الحج وإعادة تشكيل الوعي السياسي الإسلامي تحليل خطاب السيد مجتبى الحسيني الخامنئي بمناسبة موسم الحج ١٤٤٧هـ في ضوء نظريات الخطاب والهوية والمقاومة
د. عبد الله م. بدوي · 2026-05-27

مدخل
تشكل الشعائر الدينية في التجربة الإنسانية فضاءً حيويًا لتجسيد المعنى الجمعي وإعادة إنتاج الانتماء عبر الأجيال، ولا يقتصر دورها على التماس الروحي فحسب، بل يمتد ليشكل نسيجًا اجتماعيًا وسياسيًا يربط بين المقدس والواقعي. في السياق الإسلامي، يظل الحج تجسيدًا فريدًا لهذا التقاطع، حيث تتحول المناسك إلى لغة مشتركة تتجاوز الحدود الجغرافية والمذهبية لتعلن عن وحدة الغاية وتضامن المصير. غير أن تحولات العصر الراهن، وتداخل العوامل الجيوسياسية مع الخطابات الرسمية، أعاد صياغة دلالات هذه الشعيرة لتتحول إلى منصة لإعلان المواقف وإعادة ترسيم الحدود الرمزية بين الهوية والآخر. إن فهم هذه التحولات يستدعي قراءة نقدية للخطاب الديني السياسي، لا بوصفه انعكاسًا سلبيًا للواقع، بل بوصفه فاعلًا استراتيجيًا في تشكيل الوعي وتوجيه السلوك الجمعي ضمن معادلات القوة والصراع الرمزي المعاصرة، وهو ما يجعل من تحليل نصوص الحج المعاصرة مدخلًا ضروريًا لفك شفرات العلاقة بين الدين، والسياسة، والهوية في النظام الدولي الراهن.
مقدمة
يشكل الحج في التجربة الإسلامية أحد أهم الشعائر الجامعة التي تتقاطع فيها الأبعاد الروحية والاجتماعية والسياسية، وقد ظل تاريخيًا مرجعية مركزية لتجديد الانتماء الديني وإعلان التضامن الإسلامي. غير أن الخطابات الدينية المعاصرة، ولا سيما في السياقات التي تتقاطع فيها الرؤى الثورية مع التحولات الجيوسياسية، أعادت توظيف هذه الشعيرة ضمن أطر دلالية تتجاوز بعدها التعبدي التقليدي، لتتحول إلى فضاء لإنتاج الوعي السياسي وإعادة تشكيل الهوية الجماعية للأمة. ويأتي الخطاب محل الدراسة ليعكس هذا التحول بوضوح، إذ يربط بين المناسك الدينية والواقع السياسي العالمي، ويعيد صياغة العلاقة بين الدين والسلطة والمجتمع ضمن رؤية شمولية تتجاوز الحدود الوطنية. ومن هنا تنبع أهمية تحليل هذا الخطاب بوصفه نصًا يكشف عن آليات اشتغال الخطاب الديني السياسي في تشكيل الوعي الجمعي وإعادة إنتاج المفاهيم المركزية مثل الأمة، والعدو، والمقاومة، دون الخوض في تفاصيل منهجية أو تقديم أحكام مسبقة، بل تمهيدًا لقراءة تحليلية تستند إلى المعطيات النصية والنظرية المعتمدة في هذا العمل.
الإطار المنهجي للدراسة
أهمية الدراسة
تنبع أهمية الدراسة من كونها تتناول نموذجًا معاصرًا للخطاب الديني السياسي، يكشف عن تداخل البعد العقدي بالبعد السياسي في تشكيل التصورات الجماعية داخل العالم الإسلامي، خصوصًا في سياق الصراعات الإقليمية والدولية، وتزايد تأثير العوامل الرمزية في صياغة التحالفات ومواقف الفاعلين غير الدول. وتكتسب الدراسة بعدًا أكاديميًا إضافيًا من خلال محاولتها الجمع بين المنحى النقدي في تحليل الخطاب وبين النظريات البنائية في الهوية والمقاومة، مما يوفر إطارًا تحليليًا متكاملاً لفهم كيفية تحويل الشعائر الدينية إلى أدوات تعبوية وسياسية في اللحظات الجيوسياسية الحساسة.
إشكالية الدراسة
تتمثل الإشكالية المركزية في السؤال الآتي: كيف يُعاد توظيف خطاب الحج لإنتاج وعي سياسي جديد يقوم على إعادة تشكيل الهوية الإسلامية وبناء تصور صراعي للعالم؟
أسئلة الدراسة
١. كيف يُعاد تأويل التلبية والمناسك ضمن خطاب سياسي مقاوم؟
٢. كيف يُوظف شعار «الله أكبر» كأداة خطابية واستراتيجية في خطاب المقاومة؟
٣. ما دور مفاهيم القيادة والشهادة في استمرارية المشروع الثوري وفق الخطاب؟
٤. كيف تُصاغ البراءة من المستكبرين كأداة لإعادة تشكيل النظام الإقليمي؟
فرضية الدراسة
يفترض البحث أن الخطاب الديني محل الدراسة يعيد إنتاج الشعائر الدينية بوصفها أدوات رمزية لتشكيل وعي سياسي مقاوم، يربط بين الدين والهوية والصراع الجيوسياسي، من خلال آليات دلالية تعيد تأطير المقدس ضمن سياقات السلطة والهيمنة المعاصرة.
أهداف الدراسة
• تحليل البنية الدلالية للخطاب والكشف عن آليات إعادة تأويل المناسك.
