إسرائيل: تآكل «عقيدة الحسم» وأزمة «الجيش الصغير» دراسة استشرافية في مآلات الأمن القومي الإسرائيلي منذ ٧ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٣ حتى أفق ٢٠٢٦

عبدالله م. بدوي · 2026-06-01

عبدالله م. بدوي

المقدمة

تقتضي معالجة هذه الإشكالية الابتعاد عن ثنائية القوة والضعف. فالجيش الإسرائيلي لا يبدو ضعيفاً بالمعنى الكلاسيكي؛ إذ لا تزال لديه قدرة معتبرة على المناورة والضرب والاستخبارات والاعتراض الجوي. غير أن قوة الجيش في حروب الاستنزاف لا تُقاس بمجرد قدرته على بدء العملية، بل بقدرته على إدامتها من غير أن تتآكل موارده البشرية والاجتماعية والاقتصادية. ومن ثم تركز الدراسة على فجوة الاستدامة: أي المسافة بين ما يطلبه الواقع الأمني من الجيش وما يستطيع النموذج المؤسسي والاجتماعي توفيره بصورة قابلة للاستمرار.

أعادت الحرب التي أعقبت السابع من تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٣ طرح أسئلة قديمة بصيغة أكثر حدة. فقد كان النقاش حول تراجع الجيش البري، وضعف دافعية الاحتياط، وإعفاءات الحريديم قائماً قبل الحرب، لكنه لم يكن دائماً في صميم النقاش العملياتي. أما مع تعدد الجبهات وطول مدة التعبئة، فقد تحولت هذه القضايا من ملفات اجتماعية أو تنظيمية إلى متغيرات مباشرة في حسابات الأمن القومي.

تأسس التصور الأمني الإسرائيلي الحديث على فرضية مركزية مفادها أن إسرائيل لا تستطيع تحمّل حرب طويلة. فالمحدودية الديموغرافية، وضيق العمق الجغرافي، وحساسية الاقتصاد للتعبئة، كلها عوامل دفعت إلى بناء عقيدة تفضّل الردع والإنذار المبكر والتعبئة السريعة ونقل المعركة إلى أرض الخصم، ثم تحقيق نتيجة عسكرية واضحة في زمن قصير. غير أن الحرب الممتدة منذ ٧ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٣ كشفت فجوة متزايدة بين هذه العقيدة وبين واقع عملياتي جديد، تتداخل فيه غزة ولبنان وسوريا والضفة الغربية والحدود الشرقية والجنوبية في معادلة أمنية واحدة.

لا تفترض هذه الدراسة أن الجيش الإسرائيلي انهار أو فقد قدرته القتالية؛ فمثل هذا الحكم لا تسنده الأدلة المتاحة. لكنها تنطلق من أن القوة لم تعد تنتج بالضرورة النتائج التي صُممت عقيدة الحسم لتحقيقها: حرباً قصيرة، وردعاً مستقراً، وعودة سريعة للحياة الاقتصادية والاجتماعية. ومن هنا يصبح السؤال الأهم ليس: هل تستطيع إسرائيل القتال؟ بل: هل تستطيع تحويل القتال إلى نتيجة مستقرة ومحدودة الكلفة؟

تزداد أهمية هذا السؤال عند ربطه بأزمة «الجيش الصغير». فقد اعتمدت إسرائيل تاريخياً على جيش نظامي محدود نسبياً، مدعوم بقوة احتياط واسعة تُستدعى في حالات الطوارئ. لكن حين تتحول الطوارئ إلى حالة طويلة، ويتحول الاحتياط من قوة تعبئة مؤقتة إلى قوة استدامة شبه دائمة، تظهر حدود النموذج. ومن هنا تكتسب شهادة غاي حزوت أهميتها، لأنها تصوغ المشكلة بوصفها اختلالاً بين اتساع المهام وحجم الموارد، لا بوصفها مجرد إخفاق تكتيكي.

إشكالية البحث وفرضياته

تتمثل إشكالية البحث في أن إسرائيل تواجه، منذ ٧ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٣، وضعاً أمنياً يكشف حدود الجمع بين عقيدة تقوم على الحسم السريع ونموذج عسكري-اجتماعي يعتمد على جيش صغير واحتياط واسع. فالحرب الطويلة متعددة الجبهات تفرض على الجيش وظائف لم يُبنَ النموذج التقليدي لتحملها زمناً طويلاً: السيطرة، والحراسة، وإدارة مناطق عازلة، والبقاء على خطوط تماس، وتدوير قوات الاحتياط في بيئات متوترة. وتتفاقم هذه الأزمة مع تعثر تجنيد الحريديم وتزايد الإحساس بعدم عدالة توزيع العبء.

ينطلق البحث من السؤال المركزي الآتي: كيف كشفت الحرب الممتدة منذ ٧ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٣ عن مؤشرات تآكل في عقيدة الحسم ونموذج الجيش الصغير في إسرائيل، وما المآلات المحتملة لذلك حتى أفق ٢٠٢٦؟ وتتفرع عنه أسئلة تتعلق بدلالة التحول التكنولوجي، وأزمة القوات البرية، وضغط الاحتياط، وملف الحريديم، والكلفة الاقتصادية، والسيناريوهات المستقبلية.

تفترض الدراسة أن تآكل عقيدة الحسم لا يرجع إلى تراجع القدرة القتالية الإسرائيلية في ذاتها، بل إلى اختلال العلاقة بين اتساع الالتزامات الأمنية ومحدودية الموارد البشرية والاجتماعية والاقتصادية القابلة للاستدامة. وبذلك تتحول الأزمة من سؤال القدرة على القتال إلى سؤال الاستمرار: هل يستطيع الجيش القتال بالطريقة نفسها، وبالعقد الاجتماعي نفسه، وبالكلفة نفسها؟

حدود المفاهيم والمنهج

يقصد البحث بـ«عقيدة الحسم» ذلك التصور الذي يربط الأمن الإسرائيلي بالقدرة على إنهاء الحرب سريعاً عبر نقل القتال إلى أرض الخصم، وتحييد قدراته الأساسية، ومنع تحول المعركة إلى استنزاف طويل. ويقصد بـ«الجيش الصغير» النموذج القائم على جيش نظامي محدود نسبياً، يستند في أوقات الطوارئ إلى تعبئة احتياط واسعة. أما «فرط التمدد العملياتي» فيشير إلى اتساع الالتزامات الأمنية على نحو يتجاوز قدرة الموارد البشرية والتنظيمية على التغطية المتزامنة والمستدامة.

