مؤشرات الخراب الثالث في إسرائيل دراسة تحليلية موسعة في ضوء كتاب «خراب تحت الشمس وآخر وصايا السيد»

عبدالله بدوي · 2026-05-26

عبد الله م. بدوي

صادر عن مركز إسناد للدراسات والأبحاث

لبنان

‏26‏/05‏/2026

مدخل عام: الخراب بوصفه تآكلاً لا سقوطاً

لا تبدأ قراءة الأزمة الإسرائيلية من سؤال السقوط، بل من سؤال الوظيفة. فالدولة قد تبقى قوية من حيث السلاح والاقتصاد والتحالفات، لكنها تفقد تدريجياً قدرة هذه القوة على إنتاج الطمأنينة التي وُعد بها المجتمع، والشرعية التي تحتاج إليها الرواية، والفائدة الاستراتيجية التي يطلبها الحليف. بهذا المعنى يصبح الخراب طوراً داخلياً في معنى القوة، لا مجرد ركام مادي. والفرق بين السقوط والخراب أن الأول حدث ظاهر، أما الثاني فيعمل في الثقة وفي صورة الدولة وفي قدرة الجيش على تحويل النار إلى حسم.[1]

ولهذا لا تقوم الدراسة على إعلان أن إسرائيل انتهت أو أنها ستنهار غداً. هذه لغة لا تصلح للتحليل. المقصود أن شروط القوة التي صنعت صورتها القديمة صارت موضع اختبار: الردع يحتاج إلى ترميم، والداخل يعيش الخوف والاحتياط والنزوح والهجرة المحتملة، والحليف الأميركي لا يحمي بلا كلفة، والرواية لم تعد تحتكر بداية الحكاية. إن ما يجري في لبنان وإيران وغزة والداخل الإسرائيلي ليس ملفات منفصلة، بل دوائر ضغط تلتقي عند نقطة واحدة: هل تستطيع إسرائيل أن تعيش كما عاشت، وأن تقنع مجتمعها والعالم بأن القوة لا تزال تكفي؟

المقدمة

دخلت إسرائيل السنوات الأخيرة وهي محمولة على صورتين متناقضتين: صورة القوة التي تمتلك جيشاً متقدماً، وتفوقاً تكنولوجياً، وتحالفاً أميركياً عميقاً؛ وصورة الدولة القلقة التي تفشل في إغلاق جبهاتها، وتحتاج إلى حرب دائمة كي تحافظ على شعور ناقص بالأمن. بين الصورتين تتشكل أزمة بنيوية لا تختصرها خسارة عسكرية واحدة ولا خبر سياسي عابر. إنها أزمة في معنى الردع، وفي عقد الأمان بين الدولة والمجتمع، وفي قدرة إسرائيل على تسويق ذاتها بوصفها جزءاً طبيعياً من النظام الغربي.

تزداد خطورة هذه الأزمة حين تجتمع مؤشرات كانت، في السابق، تظهر متفرقة: مستوطنون لا يعودون بسهولة إلى الشمال، جيش يواجه تهديدات منخفضة الكلفة وعالية الأثر، تعويضات عمرانية ضخمة بعد وصول الصواريخ الإيرانية إلى العمق، طلبات هجرة وانتقال إلى الخارج، محاولات انتحار داخل الجيش، تآكل في ثقة الرأي العام بالقيادة السياسية، وتحوّل قانوني عالمي جعل إسرائيل ورئيس حكومتها في موقع المساءلة لا في موقع الشرح فقط. ليست قيمة هذه المؤشرات في كل رقم منفرد، بل في اجتماعها ضمن سياق واحد.

تقرأ هذه الدراسة هذه المؤشرات بوصفها ملامح طور تاريخي يتجاوز وصف الأزمة الظرفية. فإسرائيل لا تزال تضرب وتملك القدرة على الإيلام، لكنها تواجه خصوماً يستطيعون منعها من تحويل الإيلام إلى نهاية سياسية. وهي لا تزال تحظى بدعم أميركي، لكن الدعم نفسه صار يظهر بوصفه شرطاً لبقائها أكثر من كونه إضافة إلى قوتها. وهي لا تزال تمتلك قطاعاً تكنولوجياً قوياً، لكن جزءاً من العقول والشركات بدأ يختبر سؤال المكان الآمن. من هنا يصبح مفهوم الخراب الثالث مدخلاً لفهم ما يجري: قوة كثيرة الأدوات، لكنها أقل قدرة على إنتاج جواب نهائي.

أهمية الدراسة

تنبع أهمية الدراسة من أنها تنقل تحليل الوضع الإسرائيلي من مستوى الخبر اليومي إلى مستوى البنية. فكثرة الأخبار عن مسيّرات حزب الله، أو مطالبات التعويض بعد الضربات الإيرانية، أو استطلاعات الهجرة، أو تراجع الثقة، لا تكفي ما لم توضع داخل إطار يفسر اجتماعها. وتزداد الأهمية لأن كثيراً من القراءات تقع بين تبسيطين: إما تصوير إسرائيل كقوة لا تُمس، وإما إعلان انهيارها القريب بلا دليل. تحاول هذه الدراسة تجاوز التبسيطين بقراءة قوة مأزومة لا تزال قادرة، لكنها تفقد بعض شروط الاطمئنان إلى قدرتها.

