بين المصالحة اللاهوتية والنقد السياسي موقف الكنيسة الكاثوليكية من اليهودية والصهيونية ودولة إسرائيل
عبدالله بدوي · 2026-08-02
مقدمة
يُثير موقف الكنيسة الكاثوليكية من اليهودية والصهيونية ودولة إسرائيل إشكالًا مركبًا؛ لأن الخطاب العام يخلط أحيانًا بين ثلاثة مستويات مختلفة: اليهودية بوصفها دينًا وتراثًا روحيًا، والصهيونية بوصفها حركة قومية سياسية حديثة، وإسرائيل بوصفها دولة تخضع، مثل غيرها من الدول، للمساءلة القانونية والأخلاقية. ويقود هذا الخلط إلى استنتاجين متقابلين وغير دقيقين: أولهما أن المصالحة الكاثوليكية مع اليهود تعني تأييد المشروع الصهيوني وسياسات إسرائيل، وثانيهما أن نقد إسرائيل يستلزم موقفًا سلبيًا من اليهودية أو اليهود. أما الوثائق الكاثوليكية الحديثة والدراسات الأكاديمية فتدل على بنية أكثر تعقيدًا، تجمع بين الاعتراف بالجذور اليهودية للمسيحية ورفض معاداة اليهود من جهة، وإبقاء الصهيونية والدولة الإسرائيلية داخل دائرة التقويم السياسي والأخلاقي من جهة أخرى.
تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن التحول الذي بلورته وثيقة «في عصرنا» سنة ١٩٦٥ أسس لمصالحة لاهوتية مع اليهودية، لكنه لم يمنح الصهيونية أو دولة إسرائيل شرعية دينية مطلقة. ولإثبات ذلك، تحلل الورقة التمييز بين المفاهيم الثلاثة، ثم حدود المصالحة الدينية، وأسس المساءلة السياسية، وأخيرًا أثر مراجعة تهمة المسؤولية الجماعية عن موت المسيح في بناء الموقف الكاثوليكي المعاصر.
أولًا: اليهودية والصهيونية وإسرائيل: ضرورة التمييز المفهومي
تحتل اليهودية موقعًا خاصًا في اللاهوت الكاثوليكي بسبب الصلة التاريخية والكتابية التي تربطها بالمسيحية. فقد أكدت وثيقة «في عصرنا» أن الكنيسة تلقت تراث العهد القديم من الشعب اليهودي، وأن المسيح ومريم والرسل ومعظم التلاميذ الأوائل انحدروا من هذا الشعب.[1] ومن ثم لا تُعامل اليهودية، في التعليم الكاثوليكي بعد المجمع الفاتيكاني الثاني، بوصفها مجرد ديانة خارجية، بل بوصفها جزءًا من الذاكرة التأسيسية للمسيحية وتراثها الروحي. وقد عدّ جون باوليكوفسكي هذا التحول بداية عهد جديد في العلاقات الكاثوليكية–اليهودية، لأنه نقل العلاقة من منطق الاتهام والاستبدال إلى منطق الحوار والاحترام وإعادة النظر في استمرار العهد.[2]
غير أن الاعتراف بهذه الصلة لا يجعل اليهودية مرادفة للصهيونية. فالصهيونية حركة قومية نشأت في سياق الحداثة الأوروبية وسعت إلى إقامة وطن قومي لليهود، بينما تمثل دولة إسرائيل كيانًا سياسيًا حديثًا. ولهذا يبين آدم غريغرمان أن التصريحات الفاتيكانية اللاحقة تقرّ باستمرار العهد بصورة عامة، لكنها تتجنب منح وعد الأرض شرعية لاهوتية مباشرة للدولة الإسرائيلية أو لحدودها وسياساتها المعاصرة. وبذلك لا تنتقل قداسة النص الديني تلقائيًا إلى الدولة، ولا يصبح الاعتراف بالعهد تفويضًا سياسيًا غير مشروط.[3]
ومع ذلك، لا يخلو الفكر الكاثوليكي من خلاف حول الدلالة اللاهوتية للأرض. فقد اقترح غافن ديكوستا مفهوم «الصهيونية الكاثوليكية الحدّية»، الذي يعترف بإمكان قراءة عودة اليهود إلى الأرض في أفق لاهوتي محدود، لكنه يرفض تحويل ذلك إلى تأييد تلقائي للحكومة الإسرائيلية، ويؤكد في الوقت نفسه حق الفلسطينيين في الوطن والعدالة. ويكشف هذا الطرح أن الموقف الأدق ليس القول إن الكنيسة ترفض الصهيونية رفضًا مطلقًا، بل إن تعليمها الرسمي لا يقدّم لها شرعية دينية شاملة، فيما تبقى علاقة العهد بالأرض موضوعًا لاجتهادات أكاديمية غير ملزمة.[4]