• الكشف عن آليات بناء الهوية السياسية العابرة للحدود القومية.
• دراسة تمثلات العدو ومنطق الصراع في البناء الخطابي.
• فهم العلاقة التبادلية بين الدين والمقاومة كأطر تفسيرية وتعبوية.
منهج الدراسة وحدودها
يعتمد البحث على منهج تحليل الخطاب النقدي، إلى جانب مقاربات الهوية في العلوم الاجتماعية ونظريات المقاومة والهيمنة. ويقتصر التحليل على النص الخطابي موضوع الدراسة دون توسع في السياقات التاريخية الخارجية إلا عند الضرورة التفسيرية، مع التركيز على البنية اللغوية والدلالية وآليات إنتاج المعنى السياسي.
الأدبيات السابقة والإطار النظري
يرتكز البحث على ثلاثة محاور نظرية مترابطة تُدمج عضويًا في عملية التحليل: أولًا، تحليل الخطاب النقدي لفهم العلاقة بين اللغة والسلطة، مستندًا إلى أعمال نورمان فيركلوف وميشيل فوكو، اللذين يُبرزان كيف ينتج الخطاب أنظمة حقيقة ويؤسس لممارسات هيمنية رمزية. ثانيًا، نظريات الهوية لفهم بناء الجماعات المتخيلة، مستندًا إلى بنديكت أندرسون (Benedict Anderson) ومانويل كاستلز (Manuel Castells)، اللذين يشرحان كيف تُنتَج الهويات الجماعية عبر السرديات المشتركة والطقوس الموحدة في سياق العولمة والصراعات الرمزية. ثالثًا، نظريات المقاومة والهيمنة لفهم الصراع السياسي والثقافي، مستندًا إلى أنطونيو غرامشي (Antonio Gramsci) وفرانز فانون (Frantz Fanon)، اللذين يكشفان عن آليات الهيمنة الرمزية وآليات التحرر من خلال إعادة تأويل الذات والآخر ضمن معادلات القوة. ويتم في هذا الإطار تفصيل كيف تتقاطع هذه النظريات لتشكل نموذجًا تحليليًا مركبًا يسمح بفك شفرات الخطاب الديني السياسي المعاصر، دون الاكتفاء بالاستعارة السطحية، بل بالدمج المنهجي الدقيق بين أدوات التحليل اللغوي، والسوسيولوجي، والسياسي، بحيث يتحول الإطار النظري من خلفية وصفية إلى أداة تشريح فعّالة تعمل ضمن المتن التحليلي نفسه.
أولًا: التلبية والهجرة الرمزية: تأطير المناسك في مشروع التحرر المستمر
يُفتتح الخطاب بالتلبية النبوية المألوفة «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ. إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْك»، غير أن هذه العبادية التقليدية تُستحضر هنا بوصفها إعلانًا جيوسياسيًا وجوديًا، لا سيما أنها تصدر من قيادة سياسية دينية في لحظة تاريخية تتعرض فيها الجمهورية الإسلامية لحرب مفتوحة من قبل ما يصفه الخطاب بـ«طاغوت العصر» أمريكا و«ربيبتها» إسرائيل. لا تقتصر التلبية في هذا السياق على الاستجابة الروحية الفردية، بل تتحول إلى خطاب انتماء حصري يرفض أي ولاء موازٍ للسلطات الهيمنية القائمة. إن عبارة «لا شريك لك» تُعاد قراءتها دلاليًا لتعني نفي الشراكة السياسية، والاقتصادية، والعسكرية مع القوى الاستكبارية، مما يجعل التلبية أداة تفكيك للإجماع المهيمن وإعادة ترسيم خريطة الولاءات على أسس توحيدية مقاومة. ويتجلى هذا البعد بوضوح عند مقارنته بنظرية ميشيل فوكو حول العلاقة بين الخطاب والسلطة، حيث يرى فوكو أن الخطاب ليس مجرد تعبير عن الواقع، بل هو أداة إنتاجه وتنظيمه، وأن كل خطاب يحمل في طياته «نظام حقيقة» يشرعن ممارسات معينة ويستبعد أخرى[1]. وفي هذا الإطار، تعمل التلبية كنظام حقيقة مضاد، يشرعن الوجود السياسي للمقاومة من خلال ربطه بالامتثال الإلهي، مما يجعل أي خضوع للقوى الخارجية خروجًا على العقيدة، وأي مقاومة لها وفاءً لله.
كما يوظف الخطاب آلية ما يسميه فيركلوف بـ«إعادة التأطير الدلالي»، حيث يتم نقل المفردات الدينية من سياقها الشعائري المغلق إلى سياق سياسي مفتوح، يتقاطع مع التحولات الجيوسياسية الراهنة[2]. وفي لحظة جيوسياسية حساسة كالحرب المفروضة الثالثة التي يشير إليها الخطاب صراحةً، تكتسب التلبية بعدًا تعبويًا واستراتيجيًا، إذ تُستحضر كـ«سلاح» معنوي يسبق المواجهة العسكرية. يعيد الخطاب إنتاج التلبية كإعلان استقلال سيادي، ورفض للوصاية الخارجية، وتأكيد على أن القيادة السياسية تستمد مشروعيتها من الانتماء إلى محور الحق لا إلى موازين القوى المادية. هذا التوظيف يعكس وعيًا عميقًا بآليات إنتاج الشرعية في الصراعات المعاصرة، حيث تتحول الرموز الدينية إلى موارد استراتيجية تُحشد لتجاوز العزلة الدولية، وبناء تحالفات أممية بديلة تستند إلى الانتماء القيمي المشترك بدلًا من المصالح الآنية. إن التلبية في هذا الخطاب لا تُختزل في الطقوس، بل تتحول إلى إطار مرجعي يحدد حدود الهوية، ويؤسس لمقاومة شاملة تبدأ من الذات وتنتهي بتفكيك البنى الهيمنية العالمية.
