الإحباط يلفّ إسرائيل: وإيران تكرّس مبدأ وحدة الساحات فعلياً

Esnad Center · 2026-06-08

عبدالله م. بدوي

ليست الساعات الأخيرة عادية في المشهد الإسرائيلي. فما يتسرّب من الإعلام العبري، وما يخرج من مواقف سياسية وأمنية متلاحقة، لا يشير فقط إلى خلافات داخلية حول إدارة المواجهة، بل إلى ما هو أعمق: شعور متزايد بأن إسرائيل دخلت مرحلة تضيق فيها هوامش المبادرة، وتتسع فيها كلفة أي قرار عسكري إضافي، من إيران إلى لبنان، ومن الكابينت إلى مستوطنات الشمال.

في قلب الصورة، تظهر الولايات المتحدة بوصفها العامل الحاسم الذي يقيّد السقف الإسرائيلي. فبحسب ما نقلته القناة 12 العبرية، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترامب غير مستعد لمواصلة الحرب، وأن نتيجة ذلك هي حالة ضعف كبيرة جداً لإسرائيل في مواجهة إيران. هذه الجملة وحدها تكثّف مأزقاً استراتيجياً كاملاً: إسرائيل التي اعتادت خوض حروبها وهي تستند إلى غطاء أميركي سياسي وعسكري واسع، تجد نفسها اليوم أمام إدارة أميركية لا تريد الانزلاق إلى حرب مفتوحة، ولا تبدو مستعدة لتحمّل تبعات توسيع المعركة.

هذا التباين لم يبقَ خارج الغرف المغلقة. فقد برز، وفق القناة 13 العبرية، خلاف داخل اجتماع الكابينت، حين عرض رئيس الوزراء الرغبة الأميركية في العمل بشكل محدود جداً في إيران. في المقابل، دفع بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير نحو موقف أكثر تشدداً، مطالبين بمهاجمة أهداف أكثر أهمية، مثل منشآت الطاقة، وهي خطوة لم توافق عليها الولايات المتحدة. هنا يتبدّى المأزق الإسرائيلي بصورته العارية: حكومة يمينية متطرفة تريد استعادة صورة الردع بالتصعيد، وراعٍ أميركي يحاول حصر النار داخل حدود محسوبة، ومؤسسة أمنية تدرك أن أي خطأ في الحساب قد يفتح أبواباً لا قدرة لإسرائيل على إغلاقها.

ليست إيران وحدها في المشهد. فالجبهة اللبنانية تعود، في المعطيات الإسرائيلية نفسها، لتفرض حضورها كعنصر ضغط دائم. الأسئلة التي طرحتها القناة 12 حول جدوى النشاط العسكري داخل جنوب لبنان، حيث يُقتل الجنود الإسرائيليون بالمسيّرات «من أجل تدمير منزل أو مبنى إضافي»، ليست تفصيلاً إعلامياً عابراً. إنها تعبير عن بداية تشكّل سؤال داخلي شديد الحساسية: ما الفائدة الاستراتيجية من عمليات موضعية لا تغيّر ميزان المعركة، لكنها تستنزف الجيش وتبقي مستوطنات الشمال تحت التهديد؟

في هذا المعنى، تبدو جبهة لبنان أكثر من ساحة إسناد. إنها جبهة قادرة على تحويل كل نقاش إسرائيلي حول إيران إلى نقاش حول الداخل الإسرائيلي نفسه: عن الأمن، والإخلاء، وعودة المستوطنين، ومعنى الردع، وحدود القوة. فحين تطلق صفارات الإنذار في زرعيت عقب رصد صواريخ من لبنان، وحين يصرخ رؤساء المجالس المحلية في الشمال بأن أطفالهم «ليسوا إشارات مرور»، كما قال موشيه دافيدوفيتش، فإن المسألة لا تعود مجرد تبادل نار على الحدود. إنها أزمة ثقة بين الأطراف الإسرائيلية نفسها: بين المركز والأطراف، بين الحكومة والمستوطنين، وبين الخطاب الرسمي عن السيطرة والواقع اليومي الذي يعيشه سكان مستوطنات المواجهة.