وتعتمد الدراسة منهجًا تحليليًا مقارنًا يجمع بين قراءة النصوص الكنسية الأصلية ودراسة الأدبيات التاريخية واللاهوتية المعاصرة. وتُعامل وثيقة «في عصرنا» والاتفاقات التي عقدها الكرسي الرسولي مع إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها مصادر أولية، في حين تُستخدم أعمال جون كونلي، وآدم غريغرمان، وغافن ديكوستا، وديفيد نيوهاوس، وجمال خضر لتفسير مسار التحول وحدود التوافق والخلاف داخله. وتنبع أهمية هذا المنهج من أنه يمنع نسبة الآراء الأكاديمية الفردية إلى التعليم الرسمي للكنيسة، ويكشف في الوقت نفسه أثر السياق الفلسطيني في تقويم نتائج الحوار الديني.
ثانيًا: المصالحة الدينية وحدود الموافقة السياسية
مثلت وثيقة «في عصرنا» نقطة تحول تاريخية في علاقة الكنيسة باليهود. وقد تتبع جون كونلي الظروف الفكرية والشخصيات اللاهوتية التي مهدت لهذا التحول، ولا سيما مواجهة العنصرية ومعاداة السامية في أوروبا خلال القرن العشرين. لم تعد الكنيسة تقبل تقديم اليهود بوصفهم شعبًا مرفوضًا أو ملعونًا، بل دعت إلى الدراسات الكتابية واللاهوتية والحوار الأخوي، وأدانت الكراهية والاضطهاد ومظاهر معاداة السامية. إلا أن الدافع المعلن لهذا التحول ديني وأخلاقي، وليس إقرارًا سياسيًا بكل ما يصدر عن دولة إسرائيل.[5]
يظهر هذا الفصل بوضوح في الاتفاق الأساسي بين الكرسي الرسولي ودولة إسرائيل سنة ١٩٩٣. فقد أقام الاتفاق إطارًا للعلاقات الدبلوماسية، واعترف بخصوصية العلاقة بين الكنيسة والشعب اليهودي، ونظم مسائل الحرية الدينية والأماكن المقدسة والمؤسسات الكاثوليكية. لكنه نص كذلك على احتفاظ الكرسي الرسولي بحقه في أداء رسالته الأخلاقية والروحية، وعلى بقائه خارج النزاعات الزمنية المتعلقة بالأراضي المتنازع عليها والحدود غير المحسومة. وهذا يعني أن الاعتراف الدبلوماسي بالدولة لا يساوي إقرارًا لاهوتيًا بجميع دعاواها، ولا يحجب حق الكنيسة في نقد الممارسات المناقضة للعدالة وكرامة الإنسان.[6]
ثالثًا: الجذور اللاهوتية والمساءلة السياسية
يقوم الموقف الكاثوليكي المعاصر على مستويين متكاملين. المستوى الأول لاهوتي، يعترف بالجذور اليهودية للمسيحية ويرفض تحويل الخلاف الديني إلى كراهية عرقية أو ذنب جماعي. أما المستوى الثاني فسياسي وأخلاقي، يخضع أعمال الدول والحكومات لمعايير القانون الدولي وحقوق الشعوب وحماية المدنيين. وبناء على ذلك يمكن للكنيسة أن تحترم اليهودية وتواجه معاداة السامية، وأن تنتقد في الوقت نفسه الاستيطان أو التهجير أو انتهاك الحقوق الفلسطينية، من غير أن يكون هذا النقد عداءً لليهود.[7]
ويتأكد هذا التمييز في الاتفاق الأساسي بين الكرسي الرسولي ومنظمة التحرير الفلسطينية سنة ٢٠٠٠. فقد دعا الاتفاق إلى حل سلمي يحقق الحقوق الوطنية المشروعة وغير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، استنادًا إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ومبادئ العدالة والإنصاف. كما عدّ الإجراءات الأحادية التي تغير طابع القدس ووضعها غير مقبولة أخلاقيًا وقانونيًا، وطالب بضمان الحرية الدينية والمساواة وحماية الأماكن المقدسة. وتكشف هذه اللغة أن دبلوماسية الكرسي الرسولي لم تجعل المصالحة مع اليهود بديلًا من الاعتراف بالحقوق الفلسطينية، بل سعت إلى الجمع بين الأمرين ضمن تصور للسلام القائم على العدالة.[8]