ومن منظور مانويل كاستلز، فإن هذا النوع من الخطابات يمثل ما يسميه «مشروع الهوية المقاوم»، الذي ينشأ عندما يستعيد الفاعلون الاجتماعيون سردياتهم التاريخية بعد محاولات الإذابة أو التهميش من قبل مراكز القوة العالمية[3]. وفي هذا السياق، لا تمثل التلبية مجرد ذكر لفظي، بل هي إعلان وجودي يعيد تعريف الذات الجماعية كفاعل تاريخي مستقل، قادر على صياغة مساره الخاص خارج الإطار الأحادي الذي تفرضه القوى المهيمنة. وهكذا، يتحول الحج من محطة زمنية منقطعة إلى فضاء زمني-مكاني مستمر، تتجلى فيه إرادة التحرر من الهيمنة، وتتأسس فيه شرعية سياسية جديدة تقوم على التوحيد العملي قبل أن تقوم على التوحيد العقدي المجرد.
ويُعيد الخطاب صياغة مناسك الحج (الإحرام، الطواف، السعي، الوقوف، الرجم) ليس كأفعال منقطعة بزمن ومكان محددين، بل كـ «هجرة دائمة» تقوم على «عقد الإحرام الدائم حول ذكر الله، والطواف المستمر حول محور الحق، والسعي المتواصل بين قمم التكاليف الإلهية، والرجم الدائم للشيطان». هذا التحول الدلالي ينقل الشعيرة من نطاق العبادة الفردية إلى نطاق المشروع السياسي التحرري المستمر، حيث تصبح كل نسك استعارة لممارسة سياسية واعية ترفض الخضوع، وتتبنى مواجهة البنى الظالمة بشكل منهجي ومتكرر. ويُربط هذا المفهوم صراحةً بـ«مقام الثورة الإسلامية»، حيث يُوصف الشعب الإيراني بأنه قد «لبّى النداء الإبراهيمي للإمام الخميني، وخلع ثوب الخضوع للهيمنة، وارتدى ثوب إحرام السعادة الدنيوية والأخروية». هنا، يُعاد إنتاج الثورة ليس كحدث تاريخي منقضٍ، بل كحالة إحرام مستمر، وكمسار هجرة دائم من التبعية إلى الاستقلال، ومن الخوف إلى الصمود. إن الربط بين الإحرام والثورة يخلق استمرارية دلالية تجعل كل جيل جديد وارثًا للمشروع، وملتزمًا بمواصلة مساره حتى تحقيق الغايات الكبرى.
ويبلغ هذا التأويل ذروته في إعادة تفسير رمي الجمرات، الذي يتحول من فعل طقسي رمزي إلى استعارة مباشرة للمواجهة مع «الشيطان» الذي يُعاد تأويله سياسيًا ليمثل البنى الهيمنية العالمية، والأنظمة الاستكبارية، والمؤسسات التي تمارس الهيمنة الرمزية والمادية على الشعوب المستضعفة. ولا يقتصر الخطاب على ذكر هذه الاستعارة، بل يربطها بواقع الصراعات المعاصرة، ويعيد إنتاج مفهوم الجهاد ليس كعنف عشوائي، بل كمقاومة منظمة تستند إلى مرجعية أخلاقية واضحة تهدف إلى تفكيك الهياكل الظالمة وإعادة التوازن إلى النظام الدولي. إن هذا التأويل المتعدد المستويات لا يمثل مجرد خطاب دعوي، بل يشكل استراتيجية دلالية معقدة تعيد ترتيب العلاقة بين المقدس والسياسي، وتجعل الشعائر فضاءً حيويًا لإنتاج الوعي الجمعي وتوجيهه نحو أهداف سياسية واضحة. ومن منظور فرانز فانون، فإن هذا النوع من التحويلات الدلالية يمثل مرحلة أساسية من مراحل التحرر الرمزي، حيث يعيد المستضعِف تعريف ذاته عبر تفكيك الرموز التي فرضتها مراكز الهيمنة، وإعادة شحنها بمعانٍ تحررية[4].
ففي خطاب الحج، لا يمثل رمي الجمرات مجرد طقس تقليدي، بل هو استحضار لحظوي لرفض الهيمنة، وتأكيد على أن المواجهة ليست حدودية أو مؤقتة، بل وجودية ومستمرة. ويُعاد في هذا السياق إنتاج مفهوم «الهجرة» ليس كرحلة جغرافية، بل كتحول وجودي وسياسي، يتقاطع مع ما أسماه غرامشي بـ«حركة الموقع» ضمن صراع الهيمنة، حيث تتحول الممارسة الشعائرية إلى فعل سياسي يهدف إلى تغيير التوازن الرمزي قبل أن يغير التوازن المادي.