إشكالية الدراسة

تتمثل الإشكالية في السؤال الآتي: كيف يمكن تفسير اجتماع مؤشرات عسكرية واجتماعية واقتصادية وقانونية ونفسية متزامنة داخل إسرائيل، وهل تمثل هذه المؤشرات حوادث ضغط عابرة أم علامات طور بنيوي أعمق يمكن تسميته، وفق إطار بدوي، طور الخراب الثالث؟

أسئلة الدراسة

تتفرع من الإشكالية أسئلة محددة: ما معنى الخراب الثالث إذا لم يكن سقوطاً فورياً؟ كيف تكشف الحرب مع إيران ومع حزب الله حدود التفوق الإسرائيلي؟ ماذا تقول استطلاعات الرأي والهجرة العكسية عن عقد الأمان الصهيوني؟ كيف يتحول ملف التعويضات من إدارة أضرار إلى أزمة ثقة؟ وما أثر المساءلة القانونية والانهيار الأخلاقي في وظيفة إسرائيل الغربية؟

فرضية الدراسة

تفترض الدراسة أن إسرائيل دخلت طوراً تتآكل فيه وظيفة القوة، لا القوة نفسها. فهي لا تزال تمتلك تفوقاً عسكرياً وتقنياً، لكن هذا التفوق لم يعد ينتج الطمأنينة القديمة، ولا الحسم السريع، ولا الشرعية الدولية المستقرة، ولا الثقة الداخلية الكافية. وهذا هو جوهر أطروحة «خراب تحت الشمس»: إسرائيل قوية ومأزومة في الوقت نفسه؛ لا تسقط، لكنها تعيش زمناً أقل طمأنينة وأعلى كلفة.[2]

أهداف الدراسة

تهدف الدراسة إلى بناء قراءة مركبة لمؤشرات الأزمة الإسرائيلية، وإعادة تنظيم النصوص والأخبار المتفرقة في قالب أكاديمي، وتوثيق المؤشرات الأساسية من مصادر إسرائيلية وغربية ولبنانية، ثم اختبار قدرة مفهوم الخراب الثالث على تفسيرها. كما تهدف إلى تحرير العبارة من الاستخدام الدعائي، بحيث تصبح أداة تحليل لا شعاراً سياسياً.

منهج الدراسة وحدودها

تعتمد الدراسة المنهج التحليلي التركيبي؛ فهي تجمع بين قراءة المفهوم في كتاب «خراب تحت الشمس»، وتحليل مؤشرات كمية ونوعية من استطلاعات الرأي والهجرة والتعويضات والصحة النفسية والقطاع التكنولوجي والقضاء الدولي. ولا تدّعي الدراسة تقديم تاريخ شامل لإسرائيل، بل تركز على لحظة ما بعد الحرب الممتدة، وجبهتي إيران ولبنان، وانعكاساتهما على الداخل الإسرائيلي والصورة الدولية.

الأدبيات السابقة والإطار النظري

يتمثل الإطار النظري المركزي في كتاب عبد الله م. بدوي، الذي يعرّف الخراب لا بوصفه سقوطاً، بل بوصفه تآكلاً في وظيفة الردع والشرعية والداخل والرواية والوظيفة الغربية. ويدخل ضمن الأدبيات المساندة ما نشرته مراكز إسرائيلية مثل المعهد الإسرائيلي للديمقراطية عن الهجرة والرأي العام، وما نشرته الصحافة الإسرائيلية والغربية عن التعويضات والهجرة والتكنولوجيا والانتحار العسكري، إضافة إلى وثائق المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية في ملف المساءلة القانونية.[3]

المبحث الأول: مفهوم الخراب الثالث ومركزية وظيفة القوة

ينطلق مفهوم الخراب الثالث من تمييز أساسي بين امتلاك القوة وبين قدرة القوة على أداء وظيفتها. فإسرائيل تملك جيشاً متقدماً، وسلاحاً نوعياً، وتحالفاً أميركياً، وشبكات نفوذ سياسية وإعلامية وقانونية، لكن السؤال الأشد هو: هل لا تزال هذه الأدوات تنتج النتائج التي صممت لأجلها؟ حين يصبح الجيش قادراً على التدمير وعاجزاً عن الحسم، وحين يحتاج الحليف الأكبر إلى فيتو وجسر ذخائر وحملات تبرير، وحين يرى المستوطن نفسه نازحاً داخل دولة وعدته بالأمان، تكون القوة قد دخلت مأزقاً.[4]

تتجلى قيمة المفهوم في أنه لا يساوي بين الخراب والضعف. لو كانت إسرائيل ضعيفة تماماً لما احتجنا إلى مفهوم مركب. الخلل أن القوة باقية، لكن وظيفتها السياسية والاجتماعية والأخلاقية تضعف. ولذلك فإن المؤشرات التي يلتقطها البحث لا تُقرأ كأدلة على زوال قريب، بل كأدلة على انتقال من زمن القوة المطمئنة إلى زمن القوة المكلفة. وهذا الانتقال يفسر لماذا يمكن للجيش أن يضرب في لبنان وغزة وإيران، ومع ذلك يبقى الداخل خائفاً والجبهة الشمالية معلقة والشرعية الدولية متآكلة.

يضع هذا المفهوم الحرب الصغيرة والتكنولوجيا المنخفضة الكلفة في قلب التحليل. فالمسيّرات الصغيرة، والمنظومات الموجهة، والحرب اليومية على الحدود، لا تنافس إسرائيل في حجم السلاح، لكنها تضرب موضعاً أكثر حساسية: طمأنينة المنظومة. قيمة السلاح الصغير ليست في حجمه، بل في أنه يكشف ثغرة في بنية ضخمة ظنت أنها محصنة. وعندما يحتاج الجيش إلى تعديل انتشاره أو البحث عن حلول ميدانية عاجلة، لا يكون ذلك مجرد تفصيل تكتيكي، بل إشارة إلى أن السماء المنخفضة صارت قادرة على إرباك التكنولوجيا الكبرى.

