ستار لينك في العراق بعد زيارة واشنطن: خدمة مدنية أم بنية اتصالات لمرحلة إقليمية جديدة؟ قراءة نقدية في توقيت التشغيل، وغموض الاتفاقيات، واحتمالات الاستخدام الأمني والعسكري

عبدالله .م بدوي · 2026-07-31

لم يعد إدخال خدمة «ستارلينك» إلى العراق مجرد مسألة تقنية تتعلق بتحسين سرعة الإنترنت في القرى والمناطق النائية. فالطريقة التي أُنجز بها الترخيص، وتزامنه مع زيارة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ثم توقيع عشرات الاتفاقيات مع الشركات الأميرك

ية، تضع المشروع في سياق سياسي واستراتيجي أوسع من الإعلان التجاري الذي رافقه.

استقبل ترامب رئيس الوزراء العراقي في البيت الأبيض في ١٤ تموز/يوليو ٢٠٢٦، ضمن زيارة ضمت وفدًا حكوميًا واقتصاديًا عراقيًا. وبعد الزيارة أعلنت الحكومة العراقية توقيع ٤٨ اتفاقًا ومذكرة تفاهم وإعلان شراكة مع شركات أميركية في قطاعات النفط والكهرباء والصناعة والتكنولوجيا والمال. غير أن الإعلان لم ينشر النصوص الكاملة لهذه الاتفاقيات، ولم يحدد جميع الأطراف الموقعة، ولا القيمة المنفردة لكل مشروع، ولا ما إذا كانت الوثائق عقودًا ملزمة أم مذكرات أولية تحتاج إلى ترتيبات لاحقة.

ضمن هذه الحزمة ظهر اتفاق «ستارلينك». وفي ١٧ تموز أعلنت هيئة الإعلام والاتصالات توقيع الرخصة خلال مراسم في غرفة التجارة الأميركية، بحضور رئيس الوزراء، ثم أعلنت في ٢٩ تموز التشغيل الفعلي للخدمة في العراق. وهكذا فصل نحو اثني عشر يومًا فقط بين مراسم إعلان الرخصة وفتح الخدمة رسميًا.

لا يثبت هذا التسلسل وحده وجود هدف عسكري خفي. لكن اجتماع زيارة واشنطن، ولقاء ترامب، وحزمة الاتفاقيات غير المنشورة تفصيليًا، والتفعيل السريع لشبكة اتصالات فضائية ذات خصائص مزدوجة الاستخدام، يخلق مجموعة أسئلة لا يمكن تجاوزها بمجرد القول إن المشروع يهدف إلى توفير إنترنت أسرع.

اتفاق منفرد أم جزء من حزمة تفاهمات أوسع؟

تتمثل أولى نقاط الغموض في عدم وضوح العلاقة بين رخصة ستارلينك والاتفاقيات الأخرى التي رافقت زيارة الزيدي. فالإعلان الحكومي جمع اتفاق الشركة مع اتفاقيات نفطية ومالية وتكنولوجية واستراتيجية ضمن حزمة واحدة، لكنه لم ينشر إطارًا يوضح ما إذا كانت هذه الاتفاقيات مستقلة تمامًا، أم أنها أجزاء من تفاهم سياسي واقتصادي وأمني متكامل بين بغداد وواشنطن.

ولا يتعلق الاعتراض برفض التعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة، بل بحق الرأي العام العراقي في معرفة الالتزامات التي ترتبت على بلاده. فحين توقع حكومة ثمانية وأربعين اتفاقًا خلال زيارة واحدة، ثم تكتفي بعناوين عامة، يصبح من المشروع السؤال: ما الضمانات التي قُدمت للشركات الأميركية؟ وما الامتيازات القانونية والمالية والأمنية التي حصلت عليها؟ وهل تضمنت اللقاءات المغلقة ترتيبات تتصل بوجود القوات الأميركية، أو حماية الشركات، أو قطاع الاتصالات، أو التعامل مع إيران والجماعات المسلحة؟

كما أن وضع مراسم رخصة ستارلينك داخل غرفة التجارة الأميركية يمنح الاتفاق معنى سياسيًا يتجاوز إجراء تنظيميًا داخليًا. ولو كان الأمر مجرد ترخيص فني اعتيادي، فلماذا رُبط بزيارة رئيس الوزراء واحتُفل به في الولايات المتحدة؟

