذاكرة اللبنانية للوجود السوري. فحتى القوى التي تعارض حزب الله وسلاحه لا تنظر بالضرورة إلى عودة القوات السورية كحل. لدى قطاعات مسيحية وسنية ودرزية، وكذلك لدى شرائح من الشيعة، تجارب ومخاوف مرتبطة بعقود النفوذ الأمني والسياسي والاعتقالات والتدخل في المؤسسات. ولذلك قد يؤدي دخول سوريا إلى إعادة توحيد خصوم متفرقين حول شعار رفض الوصاية، بدلاً من عزل حزب الله.
أكد الرئيس اللبناني جوزاف عون في تموز/يوليو 2026 أن لبنان يريد الخروج من مرحلة الحروب والوصايات، وأن العلاقة مع سوريا يجب أن تقوم على السيادة وعدم التدخل.[17] هذه العبارة ليست مجاملة دبلوماسية، بل تعكس شرطاً أساسياً لقبول سوريا الجديدة: أن تتعامل مع لبنان كدولة مستقلة. فإذا تجاوزت دمشق هذا الشرط، ستفقد رأس المال السياسي الذي بنته منذ انتقال السلطة، وقد تُفهم زياراتها واتصالاتها السابقة على أنها تمهيد للخداع لا لعلاقة جديدة.
المشكلة الثانية هي أين ستتمركز القوات. إذا دخلت من البقاع وانتشرت في مناطق ذات غالبية شيعية، ستعمل داخل بيئة تعتبرها قوة معادية وتملك شبكات اجتماعية وميدانية قادرة على دعم حرب استنزاف. وإذا أقامت قواعد في بلدات سنية أو مسيحية لحماية الإمداد، ستتحول تلك البلدات إلى أهداف للصواريخ والعبوات، وقد يرفض سكانها دفع ثمن حرب لا يملكون قرارها. وإذا بقيت القوات في شريط ضيق قرب الحدود، فلن تكون قادرة على تحقيق هدف كبير كإضعاف حزب الله أو نزع سلاحه.
تتصل هذه المعضلة بطبيعة لبنان الجغرافية والسياسية. الطرق محدودة، والجبال والوديان ملائمة للكمائن، والبلدات متقاربة، وأي إصابة مدنية تحمل أثراً طائفياً ووطنياً سريعاً. كما أن الجيش اللبناني سيجد نفسه في موقف حرج: هل ينسق مع السوريين، أم يحمي السيادة منهم، أم يفصل بينهم وبين حزب الله؟ وإذا انقسم الموقف الحكومي أو النيابي، فقد تتحول العملية إلى أزمة شرعية داخل مؤسسات الدولة نفسها.
لا يعني هذا أن حزب الله سيتمتع بإجماع لبناني أو أن خصومه سيقاتلون بالضرورة إلى جانبه. الاحتمال الأكثر واقعية هو تداخل ثلاثة مواقف: قوى تؤيد مواجهة الحزب، لكنها ترفض القوات السورية؛ قوى تلتزم الحياد وتطالب الجيش اللبناني بالانتشار؛ وقوى تنخرط مع الحزب في مقاومة الدخول. هذا التداخل يكفي لإفشال سردية الحرب البسيطة، لأن دمشق لن تواجه تنظيماً منفرداً فقط، بل بيئة لبنانية قلقة من العودة السورية ولو اختلفت جذرياً مع حزب الله.
من زاوية الشرعية، لا يحل طلب رسمي من الحكومة اللبنانية المشكلة بالكامل. قد يمنح الطلب أساساً قانونياً مؤقتاً، لكنه لا يعوض غياب الإجماع ولا يمنع تحويل القوات إلى طرف في الانقسام. تجارب التدخلات الخارجية تبين أن الدعوة الرسمية قد تفقد مشروعيتها إذا تغيرت الحكومة أو توسعت المهمة أو طالت المدة. لذلك تحتاج أي مساعدة سورية، إن طُلبت، إلى نطاق فني ضيق، ومدة محددة، ورقابة مشتركة، ونص واضح يمنع الانتشار المستقل.