يعتمد البحث تحليل النظم؛ إذ لا يقرأ الجيش الإسرائيلي بوصفه مؤسسة عسكرية مغلقة، بل بوصفه نظاماً يتفاعل مع المجتمع والاقتصاد والقانون والسياسة والبيئة الإقليمية. كما يستخدم المنهج الاستشرافي الاستراتيجي لبناء مسارات محتملة لا تنبؤات قطعية. ولذلك لا تُقرأ المؤشرات منفردة، بل ضمن سلسلة مترابطة: اتساع الجبهات، ضغط الاحتياط، أزمة الحريديم، الكلفة الاقتصادية، وتحوّل وظيفة الجيش من الحسم إلى الإدارة المستمرة.

تتحدد قيمة هذا المدخل في أنه يمنع اختزال الأزمة في مستوى واحد. فالتفسير العملياتي وحده يحصر النقاش في كفاءة المناورة، والتفسير الاجتماعي وحده يحيله إلى أزمة دافعية، والتفسير الاقتصادي وحده يراه عبئاً مالياً. أما تحليل النظم فيسمح بقراءة هذه المستويات بوصفها حلقات متداخلة: قرار الانتشار يرفع الحاجة إلى الاحتياط، والاحتياط يضغط على الاقتصاد، والاقتصاد يعيد طرح سؤال مدة الحرب، وسؤال مدة الحرب يعيد بدوره اختبار معنى الحسم. لذلك لا يتعامل البحث مع «الجيش الصغير» بوصفه حجماً عددياً فحسب، بل بوصفه صيغة مؤسسية تجمع بين عقيدة عسكرية، ونمط تعبئة، وتوقعات اجتماعية، وحسابات اقتصادية.

كما يتبنى البحث حذراً منهجياً في التعامل مع المؤشرات النوعية. فشهادة حزوت لا تُقرأ باعتبارها برهاناً منفرداً، بل باعتبارها مدخلاً تفسيرياً يكتسب قيمته من تقاطعه مع بيانات أخرى: تحريك الفرق، نقص القوة البشرية، ضغط الاحتياط، وفجوة الامتثال في ملف الحريديم. وبهذا لا يقوم الاستدلال على حادثة واحدة أو تصريح واحد، بل على تراكم مؤشرات تشير إلى المشكلة نفسها من زوايا مختلفة. لذلك تُستخدم عبارات التآكل والاختبار البنيوي وفرط التمدد بوصفها مفاهيم تحليلية مشروطة، لا أحكاماً نهائية بانهيار المؤسسة العسكرية.

تلتزم الدراسة كذلك بحدود واضحة للاستدلال. فهي لا تدعي قياساً كمياً شاملاً لجاهزية الجيش الإسرائيلي، ولا تزعم امتلاك بيانات داخلية غير منشورة عن خطط الأركان أو نسب الامتثال في كل وحدة. وتعتمد، بدلاً من ذلك، على مصادر مفتوحة موثقة: دراسات أكاديمية، بيانات مؤسسية، تقارير رسمية، وشهادات منشورة قابلة للتتبع. وتبعاً لذلك، فإن الاستنتاجات الواردة هنا تُقرأ بوصفها تحليلاً لمؤشرات متقاطعة لا حكماً نهائياً على كل مستويات المؤسسة العسكرية. هذه الحدود لا تقلل من قيمة البحث، بل تضبط ادعاءاته وتمنع تحويل القرائن إلى يقين غير مستند.

أولاً: عقيدة الحسم وحدودها التاريخية

قامت عقيدة الأمن القومي الإسرائيلي على إدراك مبكر لعدم توازن الموارد بين إسرائيل ومحيطها. وقد صاغت «عقيدة بن غوريون» هذا الإدراك في صورة ثلاثية شهيرة: الردع، والإنذار المبكر، والحسم. وكان المقصود بالحسم ألا تسمح إسرائيل بتحول الحرب إلى استنزاف طويل يضغط على جبهتها الداخلية واقتصادها ومجتمعها. لذلك ارتبطت العقيدة بفكرة نقل المعركة إلى أرض الخصم وتحقيق نتيجة عسكرية واضحة وسريعة.[1]

هذه العقيدة وُلدت في سياق حروب تقليدية، كان الخصم فيها جيشاً نظامياً يمكن استهداف تشكيلاته ومراكزه القيادية وخطوطه الخلفية. أما في غزة ولبنان، فإن الخصم ليس جيشاً نظامياً بالمعنى الكلاسيكي، بل شبكة عسكرية-سياسية واجتماعية تعمل داخل بيئات مدنية وتحت أرضية، وتستطيع إعادة تشكيل نفسها بعد الضربات. من هنا لا يصبح معيار القوة عدد المنصات النارية وحده، بل قدرة هذه المنصات على إنتاج نتيجة سياسية وعسكرية قابلة للاستقرار.

تذهب أطروحة أوري بار-جوزيف إلى أن إسرائيل تعيش مفارقة قوة: فهي تملك تفوقاً عسكرياً واسعاً، لكنها لا تحصل بالضرورة على أمن مستقر إذا لم تتكيف عقيدتها مع التحولات الإقليمية والتكنولوجية والاجتماعية.[2]وهذا التمييز جوهري؛ فمشكلة إسرائيل ليست في غياب القوة، بل في أن القوة لم تعد تؤدي الوظيفة نفسها التي أدتها في حروب سابقة.

حاول الجيش الإسرائيلي، منذ عام ٢٠٢٠، تطوير مفهوم «النصر الحاسم» لمواجهة تهديدات غير دولتية في غزة ولبنان. غير أن هذه المحاولة واجهت تحديات سياسية ومالية وبنيوية تتعلق بالتدريب، والتكامل بين الأذرع، وبنية القوة، وطبيعة العلاقة بين القيادة السياسية والعسكرية.[3]ومن ثم، فإن أزمة الحسم لم تبدأ في ٧ تشرين الأول/أكتوبر، لكنها ظهرت بعده بصورة أكثر حدة.

ثانياً: من «جيش الهاي-تك» إلى أزمة القوات البرية

أحد التحولات المركزية في الجيش الإسرائيلي خلال العقود الأخيرة هو صعود نموذج «الجيش التكنولوجي». فقد تعزز الاعتماد على سلاح الجو، والذخائر الدقيقة، والاستخبارات السيبرانية، والقوات الخاصة، في مقابل تراجع نسبي في مكانة القوات البرية الثقيلة. لم يكن هذا التحول خطأً مطلقاً؛ فقد وفر لإسرائيل أدوات ردع وضرب دقيقة، وقلل الحاجة إلى عمليات برية واسعة في بعض السياقات. لكنه خلق فجوة حاسمة: التكنولوجيا تستطيع أن تضرب وتكشف وتراقب، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمسك الأرض.