ثانيًا: «الله أكبر» كسلاح خطابي: الذاكرة النضالية وصناعة الإجماع المضاد
يُبرز الخطاب توظيفًا متكررًا ومكثفًا لشعار «الله أكبر»، حيث يتحول من ذكر تعبدي خالص إلى رمز حركي يستحضر مراحل النضال التاريخي والمعاصر. يعيد الخطاب ربط هذا الشعار بانتصارات متتالية، بدءًا من الانتصار على النظام البهلوي، مرورًا بحرب الدفاع المقدس (ثماني سنوات)، وصولًا إلى الصراعات الإقليمية المعاصرة والحرب المفروضة الثانية (حزيران ٢٠٢٥) والثالثة ضد الجيش الأمريكي-الصهيوني. ومن منظور غرامشي، فإن هذا التوظيف لا يهدف إلى التحريض العاطفي فحسب، بل يعمل على بناء «إجماع مضاد» يستند إلى مرجعية دينية وسياسية موحدة، مما يحول الصراع من مواجهة عسكرية أو اقتصادية إلى حرب مواقع رمزية وأخلاقية تستهدف تفكيك هيمنة العقلانية الأداة واستبدالها بهيمنة القيم الروحية والسياسية[5].
ويتبنى الخطاب آليات محددة في إنتاج هذه الصورة، أولها تحويل الشعار من عبارة توحيدية إلى إطار زمني يربط بين الماضي والحاضر والمستقبل، مما يخلق استمرارية دلالية تجعل كل انتصار معاصر امتدادًا لإرث ثوري متراكم. ثانيها، إعادة تعريف القوة ليس كقوة عسكرية أو تكنولوجية فحسب، بل كقوة إيمانية وإرادية، مما يمنح المقاومة شرعية وجودية تجعلها غير قابلة للهزيمة بالموازين المادية التقليدية. ثالثها، توسيع نطاق الشعار ليصبح جسرًا عابرًا للحدود يربط بين شعوب مختلفة جغرافيًا وثقافيًا، من إيران إلى لبنان وفلسطين والعراق وسوريا، وصولًا إلى أفغانستان وباكستان وأجزاء من أفريقيا، مما يعكس تحول الخطاب من خطاب وطني أو إقليمي إلى خطاب أممي مقاوم يستهدف بناء تحالف استراتيجي واسع.
ويتم في هذا السياق إنتاج مفهوم «الحرب المفروضة» وإعادة تعريفه ليس كصراع حدودي، بل كمواجهة وجودية مع منظومة الهيمنة العالمية التي تحاول إخضاع الإرادة السياسية المستقلة. ويعكس هذا التوجه وعيًا عميقًا بآليات الهيمنة الرمزية، حيث يتحول الصراع من مواجهة مادية إلى معركة دلالية تستهدف تفكيك الروايات المهيمنة، وإعادة إنتاج السرديات البديلة التي تمكّن المستضعفين من استعادة صوتهم التاريخي. إن دمج الدين بالمقاومة في هذا الخطاب لا يمثل محاولة لتسييس المقدس، بل يمثل استراتيجية لإعادة تأطير السياسي ضمن مرجعية أخلاقية ودينية واضحة، تهدف إلى تفكيك هيمنة العقلانية الأداة، وإعادة التوازن إلى العلاقة بين الإنسان والقوة، وبين الجماعة والنظام الدولي. ومن منظور فيركلوف، فإن تكرار شعار «الله أكبر» يمثل ما يسميه «التكرار الاستراتيجي»، الذي يعمل على ترسيخ الدلالة الجديدة في الوعي الجمعي عبر التعرض المتعمد والمتكرر في سياقات مختلفة[6].
فكل مرة يُذكر فيها الشعار في الخطاب، لا يُقصد به المعنى اللغوي الأولي، بل يُستحضر كإطار مرجعي يربط بين التجربة الشخصية والذاكرة الجماعية، وبين الحدث التاريخي والرهان المستقبلي. وهكذا، يتحول الشعار من عبارة دينية إلى نواة سردية متماسكة، تحمل في طياتها مشروعًا سياسيًا متكاملًا، وتُشكّل بنية خطابية قادرة على الصمود أمام الحملات الإعلامية والسياسية المضادة، مما يجعلها أداة خطابية واستراتيجية بامتياز في صراعات الهيمنة المعاصرة.
ويتضح هذا البعد جليًا في الانتقال من الاستحضار التاريخي إلى التوظيف الجيوسياسي المباشر، حيث يربط الخطاب بين الشعار والتطورات الميدانية في حزيران ٢٠٢٥، مُعيدًا صياغة الضربات العسكرية ليس كأحداث عابرة، بل كتتويج لمسار تراكمي يمتد جذوره في العقيدة والثورة. هذا الربط الزمني لا يخدم فقط وظيفة تعبوية، بل يعمل كآلية لإضفاء الشرعية التاريخية على الفعل المعاصر، مما يجعل المقاومة جزءًا من استمرارية نبوية وإبراهيمية تتجاوز الزمان والمكان. ومن منظور فانون، فإن هذا النوع من السردية يمثل لحظة «استعادة التاريخ» من قبل المهمشين، الذين يرفضون التمثيل الخارجي الذي يقدمهم كضحايا سلبيين، ويعيدون إنتاج أنفسهم كفاعلين صانعين للمعنى والتغيير[7].
وفي هذا السياق، يتحول «الله أكبر» من عبارة ذكر إلى إطار تفسيري شامل، يربط بين الألم والأمل، بين الخسارة والانتصار، بين الواقع الراهن والمستقبل الموعود، مما يخلق نسيجًا دلاليًا متماسكًا يصمد أمام التفكيك الخارجي، ويعزز التماسك الداخلي في لحظات الضعف والحصار.
