إيران وإسرائيل ما بعد الحرب: صراع ترميم الجبهة الداخلية ومعركة التعويضات
Esnad Center · 2026-05-24
الأخبار
https://www.al-akhbar.com/news/world/891358
لا تُقاس نتائج الحرب بما يجري في الميدان وحده، بل بما تفعله الدولة بعد توقف إطلاق النار: كيف تُسعف المتضررين؟ كيف تداوي أثر خسارة البيت أو المركبة أو مصدر الرزق منعاً من التحول إلى أزمة اجتماعية؟ ومن هذه الزاوية، تبدو المقارنة بين إيران وإسرائيل كاشفة: إيران تتعامل مع آثار الحرب كجزء من معركة تثبيت الجبهة الداخلية، فيما تبدو إسرائيل غارقة في بيروقراطية التعويضات، مضيفة إلى الخسارة الميدانية خسارة سياسية ومعنوية داخل مجتمعها.
في إيران، لم تنتظر الدولة انتهاء التقييمات النهائية كي تبدأ بالتحرك. فبينما كانت فرق الحصر لا تزال تُكمل جداول الخسائر، كانت المرحلة الأولى من المعالجة قد بدأت فعلياً: ترميم، إيواء، تعويضات أولية، وإعادة تشغيل ما يمكن تشغيله. في المقابل، احتاجت إسرائيل إلى أسابيع طويلة من الجدل واللجان قبل أن يُقرّ الكنيست، في 4 أيار/مايو 2026، قانون/مخطط التعويضات للأعمال المتضررة من الحرب، بكلفة تقارب 7 مليارات شيكل. وهنا تظهر المفارقة: أن الدولة التي قدّمت نفسها بوصفها نموذجاً في إدارة الطوارئ، بقي اقتصادها الأهلي ينتظر نصاً قانونياً، فيما كانت إيران قد أنجزت منذ زمن المرحلة الأولى من الاستجابة الميدانية.
فقد ذكرت وكالة «إسنا» الإيرانية، استناداً إلى معطيات مرتبطة بـوزارة الطرق وبناء المدن، أن الحكومة خصّصت نحو 2000 مليار تومان لقروض وديعة السكن للمتضررين، وأن 1210 متضررين حصلوا فعلياً على تسهيلات تتراوح بين 300 و700 مليون تومان. أهمية هذه الخطوة أنها لم تُقدَّم كتعويض نهائي كامل، بل كمرحلة إسعاف عاجلة، تمنع المتضرر من السقوط في الفراغ إلى حين اكتمال حصر الأضرار وتحديد التعويضات الدقيقة.
هذا التفريق بين «المساعدة السريعة» و«التعويض النهائي» هو جوهر النجاح الإيراني في إدارة الجبهة الداخلية. فالدولة التي تفهم الحرب اجتماعياً لا تترك الأسر المتضررة تنتظر جداول اللجان، بل تؤمّن لها حداً أولياً من الاستقرار: سكن بديل، وديعة، وسيولة تكفي لعبور الصدمة الأولى. بذلك لا تعالج الدولة الضرر كحادثة فردية، بل كمسألة تمسّ الأمن الاجتماعي، كاستقرار العائلات، وثقة المواطنين بمؤسساتهم.
وفي طهران، دخلت بلدية طهران مباشرة على خط الدعم. فقد نقل «همشهري أونلاين» عن مسؤولي البلدية بدء دفع وديعة السكن ومساعدات لتأمين اللوازم المنزلية لمالكي الوحدات المتضررة. كما أظهرت معطيات أخرى أن البلدية دفعت نحو 648 مليار تومان كوديعة سكن لعائلات متضررة، وأن أكثر من 500 عائلة استفادت من بطاقات دعم بقيمة 250 مليون تومان. هنا لا تبدو الدولة جهازاً مركزياً بعيداً، بل شبكة تدخل محلية تعرف الحيّ والمبنى وحجم الحاجة.
ولم يقتصر الأمر على الإسعاف السكني. فقد أعلن الموقع الرسمي لـوزارة الطرق وبناء المدن الإيرانية أن «خطة إعادة إعمار المناطق المتضررة من العدوان الأمريكي الصهيوني» أُنجزت داخل لجنة تقدير الأضرار وإعادة البناء في مقر إدارة الأزمات بالوزارة، وأن مؤسسة إسكان الثورة الإسلامية تشارك في تقدير الأضرار وترتيب مسارات إعادة البناء والدعم. بهذا المعنى، اشتغلت إيران على مسارين متوازيين: مسار سريع لامتصاص الصدمة، ومسار مؤسسي أوسع للتعويض والإعمار.