ينتقد غاي حزوت هذا الانقسام بين «جيش هاي-تك» يعتمد على الجو والدقة والقوات الخاصة، وبين «جيش فرسان» يمثل القوات البرية التي تشكل معظم الجيش لكنها تُترك خلف الركب. ويعرض معهد دراسات الأمن القومي هذه الأطروحة بوصفها نقداً لطريقة تهميش الجيش البري في مقابل النخبة التكنولوجية، مع الإشارة إلى أن حرب غزة أعادت إبراز الحاجة إلى الاحتكاك البري والسيطرة الميدانية.[4]

تكشف حرب غزة حدود هذا النموذج. فالتكنولوجيا ضرورية في الاستخبارات والاستهداف، لكنها لا تلغي الحاجة إلى قوات تستطيع الدخول والبقاء والتفتيش والسيطرة. تتمثل المعضلة هنا في أن الضربات الدقيقة لا تجيب وحدها عن أسئلة السيطرة اللاحقة: إمساك الأرض، وحماية خطوط التماس، ومنع إعادة التشكل، وإدارة المناطق العازلة. بذلك تعود القوات البرية والاحتياط إلى مركز التحليل.

ثالثاً: شهادة غاي حزوت وفرط التمدد العملياتي

تكتسب شهادة غاي حزوت أهمية خاصة لأنها لا تكتفي بانتقاد الأداء، بل تصوغ المشكلة بوصفها اختلالاً في التناسب بين المهام والموارد. ففي بودكاست «سدر حداش» الصادر عن معهد الديمقراطية الإسرائيلي، يناقش حزوت لماذا يستطيع الجيش الإسرائيلي التفوق في التكنولوجيا دون أن يحقق بالضرورة نتيجة حاسمة في الحرب، ويربط ذلك بتراجع مكانة الجيش البري وثقافة تنظيمية تميل إلى تجميل الواقع.[5]

تتجسد أطروحة حزوت في استعارة «البطانية القصيرة». فالجيش مطالب بتغطية غزة، والشمال، والضفة، والجولان، والحدود الشرقية والجنوبية، لكنه لا يملك موارد بشرية وبرية تتسع بالقدر نفسه. لا تُستخدم هذه الاستعارة هنا كاقتباس مطوّل، بل كأداة تحليلية لفهم معضلة الموارد أمام جيش صُمم للحسم السريع ثم وجد نفسه أمام انتشار طويل ومتعدد الجبهات.

تمنح معطيات الجبهة اللبنانية هذه الاستعارة مضموناً مادياً. فقد أعلن الجيش الإسرائيلي أن الفرقة ١٤٦ أنهت مهمتها في الشمال بعد عشرين شهراً من القتال، وأن الفرقة ٩١ عادت إلى تحمل مسؤولية الحدود مع لبنان. كما أوردت The Times of Israel أن الجيش أعاد تنظيم دفاعاته على الحدود، وأن خروج الفرقة ١٤٦ لا يعني بالضرورة انخفاضاً مباشراً في عدد القوات، بل إعادة توزيعها تحت قيادة الفرقة ٩١. هذه الصياغة تمنع القفز إلى استنتاج العجز من مجرد تغيير تنظيمي.[6]

في المقابل، أوردت تقارير لاحقة أن العملية الموسعة في جنوب لبنان شملت خمس فرق في وقت واحد، من بينها ١٦٢ و١٤٦ و٩١ و٣٦ و٢١٠. وتتعامل الدراسة مع هذه المادة بوصفها شاهداً مساعداً على اتساع الانتشار العملياتي، لا مصدراً وحيداً للنتيجة.[7]

دلالة هذه الوقائع لا تكمن في أن تقليص عدد القيادات الفرقية يثبت العجز؛ فقد يكون جزءاً من إعادة تموضع أو انتهاء مهمة. لكنها تكمن في أن الجيش يعمل ضمن دورة مستمرة من التوسيع والتقليص والتدوير بين الجبهات. وهكذا تظهر فجوة الانتشار المتعدد: ليست المشكلة في فتح جبهة واحدة، بل في إدارة عدة جبهات في وقت واحد من دون تناسب كافٍ بين الموارد البشرية والالتزامات الجديدة.

رابعاً: الاحتياط بوصفه نقطة الاختبار البنيوية

تختلف أزمة الاحتياط في الحرب الطويلة عن أزمة التجنيد النظامي. فالمجند النظامي موجود داخل المؤسسة، بينما الاحتياطي يعبر باستمرار بين عالمين: عالمه المدني وعالمه العسكري. لذلك فإن استدعاءه المتكرر لا يضغط على الجيش وحده، بل على الأسرة، والمهنة، والقطاع الخاص، والشركات الصغيرة، والجامعات، وسوق العمل. ومع تكرار جولات الاستدعاء، يتغير معنى الخدمة من «استثناء وطني» إلى نمط ثقيل ومستمر لفئات محددة.

تظهر هنا أهمية التمييز بين الرفض، والتخلف، والتردد، وتراجع الدافعية. لا يقدم البحث دليلاً على رفض شامل للخدمة، ولا يدعي امتناع قوات الاحتياط جماعياً. لكنه يرى أن تحول الخدمة إلى عبء طويل ومتكرر يعيد صياغة العلاقة بين الجندي الاحتياطي والدولة. فالدافعية في الجيوش القائمة على المواطن-الجندي لا تقاس بالأوامر وحدها، بل أيضاً بالإحساس بالهدف، والعدالة، والثقة في القيادة.

يقوم نموذج الجيش الإسرائيلي على افتراض أن الجيش النظامي لا يكفي وحده لحرب واسعة، وأن الاحتياط يشكل عمق القوة في الطوارئ. وقد أوضح بن دور وبيداهزور أن إسرائيل، بسبب محدودية عدد السكان، لا تستطيع إبقاء جيشها في حالة قدرة كاملة دائماً، ولذلك تعتمد على تعبئة واسعة للاحتياط عند الحرب.[8]

تبدو أزمة الاحتياط أقل شبهاً بالانهيار الشامل، وأكثر قرباً من تحول تدريجي في شروط الدافعية والامتثال. فالاحتياطي ليس جندياً دائماً، بل مواطن له عمل وأسرة والتزامات اقتصادية. وكلما طال الاستدعاء، ارتفعت الكلفة الشخصية والاجتماعية والاقتصادية. وتحذر دراسة منشورة لدى معهد دراسات الأمن القومي من أن قدرة الاحتياط على مواصلة الخدمة تقوم على الروح العامة والدعم العائلي والاقتصادي، وهي عناصر قد تضعف مع الزمن؛ كما تبيّن دراسة إيتسيك عن دافعية الاحتياط أن هذه الدافعية ليست أمراً إدارياً ثابتاً، بل ترتبط بعوامل اجتماعية ومعنوية وتنظيمية.[9]