ويُعاد في هذا المحور إنتاج مفهوم «الجبهة المقاومة» ليس كتحالف عسكري مؤقت، بل ككيان هوياتي يتأسس على الاشتراك في المرجعية والذاكرة والمصير. إن الخطاب لا يكتفي بذكر الأسماء الجغرافية، بل يربطها بنسيج سردي واحد يجمع بين النضال والتضحية والصمود، مما يحول التحالف من صفقة مصلحية إلى مشروع وجودي. ويعكس هذا التحويل وعيًا دقيقًا بآليات بناء التحالفات في العصر الراهن، حيث تتجاوز الروابط المادية والإستراتيجية إلى الروابط الرمزية والقيمية التي تصمد أمام تغيرات الموازين المادية. ومن منظور كاستلز، فإن هذا النموذج يمثل ما يسميه «شبكة الهوية المقاومة»، التي تنشأ عندما تتفاعل مجموعات متنوعة جغرافيًا وثقافيًا حول سردية مشتركة تتصدى لمشروع العولمة الأحادي، مما يخلق فضاءً رمزيًا عابرًا للدول يربط بين الفاعلين السياسيين والدينيين في مناطق متباعدة[8]. وفي هذا السياق، يتحول الشعار من أداة محلية إلى لغة أممية، توحد بين شعوب لا تجمعها حدود جغرافية، لكنها تتشارك في رفض الهيمنة، والسعي للعدالة، والإيمان بقدرة الإرادة الجماعية على تغيير موازين القوى. وهكذا، يصبح «الله أكبر» ليس مجرد صوت في المساجد أو الساحات، بل نواة مشروع سياسي متكامل، يعيد تعريف القوة، والشرعية، والمستقبل في مواجهة تحديات النظام الدولي المعاصر.
ثالثًا: بنية القيادة والشهادة: آليات استمرارية الهوية المقاوِمة
يعيد الخطاب إنتاج مفهومي القيادة والشهادة بوصفهما محورين أساسيين لاستمرارية المشروع الثوري وعدم انقطاعه، حتى في ظل الفقدان الجسدي للرموز المركزية. يشير الخطاب صراحةً إلى «استشهاد القائد العظيم الشأن آية الله السيد علي الحسيني الخامنئي»، ويعيد صياغة هذا الحدث ليس كنقطة نهاية، بل كـ«بعثة إلهية» جديدة تتجلى في صمود الشعب، وإنجازاته المشرفة، وحضوره الفاعل في كل ميدان. وفق نظرية الهوية الاجتماعية، فإن هذا النوع من الخطاب لا يكتفي بوصف الجماعات الموجودة مسبقًا، بل يساهم بنشاط في إنتاجها ككيانات متخيلة تقوم على شعور مشترك بالانتماء، والذاكرة الجماعية، والمصير المشترك[9]. وبذلك يتحول الخطاب إلى أداة لإعادة تعريف «من نحن» في مقابل «الآخر»، حيث تُستثمر طقوس التضحية والولاء كوسيلة لتعزيز التماسك الداخلي، وتجاوز الانقسامات البنيوية، مما يعزز فاعلية الجماعة في الفضاء السياسي الدولي.
ويبرز الخطاب آليات واضحة لبناء هذه الهوية، أولها توظيف الذاكرة التاريخية المشتركة، حيث يتم استحضار نماذج من المقاومة الإسلامية عبر العصور، وربطها بالواقع المعاصر، مما يخلق استمرارية دلالية تجعل الحاضر امتدادًا للماضي، والمستقبل استمرارًا للمشروع الحالي. ثانيها، اعتماد لغة التضامن العابر للحدود، التي تربط بين معاناة الشعوب في مناطق جغرافية متباعدة، وتعزلها في إطار سردي واحد يجمع بين الألم المشترك، والأمل المشترك، والنضال المشترك. ثالثها، إعادة تعريف الانتماء ليس كعلاقة إدارية أو قانونية بدولة قومية، بل كالتزام أخلاقي وسياسي بمبادئ المقاومة والعدالة، مما يجعل الهوية مشروعًا ديناميًا قابلًا للتوسع والانجذاب، بدلًا من كونه حدودًا ثابتة مغلقة. وتعمل هذه الآليات مجتمعة على إنتاج ما يمكن تسميته بـ«الهوية المقاومة»، التي لا تُعرَّف بالسلب فقط عبر رفض الآخر، بل تُؤسَّس بالإيجاب عبر التأكيد على قيم العدل، والكرامة، والاستقلال، والتحرر من الهيمنة الثقافية والسياسية. وفي هذا السياق، تتحول المناسك الدينية من طقوس فردية إلى محطات توحيدية تعزز الشعور بالانتماء إلى جماعة أكبر، تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية، وتعيد إنتاج الذات الجماعية كفاعل تاريخي مؤثر في صياغة النظام الدولي.
ومن منظور بنديكت أندرسون، فإن هذا البناء للهوية الجماعية يتقاطع مع مفهوم «الجماعات المتخيلة»، حيث يعمل الخطاب على خلق شعور بالانتماء المشترك بين أفراد لا يعرفون بعضهم شخصيًا، ولكنهم يتشاركون في سردية تاريخية ومصير مستقبلي واحد[10]. وفي خطاب الحج، لا تمثل الشهادة خسارة وجودية، بل نقطة تحول رمزية تعيد إنتاج القيادة ككيان مستمر، غير قابل للانقطاع بالجسد، مما يضمن استمرارية المشروع الثوري رغم محاولات الاستهداف والتصفية. وهكذا، تتحول الذكرى من مناسبة حداد إلى رافعة سياسية، تتجدد فيها الشرعية الرمزية، ويُعاد فيها تأكيد استقلالية القرار الوطني والإسلامي في وجه الضغوط الخارجية المتواصلة.