لبنان نفسه يعيش ضغطاً من حروب الآخرين. وقد استخدم مسؤول أممي أمام مجلس الأمن في آذار/مارس 2026 وصف أن لبنان «أنهكته حروب الآخرين»، في سياق الدعوة إلى وقف استخدام أراضيه كساحة للصراعات الإقليمية.[18] دخول سوريا، أياً كانت مبرراته، سيضيف حرباً أخرى إلى هذا التاريخ، وقد يقضي على فرصة الانتقال إلى علاقة اقتصادية وحدودية طبيعية بين الدولتين.
سادساً: رد فعل حزب الله واحتمال تدويل المواجهة
إذا وقع تدخل محدود لضبط حادثة حدودية، قد يسعى حزب الله إلى احتوائه عبر اتصالات سياسية، ولا سيما إذا لم يستهدف مواقع أساسية أو مدنيين. أما إذا كان الهدف المعلن نزع سلاح الحزب أو تدمير بنيته في البقاع، فسيُفهم التدخل كتهديد وجودي. عندها لن يعتمد الحزب على معركة تقليدية فقط، بل سيستفيد من خبرته في حرب المواقع والكمائن والعبوات والطائرات المسيرة والصواريخ، ويركز على قطع الإمداد وإيقاع خسائر تجعل استمرار الانتشار مكلفاً.
ميزة حزب الله في هذا السيناريو ليست بالضرورة التفوق العددي، بل القتال داخل بيئته وعلى أرض يعرفها، في حين تحتاج الوحدات السورية إلى حماية طرق طويلة ومكشوفة. وقد يتجنب الحزب الدفاع الثابت عن كل موقع، وينسحب إلى قرى ومرتفعات ثم يعود إلى الاستهداف. وإذا لم تستطع دمشق تحقيق حسم سريع، ستصبح أمام خيارين كلاهما صعب: زيادة القوات، ما يوسع الفراغ في سوريا، أو الانسحاب، ما يُقدّم سياسياً كهزيمة.
كما أن الحرب لن تبقى ثنائية بالضرورة. الفصائل العراقية المرتبطة سياسياً وعقائدياً بإيران قد ترى في الهجوم على حزب الله مقدمة لاستهدافها، فتقدم دعماً مالياً أو استخباراتياً أو بشرياً. وقد تحاول إيران فتح طرق بديلة أو ممارسة ضغط على الحدود السورية-العراقية. لا يمكن الجزم بحجم هذا التدخل، لأن الحكومة العراقية قد تعمل على منعه ولأن بعض الفصائل قد تتجنب مواجهة مباشرة مع دمشق، لكن مجرد الاحتمال يفرض على سوريا إبقاء قوات كبيرة في الشرق.
إسرائيل من جهتها قد تقدم معلومات أو غطاء جوياً أو تستغل المعركة لضرب مواقع الحزب، لكنها ستحتفظ بحقها في استهداف أي قدرة سورية تراها خطراً. ليس هناك ما يضمن أن التنسيق المؤقت سيغير نظرتها إلى الجيش السوري أو يدفعها إلى الانسحاب من الأراضي السورية. بل يمكن أن تعتبر تمركز قوات سورية كبيرة في البقاع أو قرب الجنوب تهديداً لاحقاً، فتقصفها بعد أن تكون قد استنزفت في مواجهة الحزب. وهذا يجعل الاعتماد على الغطاء الإسرائيلي مقامرة بلا ضمانات.
الأخطر هو التحول الطائفي. ستسعى داعش وجماعات متشددة إلى تقديم الحرب كحملة سنية على الشيعة أو كتحالف سوري-إسرائيلي، بينما سيقدمها خصوم دمشق كعودة لجيش سوري إلى احتلال لبنان. وفي المقابل قد تعبئ أطراف شيعية عراقية ولبنانية جمهورها تحت شعار الدفاع عن الوجود. عندما تدخل الحرب هذا المسار، يفقد القرار السوري قدرته على ضبط المشاركين، وتتحول كل حادثة مدنية إلى وقود للتجنيد والثأر.
إن القول بإمكان الحرب الإقليمية لا يعني أن جميع القوى ستندفع تلقائياً، وإنما يعني أن شبكة الردع والتحالفات تجعل الفصل بين الساحات صعباً. قرار الدخول الذي يبدو في دمشق عملية محدودة قد يُقرأ في بغداد وطهران وتل أبيب وواشنطن كجزء من إعادة تشكيل المنطقة. وكل طرف سيحاول تحسين موقعه، حتى لو كان ذلك على حساب الاستقرار السوري واللبناني.