وتبرز خصوصية هذا التوازن في قراءة ديفيد نيوهاوس وجمال خضر للسياق الفلسطيني. فالحوار الكاثوليكي–اليهودي في الأرض المقدسة لا يجري في فراغ لاهوتي، بل داخل دولة تعرف نفسها بأنها يهودية وفي ظل نزاع قومي وسياسي، فيما ينتمي معظم الكاثوليك المحليين إلى المجتمع العربي الفلسطيني. لذلك لا يمكن نقل نموذج المصالحة الأوروبية، الذي تشكل تحت أثر المحرقة ومعاداة السامية، من دون إدخال خبرة الفلسطينيين والاحتلال واختلال القوة في التحليل الأخلاقي. فالحوار الحقيقي لا يكتفي بتصحيح الصور الدينية المتبادلة، بل يتطلب كذلك عملًا من أجل الحقيقة والعدالة والسلام.[9]
رابعًا: تهمة قتل المسيح والتحول الكاثوليكي
شكّل اتهام اليهود جماعيًا بقتل المسيح أحد أخطر المكونات التي غذت العداء المسيحي لليهود عبر قرون. فقد انتقلت المسؤولية، في الوعي الشعبي وبعض أنماط التعليم الديني، من أشخاص وسلطات عاشوا في سياق تاريخي محدد إلى شعب كامل، ثم امتدت إلى أجيال لم تشهد الحدث. وجاءت وثيقة «في عصرنا» لتقرر أن ما وقع في آلام المسيح لا يجوز تحميله لجميع اليهود الذين كانوا أحياء آنذاك، فضلًا عن اليهود المعاصرين، كما لا يجوز تقديم اليهود بوصفهم مرفوضين أو ملعونين من الله. ولم يكن هذا إلغاءً للروايات الإنجيلية، بل رفضًا لتحويلها إلى حكم جماعي موروث أو أساس للاضطهاد.[10]
أحدث هذا التصحيح تحولًا مزدوجًا. فمن ناحية، فصل بين المسؤولية التاريخية المحددة والهوية الدينية، وسحب الغطاء اللاهوتي عن معاداة السامية. ومن ناحية ثانية، أتاح نقد الدولة الإسرائيلية من دون استدعاء الصور القديمة المعادية لليهود؛ لأن مساءلة حكومة أو مشروع سياسي تختلف جذريًا عن إدانة جماعة دينية أو عرقية. وبذلك نشأ مبدأ أخلاقي متوازن: لا يجوز استخدام القضية الفلسطينية لتبرير كراهية اليهود، كما لا يجوز استخدام المصالحة الكاثوليكية–اليهودية لمنح السياسات الإسرائيلية حصانة من النقد.[11]
خاتمة
تخلص الورقة إلى أن الموقف الكاثوليكي المعاصر يقوم على تمييز منهجي بين اليهودية والصهيونية ودولة إسرائيل. فقد أسست وثيقة «في عصرنا» لمصالحة لاهوتية عميقة مع اليهودية، وأكدت الجذور اليهودية للمسيحية، ورفضت المسؤولية الجماعية عن موت المسيح ومعاداة السامية. لكن هذا التحول لم يحول إسرائيل إلى كيان مقدس، ولم يجعل وعد الأرض تفويضًا سياسيًا مطلقًا. كما تبين الاتفاقات الدبلوماسية مع إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية أن الكرسي الرسولي يجمع بين الاعتراف بإسرائيل، وتأكيد الحقوق الفلسطينية، والاحتكام إلى القانون الدولي والعدالة وخصوصية القدس. ومن ثم يمكن تلخيص الموقف في معادلة واحدة: احترام اليهودية ورفض اضطهاد اليهود، مع إبقاء الصهيونية وسياسات إسرائيل داخل دائرة النقد الأخلاقي والقانوني، بحيث لا تتحول المصالحة الدينية إلى تبرير للظلم، ولا يتحول الدفاع عن فلسطين إلى كراهية دينية.