تظهر خطورة المسألة في تقارير نقص القوى البشرية. فقد نقلت Le Monde عن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أن الجيش يفتقر إلى نحو ١٥ ألف جندي، منهم نحو ٨ آلاف مقاتل، وأن المهام توسعت في ظل انخراط الجيش في إيران ولبنان وسوريا وغزة والضفة الغربية. كما أورد معهد الديمقراطية الإسرائيلي أن الاحتياطيين أدوا في عام ٢٠٢٥ متوسطاً بلغ ١١٠ أيام خدمة احتياط. تمنح هذه المعطيات استعارة حزوت مضموناً مادياً: فالقضية لم تعد ضيقاً مجازياً في الموارد، بل فجوة فعلية بين اتساع المهام وحجم القوة البشرية المتاحة.[10]

خامساً: الحريديم وعدالة توزيع العبء

تاريخ ملف الحريديم يجعل أثره أعمق من أرقامه المباشرة. فمنذ ترتيبات «توراته مهنته» بعد قيام الدولة، تشكلت معادلة سياسية سمحت بتأجيل أو إعفاء طلاب المعاهد الدينية. ومع نمو السكان الحريديم وتكرار الحروب، تزايد أثر هذا الاستثناء على تصور باقي المجتمع لمعنى الخدمة. بعد ٧ تشرين الأول/أكتوبر، لم يعد السؤال قانونياً فقط: هل يجب تجنيدهم؟ بل أصبح عملياتياً أيضاً: من يملأ الفجوة البشرية إذا بقيت قاعدة التجنيد محدودة؟

لا تفترض الدراسة أن تجنيد الحريديم سيحل وحده أزمة الجيش؛ فالتدريب، والاندماج، والثقافة العسكرية، والقبول المجتمعي داخل المجتمع الحريدي كلها تحديات حقيقية. لكنها ترى أن استمرار فجوة الامتثال بينما يطلب الجيش آلاف الجنود الإضافيين يحول الملف إلى مؤشر على قدرة الدولة على تعبئة مواردها الاجتماعية عند الأزمات.

لا تنفصل أزمة الاحتياط عن ملف تجنيد الحريديم. فكلما طالت الحرب وتكررت استدعاءات الاحتياط، ازداد السؤال عن عدالة توزيع العبء. لم تعد قضية الحريديم مسألة قانونية أو دينية فقط، بل صارت جزءاً من جاهزية الجيش واستدامة نموذج «جيش الشعب».

يوثق معهد الديمقراطية الإسرائيلي أن سنة التجنيد ٢٠٢٤، الممتدة من تموز/يوليو ٢٠٢٤ إلى حزيران/يونيو ٢٠٢٥، شهدت إصدار نحو ٢٤ ألف أمر أولي لأفراد من الجمهور الحريدي للمثول في المرحلة الأولى من التجنيد، لكن ٢٧٣٨ فقط حضروا إلى مراكز التجنيد، وواصل ١٥٠٨ فقط المسار، وتم تجنيد ٧٩٨ فعلياً، مع تحديد مواعيد تجنيد لـ٤٣٢ آخرين. كما يعرض المصدر نفسه معطيات عن سنة التجنيد ٢٠٢٥ تشير إلى استمرار فجوة الامتثال رغم توسيع الأوامر.[11]

تدعم الأدبيات الأكاديمية هذا الربط. فقد رأى ياغيل ليفي أن إعفاءات الحريديم وتراجع المشاركة في الخدمة يمسان صورة الجيش الإسرائيلي بوصفه «جيش الشعب»، لأن الخدمة العسكرية ارتبطت تاريخياً بالمواطنة والمكانة الاجتماعية. كما يذهب ليفي في دراسته عن «المعادلة الجمهورية» إلى أن التوازن بين التضحية العسكرية والمكافأة الاجتماعية كان أساساً من أسس العلاقة بين الدولة والفئات التي تتحمل العبء.[12]

تتجلى أهمية ملف الحريديم في أنه يضع الجيش أمام مفارقة سياسية: الحاجة إلى مزيد من الجنود أصبحت عسكرية مباشرة، لكن توسيع قاعدة التجنيد يصطدم بتركيبة ائتلافية وهوياتية وقانونية. ومن ثم، لا يعود النقاش حول الحريديم نقاشاً في المساواة فقط، بل في قدرة الدولة على تحويل الحاجة العسكرية إلى سياسة عامة قابلة للتنفيذ.

سادساً: الاقتصاد بوصفه مجال ضغط غير قتالي

تزداد حساسية الاقتصاد الإسرائيلي لهذه المشكلة لأن قطاع التكنولوجيا والخدمات المتقدمة، وهو أحد أعمدة القوة الاقتصادية، يعتمد على قوى عاملة عالية المهارة، كثير منها في الفئات العمرية التي تتأثر بالاحتياط. لذلك لا تكون كلفة الاستدعاء مجرد غياب عدد من العاملين، بل تعطلاً جزئياً في مشاريع وشركات وسلاسل إنتاج واتصالات مهنية. ومع تكرار الجولات، تتراكم الكلفة بطريقة لا تظهر دائماً في المؤشرات الشهرية السريعة.

بهذا المعنى، تعود عقيدة الحسم إلى أصلها الاقتصادي: تقصير الحرب ليس فقط لحماية المدن من الصواريخ أو منع الضغوط الدولية، بل لمنع تحويل التعبئة إلى بنية اقتصادية موازية. فإذا لم تعد الحرب قابلة للاختصار، أصبحت الدولة مضطرة إلى تمويل جيش أكبر أو احتياط أكثر تعويضاً، وكلاهما يغير التوازن بين الأمن والاقتصاد.

تظهر حدود الحرب الطويلة بوضوح في الاقتصاد. فعندما يُستدعى الاحتياط لفترات طويلة، لا ينتقل الجندي وحده إلى الجبهة، بل تنتقل معه قوة عمل من الاقتصاد إلى الميدان. وقد أشار تقرير بنك إسرائيل السنوي لعام ٢٠٢٤ إلى أن الاقتصاد الإسرائيلي نما بنسبة ٠٫٩ في المئة فقط، وأن ناتج قطاع الأعمال انكمش، وأن سوق العمل ظل ضيقاً بسبب غياب العمال الفلسطينيين والتعبئة الواسعة للاحتياط.[13]

تؤكد الأرقام أن منع دخول العمال الفلسطينيين قلّص عرض العمل في قطاع الأعمال، وأن انتقال أفراد إلى خدمة الاحتياط كان بدوره عاملاً ضاغطاً على عرض العمل. لا تجعل هذه الأرقام الاحتياط سبباً وحيداً للتباطؤ الاقتصادي، لكنها تثبت أنه أحد عوامل الضغط. ومن ثم، يصبح الاقتصاد جزءاً من معادلة الاستنزاف: الجيش يحتاج إلى الاحتياط كي يتوسع في الانتشار، والاقتصاد يحتاج إلى هؤلاء أنفسهم كي يستمر.