ويعكس هذا التحول وعيًا عميقًا بآليات إنتاج الاستمرارية في الحركات السياسية والدينية، حيث يتم تحويل الفقدان من نقطة ضعف إلى مصدر قوة، وتحويل الذاكرة من أرشيف ماضٍ إلى محرك مستقبلي. ومن منظور غرامشي، فإن هذا النوع من التحويل يمثل «حرب المواقع» الرمزية، التي تهدف إلى كسر احتكار السرديات من قبل القوى المهيمنة، وإعادة إنتاج الذات كفاعل تاريخي مستقل قادر على صياغة مساره الخاص[11].
ويُظهر الخطاب كيف يتم دمج البعد الشخصي للقيادة مع البعد الجماعي للأمة، بحيث تتحول السيرة الذاتية للرموز إلى سيرة جماعية تعكس نضال الشعب وتضحياته. هذا الدمج لا يلغي دور الفرد، بل يرفعه إلى مستوى يرمز للجماعة، مما يجعل القيادة امتدادًا للوعي الشعبي، والشهادة تتويجًا لمسار النضال الجمعي. ويعكس هذا التوظيف وعيًا دقيقًا بآليات بناء الزعامة في السياقات الثورية، حيث لا تقوم القيادة على السلطة الإدارية فحسب، بل على الشرعية الرمزية والقدوة الأخلاقية والالتزام الثابت بالمبادئ. وفي هذا السياق، تتحول الشهادة من حدث فردي إلى لحظة تأسيسية جماعية، تعيد تعريف معنى التضحية، وتربط بين الدماء المسفوحة والمستقبل الموعود، مما يخلق نسيجًا دلاليًا يربط بين الماضي والحاضر، بين الأرض والسماء، بين الألم والأمل.
ومن منظور فانون، فإن هذا النوع من البناء الرمزي يمثل مرحلة نضج الوعي التحرري، حيث يتجاوز المستضعِف مرحلة رد الفعل إلى مرحلة الفعل المؤسس، ويعيد إنتاج ذاته كصاحب مصير، لا كضحية ظرف[12]. وهكذا، يتحول الخطاب من سردية حداد إلى خطاب تأسيس، يبني المستقبل على أساس الذاكرة، ويستمد القوة من الاستمرارية، ويعيد تعريف المقاومة كمشروع وجودي لا يتوقف بموت الاجساد، بل يتجدد بإرادة الأحياء.
رابعًا: البراءة من المستكبرين وهندسة النظام الإقليمي: من الشعائر إلى الجيوسياسية
يُظهر الخطاب نمطًا واضحًا ومنهجيًا في بناء صورة العدو، حيث يتم اختزال القوى الدولية والأنظمة الهيمنية في كيانات تمثل «الاستكبار» و«الهيمنة»، ويتم إعادة تعريف الصراع ليس كتنافس على الموارد أو النفوذ الجغرافي فحسب، بل كمواجهة وجودية بين قيمتين متعارضتين: العدالة والظلم، والتحرر والهيمنة، والاستقلال والتبعية.
ويأخذ هذا البناء شكل ثنائية حادة بين المستضعفين والمستكبرين، والتي لا تمثل مجرد توصيف سياسي، بل إطارًا تفسيريًا شاملاً يعيد قراءة التاريخ والواقع والمستقبل وفق معايير أخلاقية ودينية واضحة. ومن منظور غرامشي، فإن هذا التمثيل لا يعبر فقط عن صراع سياسي، بل عن صراع على الشرعية والهيمنة الرمزية، حيث يتم تحويل الصراع الدولي إلى صراع أخلاقي-عقائدي يهدف إلى تفكيك الإجماع المهيمن وبناء إجماع بديل يستند إلى مرجعية المستضعفين[13]. ويتبنى الخطاب آليات محددة في إنتاج صورة العدو، أولها تجريد العدو من الشرعية الأخلاقية والسياسية، من خلال ربط ممارساته التاريخية والمعاصرة بأنماط من الظلم، والاستغلال، والهيمنة الثقافية، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول المستقلة. ثانيها، تحويل العدو من كيان بشري أو دولة محددة إلى بنية هيمنية عالمية، مما يجعل المواجهة ليست مع شعب أو نظام بعينه، بل مع منظومة قيم وممارسات تمارس الإقصاء والاستبداد على نطاق واسع. ثالثها، إعادة تعريف المقاومة كواجب أخلاقي وسياسي، وليس كخيار تكتيكي، مما يمنح الفعل المقاوم شرعية دينية وإنسانية متزامنة، ويجعل الصراع ليس مجرد مواجهة عسكرية أو سياسية، بل مواجهة وجودية على صعيد القيم والهوية والتاريخ.
ويتم في هذا السياق إنتاج مفهوم «البراءة» و«التولي» كأدوات تفكيك للهياكل الهيمنية القائمة، حيث تتحول هذه المفاهيم من أحكام فقهية إلى أطر سياسية تنظم علاقة الذات بالآخر، وتحدد حدود الولاء والعداء وفقًا لمعايير العدل والظلم، وليس وفقًا للانتماءات الجغرافية أو المصالح الضيقة. ويعكس هذا التوجه وعيًا عميقًا بآليات الهيمنة الرمزية، حيث يتحول الصراع من مواجهة مادية إلى معركة دلالية تستهدف تفكيك الروايات المهيمنة، وإعادة إنتاج السرديات البديلة التي تمكّن المستضعفين من استعادة صوتهم التاريخي، وإعادة تعريف موقعهم في النظام الدولي.