المبحث الثاني: الرأي العام الإسرائيلي بين التماسك القَلِق وفقدان الثقة

لا تقدم استطلاعات الرأي الإسرائيلية صورة مجتمع منهار، بل صورة أكثر تعقيداً: مجتمع يلتف غالباً حول استمرار الحرب حين يشعر بالخطر، لكنه لا يمنح القيادة السياسية ثقة مستقرة. في استطلاعات المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، عبّرت شرائح واسعة من الإسرائيليين عن مواقف متشددة تجاه استمرار القتال أو رفض إنهاء الحرب في ظروف يعدونها غير آمنة. غير أن هذه الصلابة لا تعني الطمأنينة؛ فهي قد تعكس الخوف من البديل أكثر مما تعكس الثقة بالنصر.[5]

يجب قراءة هذا النمط بوصفه «تماسكاً قلقاً». فالمجتمع الذي لا يرى نهاية آمنة للحرب قد يدعم استمرارها، لا لأنه مطمئن إلى قيادته، بل لأنه يخشى أن يكون التوقف مقدمة لخطر أكبر. هنا يصبح التأييد للحرب علامة أزمة بقدر ما هو علامة تعبئة. إنه يكشف مجتمعاً محشوراً بين الخوف من استمرار النزف والخوف من أن يفضي التوقف إلى اعتراف بالعجز.

يزداد هذا المعنى حين تظهر الفجوة بين الثقة بالمؤسسة العسكرية والثقة برئيس الحكومة والطبقة السياسية. فإسرائيل اعتادت أن تجعل الجيش مركز الإجماع، لكن الحرب الطويلة تضع حتى هذا الإجماع تحت الضغط: الاحتياط يطول، العائلات تتعب، اقتصاد الأسر يتأثر، وخلافات الحريديم والتجنيد والقضاء لا تختفي بل تدخل في جسم الحرب. لذلك لا يكون الداخل الإسرائيلي خلفية للحرب، بل ميداناً آخر من ميادينها.

المبحث الثالث: الهجرة العكسية وضرب وعد الملاذ

من أكثر المؤشرات حساسية في قراءة الخراب الثالث ملف الهجرة العكسية أو الرغبة في المغادرة. فإسرائيل لم تقدم نفسها كدولة عادية فقط، بل كملاذ نهائي لليهود. لذلك فإن تفكير قطاعات معتبرة في الانتقال إلى الخارج، ولو مؤقتاً، يضرب المعنى الرمزي للمشروع قبل أن يغير الميزان السكاني. يشير كتاب بدوي إلى أن دراسة إسرائيلية سنة 2025 وجدت أن نحو ربع اليهود ونحو ثلث العرب في إسرائيل يفكرون في الانتقال إلى بلد آخر، مؤقتاً أو دائماً.[6]

وتدعم المصادر الإسرائيلية هذا الاتجاه. فقد عرض المعهد الإسرائيلي للديمقراطية دراسة قائمة على عينة ممثلة من البالغين الإسرائيليين، وجدت أن الرغبة في المغادرة ليست هامشية، وأن أسبابها تتصل بالوضع السياسي، وجودة الحكم، والمستقبل، والكلفة المعيشية، والعائلة. كما أظهرت النتائج أن الرغبة تختلف بين المتدينين والعلمانيين والفئات العمرية، بما يجعلها ظاهرة اجتماعية لا مجرد موقف سياسي عابر.[7]

أما الهجرة الفعلية فتقدم مؤشراً أقسى. فقد أوردت تقارير اعتمدت على دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية أن أكثر من 82 ألف إسرائيلي غادروا البلاد في 2024 مقابل عودة نحو 23,800، ثم استمر الميزان السلبي في 2025 بخروج نحو 69,300 مقابل عودة 19,000. لا يعني ذلك أن إسرائيل تفقد سكانها عددياً بصورة مطلقة؛ فالنمو الطبيعي ما زال قائماً. لكنه يعني أن وعد الملاذ لم يعد مغلقاً على ذاته، وأن فئات قادرة على الحركة بدأت تختبر سؤالاً كان يفترض أن المشروع الصهيوني قد أنهاه: أين يكون الأمان؟[8]

المبحث الرابع: الجيش بين الاستنزاف النفسي وأزمة الجبهة الشمالية

لا يظهر الاستنزاف العسكري في عدد القتلى والجرحى فقط. في الحروب الطويلة، يتحول الجيش نفسه إلى مجتمع ضغط: جنود يعودون من جبهات متعددة، احتياط يتكرر، عائلات تنتظر، وصدمات لا تجد زمناً كافياً للمعالجة. لذلك يصبح ملف الانتحار ومحاولات الانتحار داخل الجيش أحد المؤشرات التي ينبغي التعامل معها بحذر وتوثيق. لا يكفي القول إن المجتمع الإسرائيلي كله دخل موجة انتحار عامة، فالمصادر الرسمية لا تدعم ذلك بإطلاق. الأدق أن نقول إن الجيش يعيش أزمة نفسية موثقة ومتفاقمة.

فقد كشفت تقارير استندت إلى مركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست أن 279 جندياً في الجيش الإسرائيلي حاولوا الانتحار بين كانون الثاني/يناير 2024 وتموز/يوليو 2025، وأن كل حالة انتحار مكتملة تقابلها محاولات عديدة موثقة. كما تشير تغطيات صحفية إلى ارتفاع عدد الإصابات النفسية بين الجنود، وظهور مشكلة واسعة في إعادة دمج المقاتلين والاحتياط بعد جولات متكررة من القتال.[9]

في جبهة لبنان، يتصل الضغط النفسي بالضغط العملاني. فالمسيّرات، والقذائف، وتهديد الرصد الدائم، تجعل الجندي لا يشعر بأن الليل أو النهار يضمنان له هامشاً آمناً. قيمة تهديد حزب الله لا تقاس بعدد الضربات فقط، بل بقدرته على جعل الحركة العسكرية الإسرائيلية مكلفة ومكشوفة ومترددة. لذلك يتحول الشمال إلى مختبر لتآكل الردع: النزوح لا يصبح أزمة إنسانية داخلية فقط، بل دليلاً على أن الدولة التي وعدت بالأمان لا تستطيع إعادة مستوطنيها بسهولة.