تلتقي الجبهة الاقتصادية مع الجبهة الاجتماعية في نقطة واحدة هي قابلية الاستمرار. فالجيش يستطيع أن يرفع مستوى التعبئة لأسابيع أو أشهر، لكنه كلما أطال التعبئة نقل الكلفة من الموازنة العسكرية إلى الإنتاج، ومن ميدان القتال إلى الأسرة وسوق العمل. وهذا ما يجعل عقيدة الحسم، بصفتها عقيدة اختصار للزمن، أكثر من مجرد مفهوم عسكري؛ إنها آلية لحماية المجتمع والاقتصاد من الحرب الطويلة.

سابعاً: من الحسم إلى إدارة الاستنزاف

تكشف المعطيات السابقة أن الجيش الإسرائيلي انتقل، عملياً، من عقيدة مصممة للحسم السريع إلى واقع يفرض إدارة الاستنزاف. ومع بقاء مفردات النصر والحسم في الخطاب الرسمي، تبدلت الوظيفة اليومية للجيش: من الضرب والاختراق إلى البقاء، والمراقبة، والحراسة، وإدارة خطوط تماس متعددة.

يدافع إنبار وشامير عن فكرة أن إسرائيل طورت، في مواجهة الفاعلين غير الدولتيين، استراتيجية صبورة أقرب إلى «جز العشب»، لا تسعى دائماً إلى قرار عسكري حاسم، بل إلى إضعاف الخصم دورياً وتعزيز الردع عبر الألم التراكمي.[14]غير أن مرحلة ما بعد ٧ تشرين الأول/أكتوبر تختلف عن الجولات السابقة؛ فإدارة الاستنزاف لم تعد جولة محدودة، بل حالة طويلة تضغط على الاحتياط والاقتصاد والمجتمع.

هنا يظهر جوهر التآكل: عقيدة الحسم لا تتآكل فقط حين يخسر الجيش معركة، بل حين يُجبر على أداء وظيفة لم يُصمم نموذج القوة لأدائها زمناً طويلاً. تتسع الفجوة بين القدرة على تنفيذ العمليات والقدرة على تحويلها إلى نهاية سياسية مستقرة، كما ترتفع كلفة البقاء العسكري كلما طال الانتشار وتعددت الجبهات.

ثامناً: الرأي المعاكس وحدود أطروحة التآكل

تزداد قوة الأطروحة إذا عُرضت في مواجهة رأي معاكس لا في صيغة يقين أحادي. فهناك اتجاه يرى أن العقيدة الإسرائيلية لا تنهار، بل تتكيف. يشير بوبوف إلى أن إسرائيل دمجت الدفاع الصاروخي والذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة، وأضافت ركناً دفاعياً إلى عقيدتها من دون التخلي عن الردع والإنذار والحسم. كما يميز شموئيل بار بين مستويات مختلفة للردع: الروتين، والطوارئ، والحرب، محذراً من التعامل مع كل إخفاق بوصفه نهاية للردع الإسرائيلي.[15]

ثمة حجة إضافية للرأي المعاكس تقول إن تعدد الجبهات قد يدفع إسرائيل إلى تحديث أسرع لا إلى تآكل أعمق: زيادة الاستثمار في الدفاع الجوي، وتوسيع الألوية الإقليمية، وتحسين التعويضات، وإعادة بناء القوات البرية. وتاريخ إسرائيل يظهر قدرة مؤسساتية على التعلم بعد الصدمات، كما حدث بعد ١٩٧٣ و٢٠٠٦. لذلك لا ينبغي تحويل مؤشرات الضغط إلى حكم مسبق بالفشل.

غير أن قدرة النظام على التعلم لا تلغي أن التعلم نفسه يحتاج وقتاً وموارد وتوافقاً سياسياً. فإذا كانت الصدمة تدفع إلى الإصلاح، فإن استمرار الحرب يستهلك الموارد اللازمة لهذا الإصلاح. ومن هنا تأتي مفارقة المرحلة: إسرائيل تحتاج إلى إصلاح الجيش في الوقت نفسه الذي تستخدم فيه الجيش بأقصى طاقته.

تقبل هذه الدراسة جانباً من الحجة المضادة: فالجيش الإسرائيلي لم يفقد قوته، والعقيدة لا تختفي دفعة واحدة. غير أن التكيف ذاته أصبح مكلفاً؛ إذ لا تكفي إضافة الدفاع والتكنولوجيا ما لم تسندها قوات برية، ومنظومة تعبئة، واقتصاد قادر على تحمل الكلفة. لذلك لا تطرح الدراسة مفهوم «الانهيار» بوصفه نتيجة، بل مفهوم «التآكل» بوصفه اختلالاً تدريجياً في العلاقة بين المهمة والوسيلة.

يقتضي الإنصاف البحثي الإقرار بأن قسماً من المؤشرات يمكن تفسيره تفسيراً مغايراً. فإعادة توزيع الفرق في لبنان قد تكون علامة مرونة عملياتية لا دليلاً على ضيق الموارد؛ واستدعاء الاحتياط قد يعبر عن قدرة تعبئة عالية لا عن أزمة؛ كما أن ضغط الحريديم قد يدفع الدولة إلى حلول تدريجية بدلاً من أن يقود إلى تفكك العقد العسكري. غير أن قوة هذا الاعتراض تتراجع حين تُقرأ المؤشرات مجتمعة لا منفردة. فالمرونة العملياتية تصبح أكثر كلفة عندما تتكرر بين جبهات متعددة، والتعبئة الواسعة تفقد بعض مزاياها عندما تطول مدتها، والحلول التدريجية في ملف التجنيد لا تعالج الحاجة الفورية إلى القوى البشرية.

بذلك لا تسعى الدراسة إلى نفي قدرة الجيش الإسرائيلي على التعلم أو التكيف، بل إلى بيان أن التكيف لم يعد عملية تقنية داخل المؤسسة العسكرية وحدها. فزيادة الوحدات، أو تحسين شروط الاحتياط، أو إدخال الحريديم إلى الخدمة، أو تعزيز القوات البرية، كلها قرارات تحتاج موارد مالية وشرعية سياسية وتوافقاً اجتماعياً. وعليه، فإن الرأي المعاكس يصحح النزعة إلى المبالغة في الحديث عن الانهيار، لكنه لا يلغي فرضية البحث: أزمة العقيدة ليست في غياب القوة، بل في ارتفاع كلفة تحويل القوة إلى حسم قابل للاستدامة.