سابعاً: سيناريوهات التدخل وترجيح الاحتمالات
السيناريو الأول، وهو الأكثر ترجيحاً، يتمثل في عدم الدخول العسكري مع تشديد الضبط الحدودي. في هذا المسار تستمر دمشق في نشر حرس الحدود والاستطلاع، وتغلق طرق التهريب، وتتعاون مع الجيش اللبناني والعراق، وتستخدم الحوادث كورقة تفاوض لا كذريعة للحرب. يتوافق هذا السيناريو مع الخطاب الرسمي والزيارات الدبلوماسية والمصلحة الاقتصادية، ويسمح لسوريا بإثبات سيادتها من دون تحمل كلفة احتلال أو انتشار خارجي.
السيناريو الثاني هو عمليات أمنية محدودة جداً، كقصف مصدر نيران أو مطاردة مجموعة قرب الخط أو السيطرة المؤقتة على نقطة مختلف عليها. احتماله متوسط إلى منخفض، ويرتبط بحادث مباشر لا بخطة شاملة. خطورته أنه قابل للتوسع إذا سقط قتلى أو أصر كل طرف على الرد. نجاح هذا السيناريو يحتاج إلى قناة اتصال سريعة وتعهد مسبق بأن العملية لا تهدف إلى تغيير التوازن اللبناني.
السيناريو الثالث هو دخول محدود بطلب لبناني رسمي أو ضمن تفاهم دولي لضبط قطاع حدودي. احتماله منخفض، لأن الحكومة اللبنانية ستواجه انقساماً واسعاً، ولأن الجيش اللبناني سيطالب على الأرجح بأن يكون صاحب الانتشار. ويمكن أن يقبل لبنان مساعدة تقنية أو استخباراتية، لكن وجود وحدات سورية على أرضه سيبقى حساساً. إذا وقع هذا السيناريو فيجب أن يكون محدد المنطقة والمدة، ومقترناً بقرار حكومي واضح ومراقبة مشتركة وخطة خروج مكتوبة.
السيناريو الرابع هو حرب سورية شاملة ضد حزب الله، وهو الأضعف احتمالاً في المدى القريب والأعلى كلفة. يحتاج هذا المسار إلى تحول جذري في خطاب دمشق، وحشد وحدات وذخائر، وتفاهم أمريكي-إسرائيلي، وربما غطاء من حكومة لبنان. كما يحتاج إلى اقتناع القيادة السورية بأن التهديد من الحزب أكبر من خطر داعش والاحتلال الإسرائيلي والاضطراب الداخلي. لا تظهر المؤشرات العلنية حتى الآن هذا التحول؛ بل إن تقارير صحافية حديثة تقول إن الشرع يحاول منع جر سوريا إلى الحرب الأوسع، رغم الضغط الأمريكي.[19]
هناك سيناريو خامس يجب عدم إغفاله: الانزلاق غير المقصود. قد لا يقرر أحد الحرب، لكن حادثة تهريب أو اشتباكاً على قرية حدودية أو اغتيالاً ينسب إلى الطرف الآخر يطلق سلسلة ردود. هذا السيناريو قد يكون أكثر واقعية من قرار الاجتياح، لأن المؤسسات في الدول الخارجة من الحرب لا تملك دائماً سيطرة كاملة على الوحدات والشبكات المحلية. ولهذا فإن منع الانزلاق يحتاج إلى قواعد اشتباك واتصال وتحقيق مشترك، لا إلى حسن النيات وحده.
عند المقارنة، تقدر الدراسة احتمال استمرار عدم التدخل مع ضبط الحدود بأنه مرتفع، واحتمال عملية محدودة بأنه متوسط إلى منخفض، واحتمال دخول بطلب رسمي بأنه منخفض، واحتمال حرب شاملة بأنه منخفض جداً خلال الأشهر القريبة. لكن هذه التقديرات ليست أرقاماً ثابتة؛ فهي تتغير إذا وقع هجوم كبير داخل سوريا، أو إذا تحولت واشنطن من الضغط السياسي إلى عرض ضمانات ومساعدات ضخمة، أو إذا انهارت مؤسسات لبنان، أو إذا ظهر دليل موثوق على نشاط عسكري واسع للحزب داخل الأراضي السورية.