المبحث الخامس: حرب إيران ومعركة التعويضات وبيروقراطية الدولة

أضافت الحرب مع إيران مؤشراً جديداً إلى منظومة الخراب: لم تعد الجبهة الداخلية الإسرائيلية مهددة فقط بالصواريخ من غزة أو لبنان، بل بصواريخ دولة إقليمية كبرى تصل إلى العمق وتفرض على منظومات الدفاع والحليف الأميركي كلفة باهظة. في قراءة بدوي، لا تكون قيمة الحرب الإيرانية في حجم الخسائر وحده، بل في انتقال الخوف من النظرية إلى الجسد: أن يعرف الإسرائيلي أن العمق ليس آمناً، وأن الحرب التي اعتاد أن يراها في أرض الآخرين صارت تقرع باب بيته.[10]

تتضح هذه النقطة في ملف التعويضات. فبعد حرب الاثني عشر يوماً مع إيران، تحدثت مصادر إسرائيلية وغربية عن عشرات آلاف مطالبات التعويض. ذكرت تايمز أوف إسرائيل أن أصحاب المنازل قدموا أكثر من 45 ألف مطالبة بقيمة تقارب 5 مليارات شيكل، فيما وصفت كالكاليست الأضرار بأنها الأعلى في مدة قصيرة كهذه، مع تقديرات بنحو 4.5 مليارات شيكل وإخلاء أكثر من 11 ألف ساكن في أرقام جزئية. هذه الأرقام لا توصف الازمة المالية فقط؛ بل إنها تصف تأثير الحرب على الواقع العمراني في حرب ال 12 يوما.[11]

فما بلك بحرب رمضان المدمرة.

هنا تكتسب مقالة عبد الله م. بدوي في «الأخبار» قيمة خاصة لأنها تقارن بين إدارة إيران وإسرائيل لآثار الحرب. فالمسألة ليست عدد الصواريخ ولا حجم الركام فقط، بل نمط إدارة الصدمة. إذا تحولت الأضرار إلى طوابير مطالبات، وتقديرات مخمّنين، ومسارات تعويض بطيئة، فإن الدولة لا تواجه ضرراً عمرانياً فحسب، بل تواجه تآكلاً في الثقة. المواطن الذي لم تمنعه الدولة من تلقي الضربة، ثم لا تسعفه بسرعة في ترميمها، يبدأ بسؤال أبعد من المال: ما وظيفة الدولة إذا لم تمنح الأمن ولم ترمم أثر فقدانه؟

المبحث السادس: التكنولوجيا والاقتصاد بين الصمود والخروج المحتمل

لا يصح علمياً القول إن قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي انهار. كثير من المؤشرات تظهر استمرار قوة هذا القطاع وقدرته على جذب تمويل واستثمارات في مجالات محددة، ولا سيما الأمن السيبراني والدفاع والتقنيات المتقدمة. لكن الدقة تقتضي التمييز بين الانهيار الرقمي وبين اهتزاز معنى المكان. قد يبقى القطاع قوياً، لكنه يصبح أقل ارتباطاً بالأرض إذا بدأت العقول والشركات تفكر في الانتقال أو توزيع المخاطر خارج إسرائيل.

في هذا السياق، نقلت تقارير عن اتحاد الصناعات التكنولوجية المتقدمة في إسرائيل أن 53 في المئة من الشركات متعددة الجنسيات العاملة في إسرائيل لاحظت زيادة في طلبات انتقال الموظفين الإسرائيليين إلى الخارج. ويكتسب الرقم دلالة خاصة لأن التكنولوجيا ليست قطاعاً اقتصادياً عادياً في إسرائيل؛ إنها جزء من صورة الدولة عن نفسها: واحة ابتكار، ومختبر تفوق، واقتصاد معرفة. فإذا أصبح العاملون في قلب هذا القطاع يبحثون عن مكاتب خارجية أكثر أمناً واستقراراً، فإن الخلل لا يكون في الميزانية فقط، بل في الثقة المكانية.[12]

أما الشيكل وسوق المال فهما مؤشران يجب استخدامهما بحذر. فالعملة تتحرك صعوداً وهبوطاً وفق عوامل كثيرة، ولا يجوز تحويل تقلباتها إلى دليل دائم على انهيار اقتصادي. الأدق أن نضعها ضمن حزمة مؤشرات أوسع: كلفة الحرب، تعويضات الممتلكات، ضغط الاحتياط على سوق العمل، تراجع قطاعات خدمية وسياحية، وتزايد سؤال الاستقرار لدى المستثمرين. هنا تتراكم الكلفة لا بوصفها إفلاساً فورياً، بل بوصفها استنزافاً طويل النفس.

المبحث السابع: المساءلة القانونية والانهيار الأخلاقي للصورة

يتصل الخراب الثالث أيضاً بتحول إسرائيل من دولة تطلب التعاطف إلى دولة تطلب الدفاع عنها. في السابق، كانت الرواية الإسرائيلية قادرة على استدعاء ذاكرة الضحية كي تحجب صورة الضحية الفلسطينية. أما بعد غزة، فقد صار الدفاع عن إسرائيل أكثر كلفة أمام الرأي العام العالمي والجامعات والمحاكم والمؤسسات الحقوقية. لا يعني ذلك أن الحكومات الغربية تخلت عنها، لكنها باتت تحتاج إلى جهد أكبر لتبرير دعمها.[13]

قانونياً، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 مذكرات توقيف بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت، بعد رفض دفوع إسرائيل المتعلقة بالاختصاص. كما أصدرت محكمة العدل الدولية في 26 كانون الثاني/يناير 2024 أمراً بالتدابير المؤقتة في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية. هاتان المحطتان لا تعنيان أن إسرائيل أدينت نهائياً في كل الملفات، لكنهما تنقلانها إلى موقع الدولة الخاضعة للمساءلة الدولية في أعلى المؤسسات القضائية.[14]

تتجاوز دلالة المساءلة حدود القانون. فهي تضرب قدرة إسرائيل على تحويل التدمير إلى دفاع مشروع بلا نقاش. وعندما يظهر رئيس الحكومة نفسه مطلوباً أمام محكمة دولية، في الوقت الذي يواجه فيه أزمات ومحاكمات داخلية وصراع ائتلاف، تصبح الدولة كلها عالقة بين حرب الخارج وأزمة الداخل. هنا لا تكون المسألة صورة إعلامية فقط، بل انتقالاً في موقع إسرائيل داخل النظام الأخلاقي العالمي: من دولة تشرح أمنها إلى دولة تُسأل عن معنى أفعالها.