تزداد هذه الأسئلة أهمية بسبب تصريح رئيس الجهاز التنفيذي لهيئة الإعلام والاتصالات لاحقًا بأن الرخصة وُقعت فعليًا داخل العراق قبل سفر الوفد، وأن مراسم واشنطن كانت بروتوكولية لإعطاء الحدث أهمية أكبر. وهذا التوضيح لا يزيل الغموض، بل يفتح أسئلة جديدة: متى تم التوقيع الحقيقي؟ ومتى دخل العقد حيز التنفيذ؟ ولماذا قدم الإعلان الأول مراسم واشنطن بوصفها توقيعًا رسميًا من دون توضيح أن الوثيقة كانت موقعة مسبقًا؟

من الدراسة النيابية إلى التشغيل المباشر

في ٦ تموز/يوليو، أي قبل زيارة واشنطن بنحو أسبوع، كانت لجنة النقل والاتصالات والحوكمة في مجلس النواب لا تزال تناقش «آليات التعاقد المقترحة» مع ستارلينك والجوانب الفنية والقانونية والمالية للمشروع. وبعد ذلك بأيام أُعلنت الرخصة، ثم دخلت الخدمة التشغيل الفعلي.

لا يعني ذلك بالضرورة أن الإجراءات القانونية لم تُستكمل؛ فقد تكون الدراسات بدأت قبل ذلك بمدة طويلة. لكن لم تُنشر، حتى الآن، وثائق تبين تاريخ تسلم الطلب النهائي، ونتائج التدقيق الأمني، واختبارات أجهزة المستخدمين، واختبار نظام تسجيل المشتركين، وآلية الربط مع أجهزة الأمن العراقية.

كما لم تعلن الهيئة مرحلة تشغيل تجريبي عامة بين منح الرخصة وفتح الخدمة. ومن غير الممكن الجزم بعدم حصول اختبارات داخلية، لكن غياب الإعلان عنها يستوجب السؤال: هل جُربت الخدمة في المحافظات الحدودية؟ وهل اختُبرت واجهة الرقابة العراقية؟ وهل أُجري فحص لاختراقات محتملة، وللقدرة على تحديد الأجهزة وتعطيلها، قبل تشغيل عشرات آلاف المحطات؟

فاللائحة العراقية تشترط تقديم المواصفات الفنية للأجهزة، بما فيها الطراز والرقم التسلسلي ونطاق التردد ومستويات الطاقة وتقارير الاختبار، كما تشترط خضوع مقدم الطلب للتدقيق الأمني، وربط نظام تسجيل المستخدمين بالبنية التحتية الوطنية الآمنة. وجود هذه الشروط في اللائحة لا يثبت تنفيذها فعليًا؛ إذ يلزم نشر تقارير أو شهادات رسمية تثبت إنجازها.

أربعون ألف جهاز كانت تنتظر لحظة التفعيل

كشف رئيس هيئة الإعلام والاتصالات وجود نحو ٤٠ ألف جهاز ستارلينك غير مرخص في العراق، يستخدمها قرابة ٢٠٠ ألف شخص قبل التشغيل الرسمي. وتساعد هذه المعلومة على تفسير السرعة؛ إذ لم يبدأ السوق العراقي من الصفر، بل كانت الأجهزة والزبائن وشبكات التوزيع موجودة مسبقًا، وربما كان فتح المنطقة العراقية برمجيًا كافيًا لنقل عدد كبير منها إلى الخدمة الرسمية.

لكن التفسير نفسه يفتح أخطر أبواب التساؤل: كيف دخل هذا العدد الضخم من الأجهزة إلى العراق؟ ومن استوردها ووزعها؟ وكيف فُعّلت قبل حصول الشركة على الرخصة؟ وهل كانت جميعها بحوزة أفراد وشركات مدنية، أم أن بينها أجهزة لقوات أمنية، وشركات حماية، وقواعد أجنبية، وتنظيمات مسلحة، وجهات سياسية؟

إن إعلان خضوع هذه الأجهزة لاحقًا لـ«إقليم رقمي عراقي» لا يكفي. المطلوب بيان ما إذا أُجري جرد فعلي لجميع الأرقام التسلسلية، وتحديد مواقعها ومالكيها، والتحقق من الحسابات التي كانت تعمل من خلالها قبل الترخيص. كما يجب معرفة ما إذا كانت هناك أجهزة أخرى تعمل ضمن اشتراكات حكومية أو عسكرية أجنبية لا تظهر أصلًا في المنظومة التجارية العراقية.