المصادر والمراجع
Connelly, John. From Enemy to Brother: The Revolution in Catholic Teaching on the Jews, 1933–1965. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2012.
D’Costa, Gavin. Catholic Doctrines on the Jewish People after Vatican II. Oxford: Oxford University Press, 2019.
Gregerman, Adam. “Is the Biblical Land Promise Irrevocable? Post-Nostra Aetate Catholic Theologies of the Jewish Covenant and the Land of Israel.” Modern Theology 34, no. 2 (2018): 137–158. https://doi.org/10.1111/moth.12388.
Neuhaus, David M., and Jamal Khader. “A Holy Land Context for Nostra Aetate.” Studies in Christian-Jewish Relations 1, no. 1 (2005): 67–88. https://doi.org/10.6017/scjr.v1i1.1360.
Pawlikowski, John T. “Catholic–Jewish Relations in Light of Vatican II’s Nostra Aetate: A New Era.” In The Oxford Handbook of Vatican II, edited by Catherine E. Clifford and Massimo Faggioli, 570–583. Oxford: Oxford University Press, 2023.
Second Vatican Council. “Declaration on the Relation of the Church to Non-Christian Religions Nostra Aetate.” October 28, 1965. https://www.vatican.va/content/dam/wss/archive/hist_councils/ii_vatican_council/documents/vat-ii_decl_19651028_nostra-aetate_en.html.
The Holy See and the Palestine Liberation Organization. “Basic Agreement.” February 15, 2000. https://press.vatican.va/content/salastampa/it/bollettino/pubblico/2000/02/15/0095/00372.html.
The Holy See and the State of Israel. “Fundamental Agreement.” December 30, 1993. https://www.vatican.va/roman_curia/secretariat_state/archivio/documents/rc_seg-st_19931230_santa-sede-israele_en.html.
[1] Second Vatican Council, “Declaration on the Relation of the Church to Non-Christian Religions Nostra Aetate,” October 28, 1965, sec. 4.
[2] John T. Pawlikowski, “Catholic–Jewish Relations in Light of Vatican II’s Nostra Aetate: A New Era,” in The Oxford Handbook of Vatican II, ed. Catherine E. Clifford and Massimo Faggioli (Oxford: Oxford University Press, 2023), 570–83.
[3] Adam Gregerman, “Is the Biblical Land Promise Irrevocable? Post-Nostra Aetate Catholic Theologies of the Jewish Covenant and the Land of Israel,” Modern Theology 34, no. 2 (April 2018): 137–58.
[4] Gavin D’Costa, Catholic Doctrines on the Jewish People after Vatican II (Oxford: Oxford University Press, 2019), 105–43, 188–90.
[5] John Connelly, From Enemy to Brother: The Revolution in Catholic Teaching on the Jews, 1933–1965 (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2012), 239–72; Second Vatican Council, “Nostra Aetate,” sec. 4.
[6] The Holy See and the State of Israel, “Fundamental Agreement,” December 30, 1993, preamble, arts. 11 and 14.
[7] Gregerman, “Biblical Land Promise,” 137–58; D’Costa, Catholic Doctrines, 105–43.
[8] The Holy See and the Palestine Liberation Organization, “Basic Agreement,” February 15, 2000, preamble and arts. 1–2.
[9] David M. Neuhaus and Jamal Khader, “A Holy Land Context for Nostra Aetate,” Studies in Christian-Jewish Relations 1, no. 1 (2005): 67–88, esp. 71–74 and 82–88, https://doi.org/10.6017/scjr.v1i1.1360.
[10] Second Vatican Council, “Nostra Aetate,” sec. 4; Connelly, From Enemy to Brother, 239–72.
[11] Pawlikowski, “Catholic–Jewish Relations,” 570–83; Neuhaus and Khader, “Holy Land Context,” 82–88.