المبحث الثامن: السيادة الناقصة وسقف القرار الأميركي

من مؤشرات الخراب الثالث أن تظهر إسرائيل عاجزة عن امتلاك قرارها كاملاً في لحظات التصعيد الكبرى. فالحليف الأميركي ليس تفصيلاً خارجياً، بل جزء من بنية القوة الإسرائيلية: السلاح، التمويل، الدفاع الجوي، الفيتو، والضغط السياسي. لكن ما كان مصدر قوة قد يتحول إلى قيد حين تصبح واشنطن هي التي ترسم سقف الحرب وسقف التهدئة. في تلك اللحظة، لا تفقد إسرائيل سلاحها، لكنها تفقد شيئاً من صورة السيادة المطلقة التي حاولت تسويقها.

يتصل ذلك بملف لبنان وإيران على نحو واضح. فالتصعيد في لبنان يحتاج إلى حساب رد فعل حزب الله ورد فعل واشنطن معاً، والضربة في العمق الإيراني تحتاج إلى قراءة موقف الولايات المتحدة وقدرتها على حماية إسرائيل من الرد. لذلك تصبح إسرائيل في موقع ملتبس: تريد أن تبدو صاحبة القرار، لكنها تحتاج إلى أن يضبط الحليف حدود النار. وهذا ما يجعل الحليف شرطاً لبقاء القوة لا مجرد إضافة إليها.[15]

ليست هذه التبعية جديدة بالكامل؛ فهي كامنة منذ انتقال الرعاية من بريطانيا إلى الولايات المتحدة. غير أن الجديد هو ارتفاع الكلفة العلنية. كل حرب تحتاج إلى جسر ذخائر أو دفاع جوي أو فيتو جديد أو حملة تبرير. وكلما ارتفعت الكلفة، ظهر سؤال الوظيفة: هل ما زالت إسرائيل أصلاً استراتيجياً صافياً للغرب، أم صارت أصلاً مكلفاً يحتاج إلى إدارة أزماته بقدر ما يخدم مصالحه؟

المبحث التاسع: الشمال والمسيّرات وحرب السماء المنخفضة

تكشف جبهة لبنان جانباً مركزياً من أطروحة الخراب الثالث، لأنها لا تختبر قوة إسرائيل في ساحة بعيدة، بل تختبر وعد الأمان عند حدودها الشمالية. فإسرائيل تستطيع أن تضرب في العمق اللبناني، وأن تهدد بيروت أو البقاع أو صور، لكنها تجد نفسها أمام معادلة مختلفة حين تتحول المستوطنة الشمالية إلى مكان معلق، وحين لا تعود العودة إلى البيت قراراً فردياً بل نتيجة قدرة الجيش على إعادة إنتاج الردع. هنا يصبح المقياس ليس عدد الغارات، بل عدد السكان الذين يشعرون أن الدولة قادرة على إعادتهم إلى حياة عادية.[16]

جديد هذه الجبهة أن التهديد لا يأتي دائماً من الصاروخ الكبير أو الاجتياح الواسع، بل من المسيّرات الصغيرة، ومن ضربات الاستنزاف، ومن القدرة على رصد الحركة وإصابة النقاط الثابتة والمتحركة. هذا النوع من الحرب لا يلغي التفوق الجوي الإسرائيلي، لكنه يحد من راحته. فالمسيّرة التي تكلف قليلاً قد تفرض على منظومة كبيرة أن تستهلك وقتاً ومالاً وذخائر واستنفاراً أكبر بكثير من كلفتها. وفي هذا الخلل بين الكلفة والأثر يظهر معنى الحرب الصغيرة: أن تجعل التفوق الكبير يعمل تحت ضغط دائم.

لذلك ينبغي ألا تُقرأ تصريحات السياسيين الإسرائيليين عن ضرب مبان في بيروت أو العودة إلى حرب واسعة بوصفها تعبيراً عن ثقة مطلقة، بل بوصفها محاولة لاستعادة صورة ردع تضررت. حين يعجز الجيش عن إغلاق تهديد دقيق ومتحرك، يميل السياسي أو القائد العسكري إلى لغة العقاب الواسع. لكن هذا العقاب نفسه يحمل مأزقاً: إذا اتسع القصف، اتسعت احتمالات الرد على الشمال وربما العمق؛ وإذا بقي الرد محدوداً، ترسخ شعور المستوطنين أن الدولة عاجزة عن إنهاء التهديد. بين الخيارين يظهر قيد جديد على القرار الإسرائيلي.

اللافت أن تهديد المسيّرات لا يضغط على الجيش وحده، بل على علاقة الجيش بالمجتمع. فالمستوطن الذي يرى أن الدولة لا تعيده إلى بيته لا يسأل عن عدد الطائرات التي يملكها سلاح الجو، بل عن نتيجة هذه الطائرات في حياته اليومية. والجندي الذي يتنقل في منطقة مفتوحة أمام رصد مستمر لا يهمه خطاب التفوق التقني بقدر ما تهمه وسيلة الحماية المباشرة. هكذا تنقل المسيّرات الحرب من مستوى الصورة الكبرى إلى مستوى الجسد المكشوف: موقع، مبنى، طريق، آلية، مجموعة جنود، ثم عائلة تنتظر خبر الإصابة أو النجاة.

من هنا يصبح الشمال الإسرائيلي مختبراً لمعنى الخراب لا لأنه يثبت ضعف إسرائيل المطلق، بل لأنه يثبت أن القوة الكبرى قد تعجز عن إنتاج الطمأنينة الصغيرة: أن ينام المستوطن في بيته، وأن يتحرك الجندي بلا شعور دائم بأنه تحت عين معادية، وأن تستطيع الدولة أن تقول إن حدودها تحت السيطرة. فإذا تعطلت هذه الطمأنينة، فقد الردع جزءاً من وظيفته حتى لو استمرت الغارات والطائرات والتهديدات.