العراق كله في نطاق الرخصة

تنص اللائحة التنظيمية على أن الترخيص يكون ساريًا في جميع أنحاء أراضي جمهورية العراق. وهذا يعني قانونيًا أن نطاق الخدمة يشمل إقليم كردستان، والمحافظات المحاذية لإيران وتركيا وسوريا، والمناطق الصحراوية الممتدة نحو الكويت والسعودية.

تكتسب هذه التغطية أهمية مضاعفة لأن شبكة ستارلينك لا تعتمد على أبراج الهاتف أو الكابلات المحلية. ويمكن لمحطة صغيرة نسبيًا أن توفر اتصالًا في مناطق جبلية أو حدودية أو صحراوية يصعب ربطها بالشبكات الأرضية. وهذه خاصية نافعة للسكان، لكنها نافعة بالقدر نفسه للوحدات العسكرية والفرق الاستخبارية والقوات المتحركة والجماعات غير النظامية.

ولا يمكن الجزم بأن تفعيل العراق يعني تلقائيًا تقديم الخدمة داخل الأراضي الإيرانية؛ فالعمل يحتاج إلى جهاز وحساب وتفعيل جغرافي من الشركة. إلا أن قضية المحطات غير المرخصة داخل إيران سبقت الاتفاق العراقي ووصلت إلى الاتحاد الدولي للاتصالات، الذي ناقش طلب تعطيل أجهزة ستارلينك غير المصرح بها داخل الأراضي الإيرانية. وهذه السابقة تثبت أن الحدود القانونية لا تمنع دائمًا وجود أجهزة عاملة فعليًا، وأن قدرة الدول على رصدها وتعطيلها تعتمد بدرجة كبيرة على تعاون الشركة المشغلة.

ومن ثم، يصبح السؤال العراقي مشروعًا: هل يمكن نقل أجهزة من العراق إلى مناطق قريبة من الحدود أو عبرها؟ وهل يستطيع مشغل أجنبي تفعيل أجهزة لا تظهر للسلطات العراقية؟ وهل تمتلك بغداد القدرة التقنية المستقلة على اكتشاف المحطة وتعطيلها، أم أن القرار النهائي يبقى في يد الشركة الأميركية؟

إقليم كردستان وسيناريوهات التحرك البري

يشكل إقليم كردستان أهمية خاصة بسبب طبيعته الجبلية وحدوده الواسعة مع إيران وتركيا وسوريا، ووجود قوات محلية متعددة وعلاقات أمنية وسياسية متشابكة مع الولايات المتحدة. وفي حال حدوث تصعيد إقليمي أو تحرك عسكري بري، يمكن للاتصالات الفضائية أن توفر للقوات أو الشركاء المحليين شبكة مستقلة عن البنية التحتية الوطنية، تنقل الخرائط والصور والفيديو والمواقع والبيانات العملياتية.

لا توجد وثائق علنية تثبت أن فصائل كردية جُهزت للمشاركة في هجوم على إيران، كما لا يوجد دليل معلن على خطة أميركية للدخول البري من الكويت أو العراق. لذلك يجب التعامل مع هذا الطرح بوصفه سيناريوًّا أمنيًا يستوجب الاستعداد والرقابة، لا حقيقة وقعت أو خطة ثبتت.

لكن السؤال الذي يجب توجيهه إلى الحكومة هو: هل يحتوي عقد ستارلينك على مادة صريحة تمنع تزويد أي قوات أجنبية أو تشكيلات محلية بخدمات اتصال عسكري من الأراضي العراقية من دون موافقة بغداد؟ وهل تشمل واجهة المراقبة الأجهزة التي تعمل بعقود مع وزارة الدفاع الأميركية، أم تقتصر على المشتركين المدنيين العراقيين؟

لماذا لا يمكن فصل المدني عن العسكري بسهولة؟

تقدم «سبيس إكس» ستارلينك باعتبارها خدمة إنترنت تجارية، لكنها تدير أيضًا منظومة «ستارشيلد»، المخصصة للمستخدمين الحكوميين والاتصالات العالمية المؤمّنة واستضافة الحمولات المصنفة ومعالجة البيانات الحساسة. وهذا لا يعني أن الشبكة العراقية عسكرية، لكنه يثبت أن الشركة نفسها جزء من قطاع الاتصالات الدفاعية الأميركي.

