السلطة التي ضيّعت لبنان
عبدالله م. بدوي · 2026-05-24
الأخبار
https://www.al-akhbar.com/NewspaperArticles/topics-opinions/888379
لم تُطح فرصة التفاوض في إسلام آباد لأن الأميركيين لا يريدون الحل العادل والمنطقي فقط. ولم تتعثّر لأن إسرائيل قرّرت أن تواصل الحرب فقط. ولم تصل الأمور إلى هذا الحد لأن الإيرانيين أرادوا التشدّد فقط. هذه كلها عناصر قائمة، نعم، لكنّ الحقيقة الأشد قسوة هي أن السلطة اللبنانية نفسها، ممثّلة برئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، دخلت إلى المشهد من الزاوية التي كان يحتاج إليها الأميركي والإسرائيلي تماماً: زاوية إزاحة حائط الصدّ اللبناني من أمام المفاوض الأميركي، وسحب ورقة قوته عن الطاولة، وتحويله من عقدة تفاوضية استراتيجية في وجه أميركا وإسرائيل إلى ملف معزول، ضعيف، مستباح.
هذا ليس استنتاجاً صحافياً من خارج الغرفة. محمد مرندي، الخبير الاستراتيجي وعضو الوفد المفاوض، نفسه الذي يؤكد أن إيران لم تذهب إلى إسلام آباد طلباً لاتفاق بأي ثمن، بل لإثبات جدّيتها الدبلوماسية مع التمسّك بأوراقها، أكّد أن الموقف اللبناني الرسمي أتاح للأميركيين والإسرائيليين تخريب المعادلة. قالها بوضوح لا يحتمل اللبس: «لا شك أن لبنان يمثّل مشكلة أساسية في المفاوضات بعد التصرّف غير المسؤول لرئيس الوزراء اللبناني». هذا الكلام لا يمكن المرور عليه كجملة عابرة. مرندي لا يتحدّث هنا عن انطباع، بل عن عقدة تفاوضية فعلية. وحين يقول إنّ لبنان أصبح «مشكلة أساسية» فهو يضع إصبعه على الجرح مباشرة: لم يكن لبنان عقدة بسبب دماره فقط، بل بسبب الموقف الرسمي اللبناني الذي عطّل إمكان فرض هذا الملف في المعادلة التفاوضية.
كان المنطق الباكستاني، الذي سهّل مسار المحادثات، يقوم على فكرة واضحة: الأميركيون يريدون فتح مضيق هرمز، والإيرانيون لا تزال في أيديهم هذه الورقة الثقيلة، فيما الحرب على لبنان تشكّل ضغطاً أخلاقياً وسياسياً على طهران وعلى المنطقة كلها. وبالتالي، كان يمكن جمع الورقتين في سلة واحدة: حراك جدّي في ملف هرمز مقابل مسار جدّي يفضي إلى وقف الحرب على لبنان. هذه ليست فكرة شاعرية، بل منطق تفاوض بارد: لكل طرف ورقته، وكل ورقة تُوضع على الطاولة من أجل انتزاع المقابل.
لكن الذي فعلته السلطة اللبنانية كان العكس تماماً. بدل أن تفهم أنّ قوة لبنان في تلك اللحظة كانت في كونه جزءاً من معادلة إقليمية واسعة، تعاملت معه على أنه ملف منفصل ينبغي نزعه من السلة الكبرى. وهنا وقع التفريط الحقيقي. لأن الأميركي، حين وجد أن السلطة اللبنانية لا تريد ربط وقف الحرب على لبنان بالمسار الإقليمي الأشمل، صار قادراً على أن يقول للإيرانيين: افتحوا هرمز أولاً، أمّا لبنان فله ترتيبه الخاص. أي بلغة أوضح: أعطونا الورقة التي تؤلمنا، ولا تطلبوا في المقابل وقف المذبحة على لبنان، لأن رأس السلطة فيه لا يريد أصلاً هذا الربط.
هنا بالضبط تتحوّل عبارة مرندي إلى شهادة اتهام سياسية كاملة. فهو لم يقل إن لبنان مشكلة بسبب إسرائيل فقط، ولا بسبب الأميركي فقط، بل قال إن المشكلة الأساسية نشأت «بعد التصرّف غير المسؤول لرئيس الوزراء اللبناني». أي إنّ الرجل، من داخل الوفد، يربط التعطيل مباشرةً بالسلوك اللبناني الرسمي. وهذه ليست نقطة تفصيلية، بل هي قلب المقال كله. لأنك حين تملك ورقة تفاوضية ثقيلة اسمها هرمز، ويكون في المقابل هناك ملف دموي مفتوح اسمه لبنان، فإنّ أوّل ما تحتاج إليه هو أن يبقى الملفان مترابطيْن. أمّا حين تأتي السلطة اللبنانية بنفسها لتساعد على الفصل، فهي لا ترتكب خطأً دبلوماسياً فقط، بل تسحب من يد المفاوض الإيراني إحدى أهم الأوراق التي تخوّله الدفاع عن لبنان على طاولة التفاوض.