إن بناء صورة العدو في هذا الخطاب لا يهدف إلى التحريض الأعمى أو التعميم غير المدروس، بل يمثل استراتيجية دلالية معقدة تعيد تعريف حدود الصراع، وتوضح طبيعة المواجهة، وتؤسس لإطار أخلاقي وسياسي يوجه الفعل الجمعي. ومن منظور فانون، فإن هذا النوع من البراءة يمثل لحظة القطيعة الرمزية مع المستكبر، والتي لا تقتصر على الرفض السياسي، بل تمتد لتشمل إعادة بناء الذات من الداخل، وتحرير العقل من هيمنة السرديات الخارجية[14]. وفي خطاب الحج، تتحول البراءة من طقس موسمي إلى مشروع إقليمي وعالمي، يهدف إلى إعادة هندسة النظام الدولي على أسس من العدالة والاستقلال، وإنهاء الوجود العسكري والثقافي للقوى الهيمنية في المنطقة. وهكذا، يتحول الشعار من عبارة احتجاجية إلى إطار تأسيسي للنظام الجديد، يعلن عن نهاية حقبة الهيمنة الأحادية، وبداية حقبة التعددية المقاومة التي تستند إلى الانتماء الإسلامي المشترك والإرادة السياسية المستقلة.
ويُظهر الخطاب كيف تتجاوز البراءة المستوى الرمزي لتتحول إلى مشروع جيوسياسي ملموس، يربط بين رفض القواعد الأجنبية، ورفض التبعية الاقتصادية، ورفض الهيمنة الإعلامية، في نسيج واحد متكامل. هذا الربط لا يقتصر على النقد، بل يقدم بديلًا واضحًا يقوم على التعاون الإسلامي، والتكامل الإقليمي، والتضامن الأممي، مما يحول البراءة من فعل سلبي إلى فعل تأسيس إيجابي. ويعكس هذا التحويل وعيًا دقيقًا بآليات إعادة هيكلة النظام الإقليمي، حيث لا يكفي رفض الهيمنة القديمة لبناء نظام جديد، بل يجب تقديم نموذج بديل يجمع بين الشرعية الأخلاقية والفاعلية السياسية. ومن منظور كاستلز، فإن هذا النموذج يمثل ما يسميه «مشروع الهوية التحويلي»، الذي لا يكتفي بالمقاومة السلبية، بل يسعى إلى بناء مؤسسات، وشبكات، وسرديات بديلة قادرة على استبدال النظام القديم بنظام جديد يقوم على مبادئ العدل والتعاون والكرامة[15]. وفي هذا السياق، تتحول البراءة من شعار موسم حج إلى إطار تأسيسي للعلاقات الدولية، يعيد تعريف مفهوم السيادة، ويؤسس لتحالفات جديدة تقوم على الانتماء القيمي بدلًا من المصالح الآنية، مما يخلق فضاءً سياسيًا جديدًا يتجاوز الحدود التقليدية، ويعيد رسم الخارطة الجيوسياسية وفقًا لمعايير تتجاوز منطق القوة المحض.
ويُعيد الخطاب إنتاج مفهومي «الفتح» و«الأمل» كعناصر مركزية في هذا المشروع، حيث لا يقتصر النضال على الدفاع عن الوجود، بل يمتد إلى بناء المستقبل، ونقل رواية الصمود إلى الأجيال القادمة، وتحويل الحجيج إلى سفراء لهذه الرسالة. هذا التحويل لا يمثل خطابًا عاطفيًا عابرًا، بل استراتيجية طويلة المدى لإعادة إنتاج الذاكرة الجماعية، وترسيخ ثقافة الصمود، وتحويل المناسك إلى مختبرات حية لصياغة النظام الإسلامي الجديد.
ومن منظور فيركلوف، فإن هذا النوع من التحويل يمثل ما يسميه «إنتاج الممارسة الاجتماعية عبر الخطاب»، حيث يتحول النص من أداة وصف إلى فاعل استراتيجي يغير الواقع، ويعيد ترتيب علاقات القوة، ويؤسس لنظام جديد من المعاني والممارسات[16]. وهكذا، تتحول البراءة من طقس ديني إلى مشروع حضاري، يربط بين الإيمان والسياسة، بين العبادة والبناء، بين الرفض والتأسيس، مما يخلق نسيجًا دلاليًا متماسكًا يصمد أمام التحديات، ويعيد تعريف معنى المقاومة في العصر الراهن.
الخاتمة
يتبين من خلال التحليل النقدي للخطاب الديني السياسي محل الدراسة أنه يتجاوز البعد الوعظي التقليدي، ليؤسس لرؤية سياسية شاملة تعيد تعريف الشعائر الدينية ضمن إطار مقاوم عالمي، وتوظف الرموز الدينية كأدوات فاعلة في تشكيل الوعي الجمعي، وإعادة إنتاج الهوية الإسلامية بوصفها هوية سياسية عابرة للحدود، كما يعيد بناء مفهوم العدو ضمن ثنائية صراعية واضحة تقوم على معايير أخلاقية وسياسية محددة.
النتائج
١. إعادة تأويل التلبية والمناسك بوصفها ممارسة سياسية رمزية تعيد ترتيب العلاقة بين المقدس والسياسي، وتحوّل الحج من طقس منقطع إلى مشروع تحرري مستمر يقوم على الهجرة الرمزية الدائمة من التبعية إلى الاستقلال.
٢. توظيف شعار «الله أكبر» كأداة خطابية واستراتيجية تربط بين التراث الثوري والنضال المعاصر، وتحول الصراع من مواجهة مادية إلى حرب مواقع رمزية وأخلاقية تعتمد على التكرار الاستراتيجي وصناعة الإجماع المضاد.