المعيار الحاسم في كل السيناريوهات هو خطة الخروج. قد تستطيع سوريا السيطرة على معبر أو بلدة، لكنها تحتاج إلى تعريف اللحظة التي تعتبر عندها المهمة منتهية. هل تنسحب بعد وقف التهريب؟ بعد تسليم الموقع للجيش اللبناني؟ بعد نزع سلاح الحزب؟ الهدف الأخير واسع إلى درجة تجعل الخروج مرتبطاً بإعادة تشكيل لبنان كله، وهو ما يفوق قدرة سوريا. كل عملية لا تملك نهاية سياسية محددة تتحول إلى وجود مفتوح، والوجود المفتوح يعيد أسوأ ما في التجربة السورية السابقة في لبنان.
ثامناً: مؤشرات الإنذار المبكر ومعيار القرار العقلاني
يمكن اختبار انتقال دمشق من الضبط الدفاعي إلى التحضير للتدخل عبر مؤشرات عملية. أهمها نقل وحدات قتالية كبيرة إلى الحدود، وبناء مستودعات وقود وذخيرة ومستشفيات ميدانية، ونشر مدفعية ودفاع جوي، وارتفاع طلعات الاستطلاع فوق الأراضي اللبنانية، واستدعاء الاحتياط. سياسياً، ينبغي مراقبة تحول الخطاب من احترام السيادة إلى وصف حزب الله بتهديد وجودي، وقطع قنوات التواصل، وظهور طلب لبناني رسمي أو اتفاق معلن مع الولايات المتحدة حول مهمة سورية.
في المقابل، استمرار الزيارات الاقتصادية والتنسيق المؤسساتي، مثل البحث في تموز/يوليو 2026 في تعزيز التجارة بين البلدين، يشير إلى تثبيت البديل الاقتصادي للحرب.[20] كما أن إبقاء الانتشار السوري داخل الحدود، مهما كان كثيفاً، يظل دليلاً على الردع الدفاعي ما لم ترافقه تجهيزات عبور وهجوم.
قبل اتخاذ أي قرار، يجب على القيادة السورية أن تجيب عن أسئلة لا تقبل الشعارات: ما التهديد المباشر؟ لماذا لا تكفي الحدود؟ من طلب التدخل؟ أين تنتهي المهمة؟ ما موقف الجيش اللبناني؟ كيف ستُحمى الجبهات الداخلية من داعش؟ من يمول الحرب؟ ماذا يحدث إذا تدخلت فصائل عراقية؟ وما المقابل السيادي الذي تحصل عليه سوريا من إسرائيل والولايات المتحدة؟ إذا لم توجد إجابات قابلة للقياس، فإن الحرب تصبح مخاطرة لا استراتيجية.
العقلانية ليست امتناعاً دائماً عن استخدام القوة. قد تضطر سوريا إلى الرد إذا تعرضت لهجوم أو إذا انهارت الحدود. لكنها تعني استخدام القوة بأضيق نطاق يزيل الخطر، وعدم تحويل الحق في الدفاع إلى مشروع مفتوح. وهي تعني أيضاً ألا تسمح دمشق لخصومتها مع حزب الله أو لذاكرة الحرب السابقة بأن تحجب ترتيب الأخطار الحالية: داعش داخل سوريا، والاحتلال الإسرائيلي في الجنوب، وإعادة بناء الدولة والاقتصاد.
تاسعاً: البديل الاستراتيجي وبناء نفوذ بلا تدخل
لا يعني رفض الدخول العسكري أن تقبل سوريا بدور سلبي أو أن تتخلى عن أدوات التأثير في لبنان. فالنفوذ الأكثر استدامة لا يحتاج دائماً إلى دبابات وقواعد؛ قد ينشأ من ضبط المعابر، والتجارة، والطاقة، والنقل، والمعلومات الأمنية، والقدرة على الوساطة. الموقع الجغرافي يجعل سوريا شريكاً لا يمكن للبنان الاستغناء عنه، لكن تحويل هذه الميزة إلى علاقة منفعة متبادلة يحتاج إلى كسر الإرث الذي ربط النفوذ السوري بالأجهزة والوصاية.