وهذا ما يفسّر الحرج الكبير والمتصاعد على المفاوض الإيراني. فداخل إيران، لم يكن المشهد بلا ضغوط. المؤسسة الدينية وكدعمٍ وازنٍ للحراك الشعبي لما تمثّل من رمزية دينية مقدّسة دخلت على الخط بوضوح، ولكن بصيغة ضغط ناعم شديد الفعالية. رسالة آية الله العظمى الشيخ ناصر مكارم الشيرازي لم تكن مجرد بيان تعزية. الرجل قال إن «التجارب أثبتت أن أي مساومة مع العدوان ستؤدي إلى زيادة غطرسته»، وطالب المسؤولين والمؤسسات المعنية في الجمهورية الإسلامية بأن يقوموا بواجبهم الإنساني والإسلامي في دعم الشعب المظلوم في لبنان. معنى ذلك واضح: لا تذهبوا إلى تفاوض يمكن أن يُفهم منه أنه مظلة لاستمرار الحرب. لا تمنحوا العدوان وقتاً مجانياً. لا تحوّلوا الدبلوماسية إلى غطاء للمجزرة.
وكانت إسرائيل، في الوقت نفسه، تتصرّف على الأرض بما يؤكد صحة هذا التحذير. فهي لم تكن تتجه إلى إنهاء الحرب، بل إلى إدارتها ورفع سقفها. الضربات التي استهدفت بيروت، وما خلّفته من نحو ألف وخمسمئة بين شهيد وجريح وفق الأرقام الرسمية المتداولة، لم تكن سلوك طرف يتهيأ للتهدئة.
والضربة التي استهدفت جهاز أمن الدولة اللبناني وأسقطت ما يقارب 13 عنصراً كانت أوضح من أن تحتاج إلى شرح: إسرائيل لا تكتفي بقصف المقاومة أو البيئة الحاضنة، بل تضرب مؤسسات الدولة نفسها، وتقول لها إنها أيضاً داخل بنك الأهداف. أي إنّ تل أبيب كانت تريد من الحرب أن تبقى مفتوحة، لا أن تُغلق، وأن تُدار من موقع أعلى، لا أن تُنهى.
في هذا التوقيت بالذات، كان يُفترض برأس السلطة اللبنانية أن يفهم المعادلة: إذا كانت إسرائيل توسّع الحرب، وإذا كانت واشنطن تريد هرمز، وإذا كانت طهران تهدف إلى ربط أي تنازل في المضيق بوقف الحرب على لبنان، فالمصلحة اللبنانية البديهية هي التمسّك بهذا الربط، لا المساهمة في فكّه. لكن الذي حصل هو العكس. وهذا ما يجعل جوزيف عون ونواف سلام ليسا مجرد شاهديْن على تعثّر التفاوض، بل طرفين أساسيين في إنتاج هذا التعثّر.
فالمشكلة هنا ليست أنهما فشلا في حماية لبنان. هذا توصيف مخفّف. المشكلة أنهما، سياسياً، سهّلا على الأميركي أن يتمسّك بهرمز منفصلاً عن لبنان، وسهّلا على الإسرائيلي أن يواصل المجازر وهو مطمئن إلى أنّ ملف لبنان لم يعد ورقة ضغط داخل السلة الكبرى. هذه هي الخطيئة الأصلية. لأنك حين تنزع ملف الحرب على بلدك من المعادلة الوحيدة القادرة على فرض ثمن على العدو وعلى راعيه الأميركي، فأنت لا تحمي بلدك، بل تجرّده من وزنه وتعيده إلى خانة الاستباحة.
ولهذا لا تبدو عبارة مرندي مجرّد تعليق، بل تبدو كأنها الحكم السياسي الأكثر مباشرة على ما جرى. الرجل قال إنّ لبنان أصبح مشكلة أساسية في المفاوضات بعد التصرف غير المسؤول لرئيس الوزراء اللبناني. أي إن السلطة اللبنانية لم تكن متفرّجة على التعطيل، بل كانت جزءاً منه. لم تكن ضحية خالصة، بل تحوّلت، بوعي أو بقصور، إلى العقدة التي علّقت المنشار. فهي التي منحت الأميركي حجة الفصل، وهي التي منحت الإسرائيلي وقتاً إضافياً للقتل، وهي التي وضعت المفاوض الإيراني أمام معضلة قاسية: كيف تستمر في التفاوض على فتح ممر استراتيجي للعالم مقابل وقف الحرب على لبنان، فيما الذين يُفترض أنك تحاول أن تنتزع لهم وقفاً للنار يسحبون بأنفسهم هذه الورقة من يدك؟
هكذا، بكل بساطة، سقطت فرصة كان يمكن أن تُستخدم لفرض معادلة مختلفة: هرمز مقابل وقف الحرب على لبنان. سقطت لأن الأميركي أراد أن يأخذ ولا يعطي. وسقطت لأن إسرائيل أرادت أن تقتل وتفاوض في الوقت نفسه. وسقطت، قبل هذا وبعده، لأن السلطة اللبنانية الرسمية قرّرت أن تساعدهما، أو على الأقل أن تتصرّف على نحو يخدمهما، ففصلت لبنان عن السلة، وكسرت التوازن، ودفعت البلد إلى مزيد من الدم.
على ضوء كل ما سبق، لا يعود السؤال ترفاً سجالياً، بل يصبح السؤال الأشد إلحاحاً والأكثر مشروعية: تحت أي عنوان سياسي أو وطني أو أخلاقي يمكن فهم موقف السلطة اللبنانية، ممثَّلةً بجوزيف عون ونواف سلام؟