كما وافقت الولايات المتحدة عام ٢٠٢٥ على صفقة محتملة بقيمة ١٥٠ مليون دولار لتمديد خدمات الاتصالات الفضائية لمحطات ستارلينك المستخدمة من الحكومة الأوكرانية. ويؤكد مكتب المحاسبة الحكومي الأميركي أن وزارة الدفاع تعمل على دمج أنظمتها الفضائية العسكرية مع مجموعة من الخيارات التجارية ضمن شبكة اتصالات متكاملة، وتوسع اعتمادها على القدرات الفضائية التجارية.

إذن، القول إن ستارلينك «إنترنت مدني فقط» غير دقيق. والأدق أنها بنية تجارية يمكن توظيفها مدنيًا، ويمكن أيضًا إدخالها في منظومات القيادة والسيطرة والاتصال العسكري. وهذا الاحتمال يصبح أكثر حساسية عندما تُفعّل الشبكة في بلد يقع في قلب المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران.

واجهة API: رقابة حقيقية أم نافذة محدودة؟

تقول الهيئة إن العراق سيطلع عبر واجهة برمجية على جميع الأجهزة المرتبطة بالخدمة. لكن كلمة «الاطلاع» لا توضح طبيعة السلطة التي ستملكها الدولة: هل يمكنها معرفة الموقع اللحظي للجهاز؟ هل يمكنها تعطيله مباشرة؟ هل تستطيع رؤية نوع الاشتراك والجهة المالكة؟ وهل تشمل الواجهة المحطات الحكومية والعسكرية، أم الأجهزة التجارية فقط؟

وتلزم اللائحة الشركة بتسجيل المستخدمين، والاحتفاظ بسجلاتهم مدة لا تقل عن ١٨٠ يومًا، وتمكين الجهات المختصة من الاعتراض القانوني، والإبلاغ عن الأجهزة المسجلة خارج العراق والمستخدمة داخله، وعدم مشاركة معلومات المشتركين مع جهات أجنبية. وهي ضمانات مهمة من الناحية القانونية، لكن فعاليتها تعتمد على ما إذا كان العراق قادرًا على التحقق منها تقنيًا، لا على حسن نية الشركة وحده.

خاتمة: الشك هنا ليس اتهامًا بل حق سيادي

لا تكفي المعطيات المتاحة للقول إن تشغيل ستارلينك جرى حتمًا تمهيدًا لضرب إيران أو لإسناد دخول بري أميركي. مثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى وثائق أو أدلة عملياتية غير متوافرة علنًا. لكن استبعاد الاحتمال بالكامل ليس علميًا أيضًا.

فقد جاء التشغيل بعد زيارة رئيس الوزراء إلى واشنطن ولقائه ترامب، وفي سياق ثمانية وأربعين اتفاقًا لم تُنشر نصوصها كاملة، وبعد مراسم سياسية في غرفة التجارة الأميركية، ومن دون مرحلة تجريبية معلنة، ومع وجود أربعين ألف جهاز محضّر مسبقًا، وفي بلد يمتد من الحدود الإيرانية وإقليم كردستان إلى الكويت والخليج، بينما تثبت الوثائق الأميركية أن الاتصالات الفضائية التجارية أصبحت جزءًا من التفكير والقدرات العسكرية الحديثة.

إن اجتماع هذه الوقائع لا يقدم حكمًا نهائيًا، لكنه يجعل التساؤل ضرورة وطنية. وعلى الحكومة العراقية، لإزالة الشبهات، أن تنشر نص رخصة ستارلينك وملحقها الأمني، وتوضح علاقة الاتفاق بحزمة واشنطن، وتكشف نتائج الاختبارات، وصلاحيات واجهة الرقابة، ووضع الأجهزة السابقة، وحدود استخدام القوات الأجنبية للخدمة.

وإلى أن تنشر هذه المعلومات، يبقى السؤال قائمًا:

هل فعّلت الحكومة العراقية خدمة إنترنت مدنية فحسب، أم أنها فتحت، ضمن تفاهمات واشنطن غير المعلنة بالكامل، بنية اتصالات استراتيجية يمكن أن تستخدم في صراع إقليمي من دون أن يمتلك العراق السيطرة الكاملة على مفاتيحها؟