المبحث العاشر: ما الذي لا يزال قوياً في إسرائيل؟ ضرورة الاختبار المضاد

لكي لا تتحول دراسة الخراب الثالث إلى خطاب رغائبي، ينبغي أن تتضمن اختباراً مضاداً لما لا يزال قوياً في إسرائيل. فإسرائيل لم تفقد جيشها، ولا اقتصادها المتقدم، ولا منظومة الابتكار، ولا علاقاتها الدولية، ولا قدرتها على إحداث أذى هائل بخصومها. كما أنها لا تزال تملك طبقة سياسية واجتماعية قادرة على التعبئة عند الخطر، ومؤسسات أمنية واسعة الخبرة، ودعماً أميركياً لا يمكن التقليل من وزنه. تجاهل هذه العناصر يجعل التحليل هشاً؛ لأن الخراب، في معناه الدقيق، لا يشتغل في الفراغ بل داخل بنية قوية.

القوة العسكرية الإسرائيلية لا تزال قادرة على المبادرة، وعلى القصف، وعلى الاغتيال، وعلى إدارة عمليات معقدة. لكن سؤال الدراسة ليس هل تستطيع إسرائيل أن تضرب، بل هل تستطيع أن تجعل الضرب نهاية سياسية؟ هنا يتضح الفرق بين القدرة التقنية والنتيجة الاستراتيجية. فقد تضرب إسرائيل آلاف الأهداف، لكنها إذا لم تعد المستوطن إلى بيته، ولم تُنهِ غزة سياسياً، ولم تمنع إيران من الرد، ولم توقف تآكل الصورة القانونية، فإن كثافة الضرب لا تكفي لإثبات الحسم.

والاقتصاد الإسرائيلي لا يزال يمتلك قطاعات قوة حقيقية، ولا سيما التكنولوجيا والدفاع السيبراني والابتكار الطبي والعسكري. لكن هذه القوة تخضع الآن لسؤال البيئة الآمنة. قد يستمر التمويل في قطاعات بعينها، وقد تربح شركات من الحرب، لكن إذا صار جزء من الكفاءات يبحث عن نقل العائلة أو الوظيفة إلى الخارج، فإن الاقتصاد يظل قوياً رقمياً ومأزوماً نفسياً واستراتيجياً. هذا هو الفرق بين المؤشر المالي والمؤشر الحضاري: الأول يقيس التدفق، والثاني يقيس الثقة في المكان.

كذلك لا يزال الدعم الأميركي ركناً صلباً في بنية إسرائيل، ولا توجد مؤشرات كافية على تخلي واشنطن عنها. غير أن هذا الدعم لم يعد مجانياً في صورته الأخلاقية والسياسية. فكل فيتو أو شحنة سلاح أو دفاع عن حكومة مطلوبة أمام محكمة دولية يضيف عبئاً على صورة الغرب نفسه. ولذلك لا يكون التحول في التخلي، بل في الكلفة: أن يظل الحليف موجوداً لكنه أكثر حرجاً، وأن تبقى الحماية قائمة لكنها أكثر ظهوراً، وأن يحتاج الدفاع عن إسرائيل إلى طاقة سياسية وأخلاقية أكبر مما كان يحتاج إليه سابقاً.

هذا الاختبار المضاد يؤكد الأطروحة ولا ينقضها. فالخراب الثالث ليس وصف دولة فقدت أدواتها، بل وصف دولة لا تزال تملك أدوات كثيرة لكن نتائجها القديمة تتراجع. ومن هنا تأتي خطورة اللحظة: إسرائيل ليست ضعيفة بما يكفي لكي تنهار سريعاً، وليست قوية بما يكفي لكي تعيد إنتاج زمن الحسم القديم. إنها عالقة في منطقة بينية: تضرب ولا تحسم، تُدعم ولا تطمئن، تهدد ولا تمنع الاستنزاف، وتنتصر إعلامياً في لحظات ثم تعود الأسئلة البنيوية لتفتح الملف من جديد.

المبحث الحادي عشر: تركيب المؤشرات في ميزان الخراب الثالث

عند جمع المؤشرات، لا يعود كل ملف قائماً بذاته. الهجرة العكسية ليست بعيدة عن إسرائيل خصوصاً الجبهة الشمالية؛ لأن من يفكر في الرحيل يسأل ضمناً عن قدرة الدولة على حمايته. ومحاولات الانتحار داخل الجيش ليست بعيدة عن الحرب الطويلة؛ لأن الجيش هو الجسر بين قرار الحكومة وجسد المجتمع. والتعويضات بعد الحرب الإيرانية ليست شأناً إدارياً فقط؛ لأنها تكشف قدرة الدولة على تحويل الضرر إلى ترميم سريع أو إلى انتظار بيروقراطي. والتكنولوجيا ليست مجرد قطاع رابح؛ لأنها تمثل النخبة التي كانت تمنح إسرائيل صورتها الأكثر حداثة.

بهذا المعنى، يتكون الخراب الثالث من تزامن الضغوط لا من رقم واحد. قد يعترض معترض بأن كل دولة في الحرب تعرف خسائر، وكل اقتصاد يعرف تقلبات، وكل جيش يعرف أزمات نفسية، وكل مجتمع يعرف رغبة بعض أفراده في الهجرة. هذا صحيح إذا نظرنا إلى كل مؤشر وحده. لكن خصوصية اللحظة الإسرائيلية تكمن في اجتماع هذه المؤشرات في دولة قامت على وعد مفرط بالأمان، وعلى قدرة الردع السريع، وعلى شرعية غربية واسعة، وعلى وظيفة استراتيجية تجعلها حليفاً مفيداً لا عبئاً متزايداً.