الأهم أن إسرائيل تبدو، وفق هذه المعطيات، عاجزة عن فصل الساحات بعضها عن بعض. فكل ضربة في إيران تستحضر احتمال الرد من أكثر من اتجاه، وكل عملية في جنوب لبنان تتداخل مع حسابات واشنطن وطهران، وكل تصريح أميركي عن عدم المشاركة العسكرية يترك أثره فوراً على صورة إسرائيل في الداخل والخارج. وعندما تنقل وسائل إعلام أميركية، مثل «سي بي إس» و«سي إن إن»، عن مسؤولين أميركيين نفيهم مشاركة الجيش الأميركي في الهجمات على إيران أو اعتراض الصواريخ الإيرانية التي أطلقت ليلاً، فإن الرسالة السياسية لا تقل أهمية عن مضمونها العسكري: واشنطن تريد رسم مسافة واضحة بينها وبين المغامرة الإسرائيلية.

هذه المسافة الأميركية هي بالضبط ما يضاعف القلق في تل أبيب. فإسرائيل تستطيع أن تبدأ التصعيد، لكنها لا تستطيع دائماً أن تحدد سقفه أو نهايته. ولذلك جاء كلام ترامب للقناة 12، بأنه حذّر نتنياهو من أنه إذا حوّل التصعيد إلى حرب فسيبقى وحيداً أمام إيران، ليزيد من ثقل اللحظة. إنه ليس مجرد تحذير شخصي لرئيس حكومة، بل إعلان حدود للغطاء الأميركي. ومن دون هذا الغطاء، تفقد إسرائيل جزءاً أساسياً من صورتها كقوة لا تُمس، وتتحول إلى طرف مضطر إلى الحساب والانتظار والقياس قبل كل خطوة.

على الضفة الأخرى، تتعامل إيران مع اللحظة باعتبارها معادلة ردع جديدة. فالمواقف المنقولة عن قيادات إيرانية، من الجيش إلى مجلس الأمن القومي إلى مجلس الشورى، لا تكتفي بالتهديد اللفظي، بل تبني سردية مفادها أن وقف النار ليس تنازلاً، بل ترتيب مشروط؛ وأن أي اعتداء على أي طرف من أطراف المحور سيُحمّل مسؤوليته للولايات المتحدة أيضاً. هذه اللغة تعني أن طهران تحاول تثبيت قاعدة مقابلة للقاعدة الإسرائيلية التقليدية: لم تعد الساحات منفصلة، ولم تعد واشنطن قادرة على إدارة التصعيد من الخلف من دون دفع ثمن سياسي وأمني.

من هنا، تبدو «وحدة الساحات» وقد انتقلت من الشعار إلى الاختبار العملي. فهي لا تعني بالضرورة اشتعال كل الجبهات في اللحظة نفسها، بل تعني أن إسرائيل لم تعد قادرة على التعامل مع كل جبهة كملف مستقل. إيران حاضرة في لبنان، ولبنان حاضر في الحساب الأميركي، والداخل الإسرائيلي حاضر في كل قرار عملياتي، والمستوطنات الشمالية تتحول إلى مرآة لفشل المعادلة الأمنية. هذا الترابط هو ما يصنع الإرباك الحقيقي: ليس حجم النار وحده، بل صعوبة عزلها.

في الخلاصة، تكشف هذه الأخبار المتلاحقة عن إسرائيل قلقة، مترددة، ومشدودة بين ضغطين: ضغط الداخل اليميني الذي يطالب بصورة نصر سريعة، وضغط الخارج الأميركي الذي يخشى حرباً أوسع. وبين الضغطين، تتكرس حقيقة ثقيلة على صانع القرار الإسرائيلي: لم تعد القوة العسكرية كافية لصناعة الردع، ولم يعد التصعيد مضمون النتائج، ولم تعد الجبهة اللبنانية تفصيلاً جانبياً. الإحباط الذي يلف إسرائيل اليوم ليس ناتجاً من حادثة واحدة، بل من انكشاف معادلة كاملة كانت تقوم على التفوق والغطاء والقدرة على المبادرة. أما الآن، فالمشهد مختلف: إسرائيل تتحرك، لكنها لا تتحكم وحدها بإيقاع الحركة؛ تضرب، لكنها تحسب الرد؛ تهدد، لكنها تنتظر الموقف الأميركي. وفي هذه المسافة بين الرغبة والقدرة، تتثبت فعلياً وحدة الساحات.