تاسعاً: مؤشرات الأزمة

يلخص الجدول الآتي المؤشرات الأكثر دلالة على أزمة النموذج، مع تحديد دلالتها البحثية وحدود استخدامها:

المؤشرالدلالة البحثيةحدود الاستدلال
تدوير الفرق في جنوب لبنانيفيد بأن الجيش يعيد توزيع قياداته بين الجبهات وفق أولويات متغيرةلا يكفي وحده لإثبات العجز البنيوي؛ فقد يكون إعادة تموضع أو انتهاء مهمة
نقص نحو ١٥ ألف جندييدل على فجوة بين المهام والقوة البشرية المتاحةالأرقام مرتبطة بسياق زمني محدد وتحتاج متابعة دورية
متوسط ١١٠ أيام احتياط في ٢٠٢٥يكشف انتقال قوة التعبئة من الطوارئ إلى الإدامة الطويلةلا يدل بذاته على رفض واسع للخدمة
أوامر الحريديم وحضور ٢٧٣٨ فقطيعكس فجوة امتثال في ملف توسيع قاعدة التجنيدلا يثبت وحده أن دافعية الاحتياط تتراجع بسبب الحريديم
نمو اقتصادي ضعيف وضغط على عرض العمليربط الحرب الطويلة بالاقتصاد وسوق العملالاحتياط عامل من عدة عوامل وليس العامل الوحيد

عاشراً: السيناريوهات المحتملة حتى أفق ٢٠٢٦

يمكن قياس تحقق كل مسار من خلال مؤشرات مبكرة. فالإصلاح الإجباري تظهر علاماته في قانون تجنيد قابل للتنفيذ، وتوسيع فعلي للقدرة البرية، وانخفاض أيام الاحتياط السنوية. أما إدارة الاستنزاف فتظهر في استمرار عمليات محدودة بلا تسوية وبقاء الاحتياط في دورات متكررة. وأما تآكل نموذج «جيش الشعب» فيظهر في ازدياد لغة التعاقد والتعويض والاحتجاج داخل الاحتياط. في حين تظهر التسوية الاستراتيجية في قبول ترتيبات تقلل الانتشار المباشر حتى لو لم تحقق الحسم الكامل.

لا تُفهم هذه السيناريوهات باعتبارها بدائل منفصلة تماماً؛ فقد تتداخل في الواقع العملي. فقد تبدأ إسرائيل بإدارة الاستنزاف، ثم تضطر إلى إصلاحات جزئية، ثم تقبل ترتيبات أمنية لتخفيف عبء الانتشار. لذلك يعتمد الترجيح هنا على اتجاه الحركة لا على صورة ثابتة. فإذا تزايدت أيام الاحتياط، واستمر النقص البشري، وبقيت فجوة الحريديم واسعة، فإن مسار الاستنزاف يغلب. وإذا انخفضت هذه المؤشرات مع توسع فعلي في قاعدة الخدمة والقوة البرية، فإن مسار الإصلاح يصبح أكثر حضوراً. أما إذا استمر الخطاب السياسي في إعلان أهداف واسعة من دون موارد كافية، فإن خطر التآكل البنيوي يزداد.

المسار الأول هو الإصلاح الإجباري. في هذا السيناريو، تدفع الحرب إسرائيل إلى توسيع قاعدة الخدمة، وتحسين شروط الاحتياط، وزيادة الاستثمار في القوات البرية، ومحاولة إدخال أعداد أكبر من الحريديم إلى الخدمة العسكرية أو المدنية. غير أن هذا المسار يصطدم بعوائق سياسية ومالية ودينية، وقد ينتج توتراً داخلياً واسعاً إذا فُرض بسرعة.

المسار الثاني هو إدارة الاستنزاف. وهو الأقرب إذا لم تحدث صدمة كبرى. تستمر إسرائيل في العمليات المحدودة، والانتشار، واستدعاء الاحتياط، مع إصلاحات جزئية لا تغير النموذج جذرياً. خطر هذا المسار أنه يبدو قابلاً للاستمرار إلى أن تتراكم كلفته فجأة في صورة تراجع جاهزية، أو تعب احتياطي، أو ضغط اقتصادي.

المسار الثالث هو تآكل نموذج «جيش الشعب». يتمثل هذا المسار في تحول تدريجي نحو نموذج هجين: نواة مهنية وتكنولوجية، وقوات برية أكثر انتقائية، واحتياط أقل تلقائية وأكثر مطالبة بالتعويض والعدالة. في هذا المسار، تبقى إسرائيل قوية عسكرياً، لكنها تفقد جزءاً من مرونة التعبئة الاجتماعية التي منحتها تفوقاً تاريخياً.

المسار الرابع هو التسوية الاستراتيجية. قد تسعى إسرائيل إلى تقليل التزاماتها عبر ترتيبات أمنية أو سياسية في غزة أو لبنان، لا بدافع التخلي عن القوة، بل لتقليل عبء الانتشار المباشر. غير أن هذا المسار قد يُقرأ داخلياً كتنازل إذا لم يُقدم في صورة إنجاز أمني.

الأرجح، استشرافياً، هو مزيج من إدارة الاستنزاف وإصلاحات جزئية، مع استمرار خطر التآكل البنيوي إذا بقيت الجبهات مفتوحة، وتعثر ملف الحريديم، واستمر الضغط على الاحتياط والاقتصاد. هذا الترجيح لا يتنبأ بانهيار الجيش، بل بتزايد كلفة استمرار النموذج القديم.

نتائج البحث

تسمح المعالجة السابقة بتحديد نتائج أكثر دقة من الحكم العام على القوة الإسرائيلية. النتيجة الأولى أن الحسم لم يعد مسألة تفوق ناري فقط، بل مسألة قدرة على اختصار الزمن السياسي والعملياتي للحرب. فإذا بقيت الحرب مفتوحة رغم كثافة القوة المستخدمة، فإن معيار الحسم نفسه يصبح موضع اختبار. والنتيجة الثانية أن التكنولوجيا لا تفقد أهميتها، لكنها تكشف محدوديتها عندما يتحول الهدف من الضرب إلى السيطرة والبقاء. فالمنظومات الدقيقة تعزز القدرة على الاستهداف، لكنها لا تحل وحدها مشكلة إمساك الأرض وتدوير القوات وحماية خطوط التماس.

أما النتيجة الثالثة فهي أن منظومة الاحتياط تمثل الحلقة الأكثر حساسية في نموذج الجيش الصغير. فقوتها تكمن في سرعة التعبئة واتساعها، وضعفها يظهر عندما تتحول التعبئة إلى حالة متكررة وطويلة. والنتيجة الرابعة أن ملف الحريديم صار مؤشراً على قدرة الدولة على ترجمة الضرورة العسكرية إلى قرار سياسي قابل للتطبيق. فكلما بقيت فجوة الامتثال واسعة، ازداد اعتماد الجيش على الفئات نفسها التي تتحمل عبء التعبئة الاحتياطية. والنتيجة الخامسة أن الاقتصاد ليس عاملاً خارجياً، بل جزء من معادلة الحرب الطويلة؛ إذ يصبح استمرار التعبئة قراراً يمس سوق العمل والنمو والثقة الاجتماعية لا الجبهة العسكرية وحدها.