يمكن لدمشق أن تقترح اتفاقاً حدودياً مرحلياً لا ينتظر حل جميع نقاط الترسيم المعقدة. يتضمن الاتفاق تحديد مناطق التنسيق، وتبادل قوائم المطلوبين وشبكات التهريب، وإنشاء خط ساخن بين قيادتي الجيشين، ودوريات متزامنة لا مشتركة على جانبي الحدود، وآلية تحقيق خلال أربع وعشرين ساعة في أي إطلاق نار أو تجاوز. هذه الصيغة تحمي السيادة وتمنع المطاردة العشوائية، وتقلل احتمال أن يستغل طرف ثالث حادثة صغيرة لتفجير مواجهة.
في المجال الاقتصادي، تستطيع سوريا أن تحول المعابر الشرعية إلى بديل عملي لمسارات التهريب عبر تخفيض الرسوم، وتبسيط النقل، وربط الجمارك إلكترونياً، وتأمين طرق الشاحنات. وكلما أصبحت التجارة القانونية أسرع وأرخص، تقل قدرة الشبكات المسلحة على تجنيد السكان في الاقتصاد غير المشروع. كما أن التعاون في الكهرباء والغاز والنقل وإعادة الإعمار يخلق جماعات مصلحة في البلدين تدافع عن الاستقرار وتضغط ضد الحرب. وقد أكدت اللقاءات الرسمية الأخيرة الرغبة في تطوير التعاون التجاري، ما يوفر أساساً سياسياً لهذا البديل.[21]
أما أمنياً، فينبغي أن يكون الهدف السوري منع أي سلاح أو مقاتل من استخدام أراضيها من دون قرار الدولة، لا اختيار المنتصر في الصراع اللبناني. تستطيع دمشق أن تمنع الإمداد غير الشرعي وتحتفظ في الوقت نفسه بقناة سياسية مع حزب الله، لأن الاتصال لا يعني التحالف، بل يسمح بالإنذار ونفي الاتهامات وتحديد الخطوط الحمراء. ومن دون قناة كهذه، ستصبح كل شحنة أو حادثة مصدراً لروايات متضاربة قد تجر الطرفين إلى ردود غير محسوبة.
هذه الاستراتيجية تمنح سوريا نفوذاً فعلياً من دون أن تحملها كلفة السيطرة على مجتمع آخر. وهي تنسجم مع مبدأ العلاقة بين دولة ودولة الذي أكدته دمشق وبيروت، وتسمح للقيادة السورية بالقول للولايات المتحدة إنها تضبط حدودها، وللبنان إنها تحترم سيادته، وللداخل السوري إنها لا ترسل أبناءه إلى حرب مفتوحة. في المقابل، تضع على الحكومة اللبنانية مسؤولية معالجة سلاح حزب الله ضمن توازناتها الدستورية، وعلى المجتمع الدولي مسؤولية وقف الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية بدلاً من نقل عبء المواجهة إلى سوريا.
الخاتمة
لا تشير المعطيات المتاحة حتى 21 تموز/يوليو 2026 إلى أن سوريا اتخذت قراراً بدخول لبنان. المسار الرسمي يركز على وقف الحرب، والعلاقة بين دولة ودولة، وضبط الحدود، والتعاون الاقتصادي. كما أن زيارة وزير الخارجية السوري إلى بيروت والرسائل المتبادلة حول عدم التدخل تمثل كلفة سياسية مسبقة لأي انقلاب نحو الحرب؛ إذ ستظهر دمشق عندها كمن نقضت الأساس الذي بنت عليه علاقتها الجديدة.
مع ذلك، لا يجوز الاطمئنان إلى الخطاب وحده. الضغط الأمريكي موجود، وملف تهريب السلاح قابل للتصعيد، والحدود تحمل احتمالات الحوادث، والحرب الإقليمية قد تنتج ظروفاً لا تستطيع القيادة التحكم بها. لذلك فإن السيناريو الأخطر ليس قراراً سورياً معلناً باجتياح لبنان، بل انزلاق تدريجي يبدأ بإجراء مشروع داخل الحدود وينتهي بمواجهة عبرها.