لذلك لا ينبغي أن يقال إن كل مؤشر يثبت وحده الخراب، بل إن اجتماعها يفتح باب القراءة البنيوية. فإذا كان الشمال لا يعود، وغزة لا تتحول إلى نصر سياسي، وإيران تكشف العمق، والجيش يستنزف نفسياً، والداخل يفكر في الرحيل، والتكنولوجيا تواجه طلبات انتقال، والقانون الدولي يضيق على القيادة، والحليف الأميركي يضبط السقف، فإن السؤال لم يعد: هل أصيبت إسرائيل في معركة؟ بل: هل ما زالت إسرائيل قادرة على إدارة كل هذه الجبهات بالمعنى القديم للقوة؟

الإجابة التي تنتهي إليها هذه الدراسة أن إسرائيل دخلت زمناً لا تزال فيه قوية، لكنها أقل قدرة على تحويل القوة إلى معنى. وهذا هو جوهر العبارة التي تتحول من شعار إلى مفهوم: الخراب ليس في أن تسقط الجدران وحدها، بل في أن تتصدع الثقة التي جعلت هذه الجدران تبدو آمنة. فإذا عاد الخوف إلى البيت، وعاد الفلسطيني إلى مركز الرواية، وعاد الحليف إلى موقع المدير لا الداعم فقط، وعاد القانون إلى مساءلة القوة، فإن الخراب يكون قد بدأ بوصفه طوراً من أطوار التاريخ لا خبراً عاجلاً في نهايته.

الخاتمة العامة

أظهر البحث أن مؤشرات الأزمة الإسرائيلية الراهنة لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها أخباراً منفصلة. فالهجرة العكسية، واستطلاعات الرأي، ومحاولات الانتحار داخل الجيش، وبيروقراطية التعويضات، وأضرار الحرب الإيرانية، وضغط التكنولوجيا، والمسائلة القانونية، كلها تنتمي إلى منظومة واحدة: تآكل قدرة القوة الإسرائيلية على إنتاج الطمأنينة والشرعية والحسم. ومن خلال هذا المسار، يصبح مفهوم الخراب الثالث إطاراً تفسيرياً لا شعاراً، لأنه يقرأ إسرائيل كدولة قوية مأزومة في وقت واحد.

النتائج

1. الخراب الثالث لا يعني سقوط إسرائيل فوراً، بل انتقالها إلى طور تتآكل فيه وظيفة القوة مع بقاء أدوات القوة نفسها.

2. استطلاعات الرأي تكشف مجتمعاً متماسكاً بالخوف لا مطمئناً بالنصر؛ فهو يدعم استمرار الحرب غالباً لأنه لا يرى بديلاً آمناً.

3. الهجرة العكسية والرغبة في الانتقال إلى الخارج تضربان المعنى الرمزي لإسرائيل بوصفها ملاذاً نهائياً، حتى لو لم تغيّرا الميزان السكاني مباشرة.

4. أزمة الانتحار ومحاولات الانتحار داخل الجيش تشير إلى أن الحرب الطويلة تستنزف البنية النفسية للمؤسسة العسكرية لا عتادها فقط.

5. الحرب مع إيران نقلت الضرر إلى العمران الإسرائيلي، وجعلت ملف التعويضات اختباراً للثقة بين الدولة والمواطن.

6. قطاع التكنولوجيا لم ينهَر، لكنه يواجه ضغط انتقال الكفاءات وإعادة توزيع المخاطر خارج إسرائيل.

7. المساءلة أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية نقلت إسرائيل من موقع الدولة الشارحة لأمنها إلى موقع الدولة المتهمة أو الخاضعة للمساءلة.

8. السقف الأميركي للحرب والتهدئة يكشف أن الحليف لم يعد مجرد سند خارجي، بل شرط ظاهر من شروط إدارة القوة الإسرائيلية.

التوصيات

1. التمييز في الخطاب البحثي بين الانهيار الفوري والتآكل البنيوي، لأن الخلط بينهما يضعف الحجة.

2. اعتماد المصادر الإسرائيلية الرسمية وشبه الرسمية في ملفات الهجرة والرأي العام والصحة النفسية، ثم مقارنتها بالمصادر الصحفية والتحليلية.

3. متابعة ملف التعويضات بعد الحرب الإيرانية بوصفه مؤشراً إدارياً واجتماعياً، لا رقماً اقتصادياً فقط.

4. توسيع البحث في أثر المسيّرات وحرب السماء المنخفضة على عقيدة الجيش الإسرائيلي في لبنان.

5. تجنب الادعاءات غير المثبتة عن خسائر مخفية أو مقتل ضباط وطيارين إلا بعد ربطها بأسماء وتواريخ ومصادر أصلية.

مقترحات لدراسات مستقبلية

1. دراسة مقارنة بين إدارة إيران وإسرائيل للجبهة الداخلية بعد الحرب، مع التركيز على التعويضات والإسعاف الاجتماعي.

2. دراسة مستقلة عن أثر محاولات الانتحار والإصابات النفسية في الجيش الإسرائيلي على نموذج الاحتياط.

3. دراسة اقتصادية عن علاقة الحرب الطويلة بانتقال الكفاءات من قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي إلى الخارج.

4. دراسة قانونية عن أثر مذكرات المحكمة الجنائية الدولية على حركة المسؤولين الإسرائيليين وصورة إسرائيل في الغرب.

وفي ضوء ما تقدم، لا يظهر الخراب الثالث كحدث ينتظر تاريخاً محدداً، بل كمسار يعمل في الداخل والمعنى والوظيفة والرواية. إسرائيل لا تزال واقفة تحت الشمس، لكنها لم تعد وحدها من يفسر ما تكشفه الشمس. وتحت هذا الضوء، تظهر الشقوق التي حاولت القوة طويلاً أن تخفيها.

قائمة المصادر والمراجع

بدوي، عبد الله م. خراب تحت الشمس: قراءة في آخر وصايا السيد ومآلات مستقبل إسرائيل. لبنان: مركز إسناد للدراسات والأبحاث، 2026.