تجمع هذه النتائج بين ما هو عملياتي وما هو اجتماعي. ولذلك لا يصح اختزال الأزمة في عبارة «ضعف الجيش» أو «فشل التكنولوجيا». التعبير الأدق هو أن شروط إنتاج الأمن تغيرت: لم تعد القوة، مهما بلغت، كافية بذاتها ما لم تُدعَم بقدرة اجتماعية واقتصادية على تحمل الكلفة، وبنموذج تعبئة عادل، وبأهداف سياسية قابلة للتحقق.

الخاتمة

تكشف الحرب الممتدة منذ ٧ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٣ أن المعضلة لا تكمن في غياب القدرة الإسرائيلية على القتال، بل في صعوبة تحويل هذه القدرة إلى حسم مستقر. فالضرب لا ينهي الحرب بالضرورة، والتعبئة لا تكفي لإدامتها، والتكنولوجيا لا تعوض بالكامل الحاجة إلى القوة البرية والموارد البشرية.

تآكل عقيدة الحسم، بهذا المعنى، ليس انهياراً فورياً، بل اختلال تدريجي في العلاقة بين المهمة والوسيلة. فقد صُمم نموذج الجيش الصغير لحرب قصيرة وتعبئة مؤقتة، بينما يفرض الواقع الجديد حرباً طويلة، وجبهات متعددة، واحتياطاً مجهداً، واقتصاداً مضغوطاً، ومجتمعاً منقسماً حول عدالة العبء.

وبذلك يصبح معيار الجاهزية في هذه الدراسة أوسع من عدد الدبابات أو الطائرات أو أنظمة الاستشعار؛ فهو يقيس قدرة النموذج كله على تحويل التفوق العسكري إلى نتائج سياسية قابلة للدوام من دون إنهاك الجنود الاحتياطيين، أو تعطيل الاقتصاد، أو توسيع فجوة العدالة بين من يخدمون ومن يبقون خارج الخدمة.

التوصيات

توصي الدراسة باعتماد لغة تحليلية حذرة عند دراسة الجيش الإسرائيلي؛ فمفاهيم التآكل، وضغط الانتشار، واختبار النموذج أدق من مفهوم الانهيار. كما توصي بالتمييز بين الحسم والردع والنصر، لأن الخلط بينها يؤدي إلى أحكام عامة غير دقيقة.

تقترح الدراسة، للبحوث اللاحقة، بناء قاعدة بيانات زمنية عن حركة الفرق الإسرائيلية بين غزة ولبنان والضفة وسوريا، وربطها بقرارات التعبئة وسوق العمل. كما تقترح فحص دافعية الاحتياط عبر مقابلات ميدانية أو استطلاعات طولية، لأن الأرقام العامة لا تكشف وحدها عن التحولات النفسية والاجتماعية داخل قوة الاحتياط.

توصي الدراسة أيضاً بمتابعة ملف تجنيد الحريديم بوصفه مؤشراً بنيوياً على قدرة النظام السياسي الإسرائيلي على استيعاب متطلبات الجيش. فإذا بقيت فجوة الامتثال واسعة، فإن ضغط التعبئة الاحتياطية سيبقى قائماً حتى مع أي توسع تقني أو مالي.

وتقتضي الجاهزية للنشر مستقبلاً تحديث المؤشرات دورياً؛ لأن موضوع البحث يتصل بحرب مفتوحة ومتغيرات سياسية قابلة للتبدل. فكل تسوية في لبنان أو غزة، وكل تعديل في قانون التجنيد، وكل تغير في حجم الاحتياط قد يبدل الوزن النسبي للسيناريوهات. لذلك ينبغي التعامل مع هذه الدراسة بوصفها قراءة استشرافية مؤطرة زمنياً، لا حكماً نهائياً مغلقاً.

قائمة المصادر والمراجع

Bank of Israel. Bank of Israel Annual Report 2024. 2025. https://www.boi.org.il/en/communication-and-publications/regular-publications/bank-of-israel-annual-report/bank-of-israel-annual-report-2024/

Bank of Israel. Annual Report 2024: Full Report. 2025. https://boi.org.il/media/upvdwfe5/2024-full-r.pdf

Bar, Shmuel. “Israeli Strategic Deterrence Doctrine and Practice.” Comparative Strategy, vol. 39, no. 4, 2020, pp. 321–353. https://doi.org/10.1080/01495933.2020.1772624

Bar-Joseph, Uri. “The Paradox of Israeli Power.” Survival, vol. 46, no. 4, 2004, pp. 137–155. https://doi.org/10.1080/00396330412331342506

Ben-Dor, Gabriel, and Ami Pedahzur. “Under the Threat of Terrorism: A Reassessment of the Factors Influencing the Motivation to Serve in the Israeli Reserves.” Israel Affairs, vol. 12, no. 3, 2006, pp. 430–438. https://doi.org/10.1080/13537120600744719

Bronner, Louis. “Israeli Army Warns of Insufficient Manpower.” Le Monde, 27 March 2026. https://www.lemonde.fr/en/international/article/2026/03/27/israeli-army-warns-of-insufficient-manpower_6751872_4.html

Dagan, Nadav, Amichai Cohen, and Amir Fuchs. “Conscription of Haredi Yeshiva Students to the IDF and the Emerging Constitutional Crisis.” Israel Democracy Institute, 21 January 2026. https://en.idi.org.il/articles/63168

Fabian, Emanuel. “IDF Reorganizing Forces on Lebanon Border, Six Months on from Hezbollah Ceasefire.” The Times of Israel, 28 May 2025. https://www.timesofisrael.com/liveblog_entry/idf-reorganizing-forces-on-lebanon-border-six-months-on-from-hezbollah-ceasefire/

Fabian, Emanuel. “IDF Deploys Another Division to South Lebanon as It Expands Buffer Zone to Push Back Hezbollah.” The Times of Israel, 26 March 2026. https://www.timesofisrael.com/liveblog_entry/idf-deploys-another-division-to-south-lebanon-as-it-expands-buffer-zone-to-push-back-hezbollah/

Freilich, Charles D. “Israel’s Classic Defense Doctrine.” In Israeli National Security: A New Strategy for an Era of Change, Oxford University Press, 2018, pp. 14–30. https://doi.org/10.1093/oso/9780190602932.003.0002

Gat, Azar. “The ‘Cavalry Army’ Becomes the ‘Hi-Tech Army’.” INSS Insight no. 1991, Institute for National Security Studies, 2025. https://www.inss.org.il/publication/hi-tech-army/

Heimann, Ariel. “The Reserve Forces in the Gaza War: Challenges for the Continuation of the Fighting.” Institute for National Security Studies, 7 January 2024. https://www.inss.org.il/publication/reserve-october-7/

Inbar, Efraim, and Eitan Shamir. “Letters to the Editor: Patience and Attrition.” Survival, vol. 57, no. 3, 2015, pp. 213–218. https://doi.org/10.1080/00396338.2015.1046240