إذا وقع التدخل الشامل، فستكون كلفته متعددة المستويات: استنزاف مالي في بلد يحتاج مئات المليارات للإعمار، وفراغ أمني تستفيد منه داعش، وتوتر في المناطق السورية الهشة، وموجة نزوح جديدة، ومقاومة لبنانية قد تتجاوز حزب الله، واحتمال تدخل عراقي وإيراني، وشرعية إقليمية متضررة إذا ظهرت القوات السورية كذراع برية في حرب تخدم إسرائيل. في المقابل لا توجد ضمانات بانسحاب إسرائيل من الأرض السورية أو اللبنانية، ولا بوقف ضرباتها أو دعمها لخصوم دمشق.
البديل العقلاني ليس ترك السلاح والتهريب بلا رقابة، بل بناء عقيدة حدودية صارمة: منع أي قوة لبنانية أو عراقية من استخدام الأرض السورية، منع أي نشاط مسلح ينطلق من لبنان ضد سوريا، إنشاء غرفة تنسيق مع الجيش اللبناني، التحقيق المشترك في الحوادث، وتطوير التجارة والطاقة والنقل. هذه الأدوات تمنح دمشق سيادة فعلية وتأثيراً مستداماً، بينما تمنحها الحرب نفوذاً مؤقتاً مشبعاً بالكلفة والعداء.
بناءً على ذلك، تقدر الدراسة أن احتمال الحرب السورية الشاملة في لبنان ضعيف في المدى القريب، وأن احتمال تشديد الحدود مرتفع، وأن العمليات المحدودة تبقى ممكنة إذا وقع حادث مباشر. أما القرار الرشيد فهو إبقاء القوات السورية داخل سوريا، إلا في حالة تهديد واضح لا يمكن احتواؤه وبطلب رسمي وشروط خروج صارمة. فالقوة لا تظهر فقط في القدرة على عبور الحدود؛ تظهر كذلك في مقاومة الضغط الذي يدفع الدولة إلى خوض حرب ليست حربها، وفي حماية المصلحة الوطنية من أن تتحول إلى أداة في استراتيجية الآخرين.
الببليوغرافيا
Associated Press. “Syrian Authorities Seize Truck of Rockets Allegedly Bound for Hezbollah in Lebanon.” July 16, 2026. https://apnews.com/article/syria-weapons-smuggling-iraq-hezbollah-2e3a328669d876dce0a940714ee8a799.
Sewell, Abby. “Lebanon and Israel Move toward Implementing Withdrawal Agreement, US Officials Say.” Associated Press, July 15, 2026. https://apnews.com/article/lebanon-israel-rome-hezbollah-withdrawal-agreement-pilot-zones-3101eba31e8e7a67d3bcd2995f900377.
UNHCR. Syria Situation: Regional Flash Update #70. March 2026. https://www.unhcr.org/sites/default/files/2026-03/unhcr-regional-flash-update-70-syria-situation.pdf.
———. “UNHCR Syria: Flash Update #2 – Middle East Situation.” April 13, 2026. https://data.unhcr.org/en/documents/download/122007.
United Nations. Security Council. Twenty-Second Report of the Secretary-General on the Threat Posed by ISIL (Da’esh). S/2026/57. February 2, 2026. https://digitallibrary.un.org/record/4102030/files/S_2026_57-EN.pdf.
———. United Nations Disengagement Observer Force: Report of the Secretary-General. S/2026/157. March 10, 2026. https://digitallibrary.un.org/record/4106405/files/S_2026_157-EN.pdf.
United Nations Security Council. “Lebanon ‘Exhausted by Other People’s Wars’, Security Council Hears.” SC/16314. March 11, 2026. https://press.un.org/en/2026/sc16314.doc.htm.
———. “Security Council Press Statement on North-East Syria.” SC/16293. February 2026. https://press.un.org/en/2026/sc16293.doc.htm.
World Bank. “Syria’s Post-Conflict Reconstruction Costs Estimated at $216 Billion.” October 21, 2025. https://www.worldbank.org/en/news/press-release/2025/10/21/syria-s-post-conflict-reconstruction-costs-estimated-at-216-billion.
———. The Syrian Conflict: Physical Damage and Reconstruction Assessment, 2011–2024. Washington, DC: World Bank, 2025. https://documents.worldbank.org/en/publication/documents-reports/documentdetail/099102025095540101.
الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا). «اتصال هاتفي بين القائد أحمد الشرع ورئيس الحكومة اللبنانية». 3 كانون الثاني/يناير 2025.