بدوي، عبد الله م. «إيران وإسرائيل ما بعد الحرب: صراع ترميم الجبهة الداخلية ومعركة التعويضات». الأخبار، 7 أيار/مايو 2026. https://www.al-akhbar.com/news/world/891358.

Israel Democracy Institute. “Stay or Go? A Mapping of the Views and Considerations of Israelis in Relation to Moving Abroad.” 2025. https://en.idi.org.il/articles/62287.

Times of Israel. “279 IDF soldiers attempted suicide since start of 2024, Knesset report finds.” 2025. https://www.timesofisrael.com/279-idf-soldiers-attempted-suicide-since-start-of-2024-knesset-report-finds/.

Times of Israel. “Billions in damages: Israel rebuilds after Iran war, destruction in south and north.” 2025. https://www.timesofisrael.com/billions-in-damages-israel-rebuilds-after-iran-war-destruction-in-south-and-north/.

Calcalist. “We’ve never seen such destruction before.” 25 June 2025. https://www.calcalistech.com/ctechnews/article/vtv5958nm.

Ynetnews. “Nearly 70,000 Israelis left in 2025 as negative migration balance persists.” 2026. https://www.ynetnews.com/article/r1zatkmnzg.

Channel News Asia. “Israel’s tech sector says more staff seek relocation

abroad—report.” 2025. https://www.channelnewsasia.com/business/israels-tech-sector-says-more-staff-seek-relocation-abroad-report-5725561.

International Criminal Court. “Situation in the State of Palestine: ICC Pre-Trial Chamber I rejects the State of Israel’s challenges to jurisdiction and issues warrants of arrest for Benjamin Netanyahu and Yoav Gallant.” 21 November 2024. https://www.icc-cpi.int/news/situation-state-palestine-icc-pre-trial-chamber-i-rejects-state-israels-challenges.

International Court of Justice. “Application of the Convention on the Prevention and Punishment of the Crime of Genocide in the Gaza Strip: Order of 26 January 2024.” https://www.icj-cij.org/node/203447.


[1]عبد الله م. بدوي، خراب تحت الشمس: قراءة في آخر وصايا السيد ومآلات مستقبل إسرائيل (لبنان: مركز إسناد للدراسات والأبحاث، 2026)، 2، 5-9.

[2]بدوي، خراب تحت الشمس، 5-7، 332.

[3]بدوي، خراب تحت الشمس، 2، 7-10؛ Israel Democracy Institute, “Stay or Go? A Mapping of the Views and Considerations of Israelis in Relation to Moving Abroad,” 2025, https://en.idi.org.il/articles/62287.

[4]بدوي، خراب تحت الشمس، 7-8.

[5]Israel Democracy Institute, “The June 2025 Israeli Voice Index,” 2025, https://en.idi.org.il/articles/64219; Israel Democracy Institute, polling on Israel at war and Hezbollah, 2026, https://en.idi.org.il.

[6]بدوي، خراب تحت الشمس، 327؛ Israel Democracy Institute, “Stay or Go?” 2025.

[7]Israel Democracy Institute, “Stay or Go?”; Israel Democracy Institute, Hebrew report “לעזוב או להישאר?”, 2025, https://www.idi.org.il/articles/62255.

[8]Times of Israel, “End-of-2024 stats show spike in Israelis leaving,” 31 December 2024, https://www.timesofisrael.com/israeli-population-growth-slows-as-stats-show-spike-in-residents-moving-abroad/; Ynetnews, “Nearly 70,000 Israelis left in 2025 as negative migration balance persists,” 2026, https://www.ynetnews.com/article/r1zatkmnzg.

[9]Times of Israel, “279 IDF soldiers attempted suicide since start of 2024, Knesset report finds,” 2025, https://www.timesofisrael.com/279-idf-soldiers-attempted-suicide-since-start-of-2024-knesset-report-finds/; Associated Press, “Israel’s longest war is leaving a trail of traumatized soldiers,” 2025, https://apnews.com/article/d4f3b7a26c9ce0bce861c090afb101ea.

[10]بدوي، خراب تحت الشمس، 15-16؛ وراجع عبد الله م. بدوي، «إيران وإسرائيل ما بعد الحرب: صراع ترميم الجبهة الداخلية ومعركة التعويضات»، الأخبار، 7 أيار/مايو 2026، https://www.al-akhbar.com/news/world/891358.

[11]Times of Israel, “Billions in damages: Israel rebuilds after Iran war,” 2025, https://www.timesofisrael.com/billions-in-damages-israel-rebuilds-after-iran-war-destruction-in-south-and-north/; Calcalist, “We’ve never seen such destruction before,” 25 June 2025, https://www.calcalistech.com/ctechnews/article/vtv5958nm.

[12]Channel News Asia, “Israel’s tech sector says more staff seek relocation abroad—report,” 2025, https://www.channelnewsasia.com/business/israels-tech-sector-says-more-staff-seek-relocation-abroad-report-5725561; Business Insider, “Israeli innovation is under threat as tech employees seek relocation abroad,” 2025, https://www.businessinsider.com/israel-tech-staff-increasingly-seek-relocation-abroad-report-2025-12.

[13]بدوي، خراب تحت الشمس، 7-8، 14-16.

[14]International Criminal Court, “ICC Pre-Trial Chamber I rejects the State of Israel’s challenges to jurisdiction and issues warrants of arrest for Benjamin Netanyahu and Yoav Gallant,” 21 November 2024, https://www.icc-cpi.int/news/situation-state-palestine-icc-pre-trial-chamber-i-rejects-state-israels-challenges; International Court of Justice, “Application of the Convention on the Prevention and Punishment of the Crime of Genocide in the Gaza Strip: Order of 26 January 2024,” https://www.icj-cij.org/node/203447.

[15] Times of Israel, “Netanyahu: long road to peace begins as Trump says Israel prohibited from bombing Lebanon,” 2026, https://www.timesofisrael.com.,وانظر بدوي، خراب تحت الشمس، 12، 15-16؛

[16]بدوي، خراب تحت الشمس، 13-15، 157. 331-332.