Israel Defense Forces. “The 91st Division Resumes Responsibility for the Entire Border with Lebanon.” Operational Update, 28 May 2025. https://www.idf.il/en/mini-sites/idf-press-releases-israel-at-war/may-25-pr/the-91st-division-resumes-responsibility-for-the-entire-border-with-lebanon/

Israel Democracy Institute. “Seder Hadash | Episode 46: Why Does the IDF Win in Technology but Not in War?” 25 May 2026. https://www.idi.org.il/galleries/64463

Itsik, Ronen. “Motivations for Reserve Military Service in Israel.” The RUSI Journal, vol. 167, 2022, pp. 112–128. https://doi.org/10.1080/03071847.2022.2127866

Levy, Yagil. “Israel’s Violated Republican Equation.” Citizenship Studies, vol. 12, no. 3, 2008, pp. 249–264. https://doi.org/10.1080/13621020802015412

Levy, Yagil. “Is There a Motivation Crisis in Military Recruitment in Israel?” Israel Affairs, vol. 15, no. 2, 2009, pp. 135–158. https://doi.org/10.1080/13537120902734426

Popov, Simeon. “The Israeli Security Doctrine: Adapting Without Altering Core Pillars.” Politics & Security, vol. 11, no. 1, 2025, pp. 25–31. https://doi.org/10.54658/ps.28153324.2025.11.1.pp.25-31

Samaan, Jean-Loup. “‘Decisive Victory’ and Israel’s Quest for a New Military Strategy.” Middle East Policy, 2023. https://doi.org/10.1111/mepo.12701

[1] Charles D. Freilich, “Israel’s Classic Defense Doctrine,” in Israeli National Security: A New Strategy for an Era of Change, Oxford University Press, Oxford/New York, 2018, pp. 14–30, https://doi.org/10.1093/oso/9780190602932.003.0002.

[2] Uri Bar-Joseph, “The Paradox of Israeli Power,” Survival, vol. 46, no. 4, 2004, pp. 137–155, https://doi.org/10.1080/00396330412331342506.

[3] Jean-Loup Samaan, “‘Decisive Victory’ and Israel’s Quest for a New Military Strategy,” Middle East Policy, 2023, https://doi.org/10.1111/mepo.12701.

[4] Azar Gat, “The ‘Cavalry Army’ Becomes the ‘Hi-Tech Army’,” INSS Insight no. 1991, Institute for National Security Studies, 2025, https://www.inss.org.il/publication/hi-tech-army/.

[5] Israel Democracy Institute, “Seder Hadash | Episode 46: Why Does the IDF Win in Technology but Not in War?,” podcast page, May 25, 2026, https://www.idi.org.il/galleries/64463. The page identifies Guy Hazut as a senior INSS researcher and describes the discussion of the ground army’s loss of status, organizational culture, and preparation for multi-arena war.

[6] Israel Defense Forces, “The 91st Division Resumes Responsibility for the Entire Border with Lebanon,” operational update, May 28, 2025, https://www.idf.il/en/mini-sites/idf-press-releases-israel-at-war/may-25-pr/the-91st-division-resumes-responsibility-for-the-entire-border-with-lebanon/; Emanuel Fabian, “IDF Reorganizing Forces on Lebanon Border, Six Months on from Hezbollah Ceasefire,” The Times of Israel, May 28, 2025, https://www.timesofisrael.com/liveblog_entry/idf-reorganizing-forces-on-lebanon-border-six-months-on-from-hezbollah-ceasefire/.

[7] Emanuel Fabian, “IDF Deploys Another Division to South Lebanon as It Expands Buffer Zone to Push Back Hezbollah,” The Times of Israel, March 26, 2026, https://www.timesofisrael.com/liveblog_entry/idf-deploys-another-division-to-south-lebanon-as-it-expands-buffer-zone-to-push-back-hezbollah/. This source reports the deployment of the 162nd Division alongside the 146th, 91st, 36th, and 210th Divisions.

[8] Gabriel Ben-Dor and Ami Pedahzur, “Under the Threat of Terrorism: A Reassessment of the Factors Influencing the Motivation to Serve in the Israeli Reserves,” Israel Affairs, vol. 12, no. 3, 2006, pp. 430–438, https://doi.org/10.1080/13537120600744719.

[9] Ariel Heimann, “The Reserve Forces in the Gaza War: Challenges for the Continuation of the Fighting,” Institute for National Security Studies, Special Publication, January 7, 2024, https://www.inss.org.il/publication/reserve-october-7/; Ronen Itsik, “Motivations for Reserve Military Service in Israel,” The RUSI Journal, vol. 167, 2022, pp. 112–128, https://doi.org/10.1080/03071847.2022.2127866.

[10] Louis Bronner, “Israeli Army Warns of Insufficient Manpower,” Le Monde, March 27, 2026, https://www.lemonde.fr/en/international/article/2026/03/27/israeli-army-warns-of-insufficient-manpower_6751872_4.html; Nadav Dagan, Amichai Cohen, and Amir Fuchs, “Conscription of Haredi Yeshiva Students to the IDF and the Emerging Constitutional Crisis,” Israel Democracy Institute, January 21, 2026, https://en.idi.org.il/articles/63168.

[11] Nadav Dagan, Amichai Cohen, and Amir Fuchs, “Conscription of Haredi Yeshiva Students to the IDF and the Emerging Constitutional Crisis,” Israel Democracy Institute, January 21, 2026, https://en.idi.org.il/articles/63168.

[12] Yagil Levy, “Is There a Motivation Crisis in Military Recruitment in Israel?,” Israel Affairs, vol. 15, no. 2, 2009, pp. 135–158, https://doi.org/10.1080/13537120902734426; Yagil Levy, “Israel’s Violated Republican Equation,” Citizenship Studies, vol. 12, no. 3, 2008, pp. 249–264, https://doi.org/10.1080/13621020802015412.

[13] Bank of Israel, Bank of Israel Annual Report 2024, 2025, https://www.boi.org.il/en/communication-and-publications/regular-publications/bank-of-israel-annual-report/bank-of-israel-annual-report-2024/; Bank of Israel, Annual Report 2024: Full Report, 2025, https://boi.org.il/media/upvdwfe5/2024-full-r.pdf.

[14] Efraim Inbar and Eitan Shamir, “Letters to the Editor: Patience and Attrition,” Survival, vol. 57, no. 3, 2015, pp. 213–218, https://doi.org/10.1080/00396338.2015.1046240.

[15] Simeon Popov, “The Israeli Security Doctrine: Adapting Without Altering Core Pillars,” Politics & Security, vol. 11, no. 1, 2025, pp. 25–31, https://doi.org/10.54658/ps.28153324.2025.11.1.pp.25-31; Shmuel Bar, “Israeli Strategic Deterrence Doctrine and Practice,” Comparative Strategy, vol. 39, no. 4, 2020, pp. 321–353, https://doi.org/10.1080/01495933.2020.1772624.