———. «الجيش السوري يعزز وجوده على حدود لبنان والعراق مع تصاعد الحرب الإقليمية». 5 آذار/مارس 2026.
https://sana.sy/locals/2419369/.
———. «الرئيس الشرع يؤكد دعم سوريا لاستقرار لبنان خلال حوار ثلاثي مع ماكرون وعون». 11 آذار/مارس 2026.
https://sana.sy/presidency/2424153/.
———. «الرئيس الشرع يؤكد طرح سوريا مقاربة جديدة للحل في لبنان ويشدد على أولوية وقف الحرب». 21 حزيران/يونيو 2026.
https://sana.sy/presidency/2507251/.
———. «ترحيب لبناني واسع بزيارة الشيباني وانطلاق مرحلة جديدة في العلاقات السورية-اللبنانية». 2 تموز/يوليو 2026.
https://sana.sy/syria-and-the-world/2517685/.
———. «عون: زيارة الشيباني تؤكد الحرص على إقامة علاقات سليمة بين سوريا ولبنان». 2 تموز/يوليو 2026.
https://sana.sy/syria-and-the-world/2517456/.
———. «الرئيس الشرع يبحث مع وزير الاقتصاد اللبناني تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين». 14 تموز/يوليو 2026.
https://sana.sy/presidency/2527571/.
[1]الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا)، «الرئيس الشرع يؤكد طرح سوريا مقاربة جديدة للحل في لبنان»، 21 حزيران/يونيو 2026.
[2]سانا، «الرئيس الشرع يؤكد دعم سوريا لاستقرار لبنان خلال حوار ثلاثي مع ماكرون وعون»، 11 آذار/مارس 2026.
[3]سانا، «ترحيب لبناني واسع بزيارة الشيباني وانطلاق مرحلة جديدة في العلاقات السورية-اللبنانية»، 2 تموز/يوليو 2026.
[4]سانا، «عون: زيارة الشيباني تؤكد الحرص على إقامة علاقات سليمة بين سوريا ولبنان»، 2 تموز/يوليو 2026.
[5]Abby Sewell, “Lebanon and Israel Move toward Implementing Withdrawal Agreement,” Associated Press, July 15, 2026.
[6]الأمم المتحدة، مجلس الأمن، تقرير قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك، S/2026/157، 10 آذار/مارس 2026، الفقرات 2-6.
[7]سانا، «الرئيس الشرع يؤكد دعم سوريا لاستقرار لبنان»، 11 آذار/مارس 2026.
[8]سانا، «الرئيس الشرع يؤكد طرح سوريا مقاربة جديدة للحل في لبنان»، 21 حزيران/يونيو 2026.
[9]سانا، «الرئيس الشرع يبحث مع وزير الاقتصاد اللبناني تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري»، 14 تموز/يوليو 2026.
[10]سانا، «الجيش السوري يعزز وجوده على حدود لبنان والعراق»، 5 آذار/مارس 2026.
[11]Associated Press, “Syrian Authorities Seize Truck of Rockets Allegedly Bound for Hezbollah,” July 16, 2026.
[12]البنك الدولي، «تقدير كلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار»، 21 تشرين الأول/أكتوبر 2025.
[13]الأمم المتحدة، مجلس الأمن، التقرير الثاني والعشرون عن تهديد داعش، S/2026/57، 2 شباط/فبراير 2026، الفقرات 10-11 و59-61.
[14]مجلس الأمن، «بيان صحافي بشأن شمال شرقي سوريا»، SC/16293، شباط/فبراير 2026.
[15]المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، Syria Situation: Regional Flash Update #70، آذار/مارس 2026، 1.
[16]المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، “UNHCR Syria: Flash Update #2,” 13 نيسان/أبريل 2026.
[17]سانا، «عون: زيارة الشيباني تؤكد الحرص على إقامة علاقات سليمة»، 2 تموز/يوليو 2026.
[18]مجلس الأمن، “Lebanon ‘Exhausted by Other People’s Wars’,” SC/16314، 11 آذار/مارس 2026.
[19]Associated Press, “Syrian Authorities Seize Truck of Rockets,” July 16, 2026.
[20]سانا، «تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين سوريا ولبنان»، 14 تموز/يوليو 2026.
[21]سانا، «تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين سوريا ولبنان»، 14 تموز/يوليو 2026.