هذه هي دلالة الانتصار الداخلي: ألا يتحول الضرر إلى فوضى، وألا يشعر المواطن بأن الدولة غابت بعد الحرب. قد لا تكون التعويضات النهائية اكتملت، لكن لحظة الاختبار الأولى كانت في سرعة الحضور، وطمأنة الشعب، وقدرة الدولة على القول عملياً إن كلفة الحرب لن تُترك على الأفراد وحدهم.
في المقابل، أُحيل ملف التعويضات في إسرائيل أساساً إلى سلطة الضرائب الإسرائيلية وصندوق التعويضات/ضريبة الأملاك؛ أي إلى جهاز مالي وقانوني بيروقراطي يعمل بمنطق الطلبات، والمستندات، والتقييم، والانتظار. صحيح أن إسرائيل فتحت «مساراً سريعاً» للتعويض عن الأضرار المباشرة، كما ذكرت صحيفة «كالكاليست»، لكن فتح هذا المسار نفسه كشف حجم الاختناق أكثر مما أثبت الكفاءة.
فبحسب موقع «بيزبورتال» الاقتصادي، بلغ عدد المطالبات المقدمة إلى صندوق التعويضات 36,465 مطالبة منذ بداية الحرب، مع وجود حالات كثيرة لم تكن قد تقدمت بعد. ثم تحدثت تقارير إسرائيلية عن نحو 38 ألف مطالبة خلال أيام القتال، منها قرابة 30 ألفاً تتعلق بأضرار في المباني، ولا سيما في مدن مثل بات يام، رحوفوت، ورمات غان. ولاحقاً، أشارت صحيفة «كالكاليست» الاقتصادية إلى إغلاق المسار السريع بعد تقديم نحو 10 آلاف طلب عبره، من أصل نحو 52 ألف مطالبة عن ضرر مباشر، مع تقدير كلفة الأضرار المباشرة خلال اثني عشر يوماً بنحو 5 مليارات شيكل.
هذه الأرقام لا تكشف حجم الضرر فقط، بل تكشف أزمة إدارة. فالمستوطن الذي يُطلب منه أن يدخل منصة، يرفق صوراً، ينتظر مخمناً، ثم ينتظر قراراً، لا يشعر بأن الدولة جاءت لإنقاذه، بل بأنها حوّلته إلى ملف. وحتى حين تحدث موقع «بيزبورتال» الاقتصادي عن دفع 305 ملايين شيكل، بقيت عشرات آلاف المطالبات بانتظار زيارة مخمن أو انتهاء المعالجة، ما جعل التعويض وعداً مؤجلاً لا حماية فورية.
وهنا تتحول الخسارة الاقتصادية إلى خسارة سياسية. فإسرائيل أرادت من الحرب أن ترمم صورة القوة، إلا أنها عجزت عن ترميم الثقة مع المستوطنين، ما انعكس على نتائج الانتخابات المتوقعة، وقد نقلت «تايمز أوف إسرائيل» أن الحرب منحت نتنياهو والليكود فرصة مؤقتة، لكنها لن تمنح ائتلافه أغلبية كافية لتشكيل حكومة مقبلة. كما نقلت «جيروزاليم بوست» عن استطلاعات «واللا ومعاريف» أن كثيرين من الإسرائيليين غير مقتنعين بأن إسرائيل والولايات المتحدة «انتصرتا» في حرب إيران، وأن عدم الرضا عن النتائج والقيادة السياسية ظل واسعاً.
بهذا المعنى، أضافت إسرائيل إلى خسارتها العسكرية خسارة داخلية تمثلت في تآكل الثقة. فالجبهة الداخلية التي لا تتلقى دعماً سريعاً تصبح أكثر استعداداً للتشكيك في جدوى الحرب وصدقية قيادتها. وإذا كانت الحرب تُخاض لإنتاج ردع، فإن ما بعدها قد ينتج أثراً معاكساً حين يشعر المجتمع بأن الدولة قادرة على القتال أكثر مما هي قادرة على الجبر والاحتواء.
الخلاصة أن معالجة آثار الحرب ليست ملفاً إنسانياً ثانوياً، بل جزء من ميزان النصر والهزيمة. إيران سجّلت نصراً على مستوى الحرب بإفشال المشروع المعادي، ونصراً على الجبهة الداخلية لأنها عالجت الضرر بمنطق الإسعاف السريع: وديعة سكن، دعم منزلي، متابعة بلدية، وخطة إعمار. أما إسرائيل التي فشلت في تحقيق أهداف الحرب، وكذلك فشلت في إسعاف الجبهة الداخلية رغم قدراتها المالية والمؤسساتية، عندما أدارت الضرر بمنطق الصندوق الضريبي، حيث حوّلت التعويض من وسيلة لامتصاص الغضب إلى سبب إضافي لتراكمه. وهكذا كشف ما بعد الحرب معركة أخرى: إيران سعت إلى إخراج مجتمعها من الصدمة، فيما تركت إسرائيل مستوطنيها داخلها، ثم طلبت منهم تصديق رواية الانتصار.