٣. بناء هوية جماعية عابرة للدول تقوم على انتماء ديني وسياسي متداخل، وتستند إلى الذاكرة المشتركة، والتضامن الأخلاقي، والرفض الجمعي للهيمنة الخارجية، مع تحويل الاستشهاد من نقطة انقطاع إلى رافعة لاستمرارية المشروع الثوري.
٤. إنتاج صورة صراعية للعالم تعتمد على ثنائية المستضعف والمستكبر كإطار تفسيري مهيمن، وتعيد تعريف البراءة من المستكبرين كأداة لإعادة تشكيل النظام الإقليمي وإنهاء الوجود العسكري والثقافي للقوى الهيمنية عبر هندسة جيوسياسية بديلة تقوم على التعاون والتكامل.
التوصيات
• اعتماد تحليل الخطاب كأداة منهجية أساسية في الدراسات السياسية والدينية لفك شفرات الخطابات الرسمية، وكشف آليات إنتاج المعنى والهيمنة الرمزية في السياقات المعاصرة.
• تعزيز البحث الأكاديمي في آليات توظيف الرموز الدينية في الصراعات الجيوسياسية المعاصرة، وفهم دور الشعائر في تشكيل التحالفات السياسية والمواقف الدولية.
• تطوير مناهج تعليمية وتدريبية تربط بين الدراسات الدينية والتحليل السياسي، بهدف تمكين الباحثين والمتخصصين من قراءة تداخلات الهوية، والمقاومة، والخطاب في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي.
• إنشاء مراصد أكاديمية متخصصة في متابعة تطور الخطابات الدينية السياسية، وتحليل تأثيرها على السياسات العامة، والتحالفات الإقليمية، والمواقف الدولية.
مقترحات لدراسات مستقبلية
• دراسة مقارنة بين خطابات دينية سياسية مختلفة في الشرق الأوسط وآسيا، لفهم التباين في آليات توظيف الرموز الدينية وبناء الهوية والمقاومة في سياقات ثقافية وجيوسياسية متعددة.
• تحليل تطور مفهوم المقاومة في الخطابات المعاصرة وعلاقته بالتحولات الرقمية والإعلامية، ودور المنصات الإلكترونية في إنتاج وتوسيع نطاق السرديات المقاومة.
• دراسة أثر الخطاب الديني على السياسات الإقليمية ومواقف الدول من التحالفات الدولية، مع التركيز على دور المؤسسات الدينية كفاعل استراتيجي في صياغة السياسات العامة وإعادة تعريف حدود السيادة.
• بحث العلاقة بين الهوية الدينية والهوية الوطنية في ظل العولمة، وكيفية تفاعل الخطابات الرسمية مع تحديات الانتماء المزدوج والتعددية الثقافية في العالم الإسلامي.
ويظل الخطاب الديني السياسي فضاءً حيويًا يستحق المتابعة الأكاديمية الدقيقة، خصوصًا في ظل تزايد تأثير العوامل الرمزية في تشكيل التحالفات والصراعات الدولية المعاصرة، وتعاظم دور الهويات الجماعية في إعادة ترسيم الخارطة الجيوسياسية للعالم الراهن.
قائمة المصادر والمراجع
بنديكت أندرسون: الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها، ترجمة: عمار علي حسن، دار الجمل، بيروت، ط١، ٢٠١٣م.
أنطونيو غرامشي: دفاتر السجن، ترجمة: عبد الله العروي، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط١، ١٩٨٨م.
فرانز فانون: معذبو الأرض، ترجمة: جمال الدين الشطي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط٤، ٢٠١٥م.
ميشيل فوكو: المراقبة والعقاب: ولادة السجن، ترجمة: علي مقلد، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، ط١، ٢٠١٠م.
نورمان فيركلوف: تحليل الخطاب الاجتماعي: لغة، سلطة، إيديولوجيا، ترجمة: أحمد الشافعي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط١، ٢٠١٢م.
مانويل كاستلز: قوة الهوية، ترجمة: أحمد عزت عبد الكريم، عالم المعرفة، الكويت، ط١، ٢٠٠٧م.
[1] ميشيل فوكو: المراقبة والعقاب: ولادة السجن، ترجمة: علي مقلد، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، ط١، ٢٠١٠م، ص ٢٣.
[2] نورمان فيركلوف: تحليل الخطاب الاجتماعي: لغة، سلطة، إيديولوجيا، ترجمة: أحمد الشافعي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط١، ٢٠١٢م، ص ٤٥.
[3] مانويل كاستلز: قوة الهوية، ترجمة: أحمد عزت عبد الكريم، عالم المعرفة، الكويت، ط١، ٢٠٠٧م، ص ٣٤.
[4] فرانز فانون: معذبو الأرض، ترجمة: جمال الدين الشطي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط٤، ٢٠١٥م، ص ١١٢.
[5] أنطونيو غرامشي: دفاتر السجن، ترجمة: عبد الله العروي، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط١، ١٩٨٨م، ص ٨٧.
[6] نورمان فيركلوف: تحليل الخطاب الاجتماعي، ص ٧٨.
[7] فرانز فانون: معذبو الأرض، ص ١٤٥.
[8] مانويل كاستلز: قوة الهوية، ص ٤١.
[9] بنديكت أندرسون: الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها، ترجمة: عمار علي حسن، دار الجمل، بيروت، ط١، ٢٠١٣م، ص ١٢.
[10] بنديكت أندرسون: الجماعات المتخيلة، ص ٢٣.
[11] أنطونيو غرامشي: دفاتر السجن، ص ٩١.
[12] فرانز فانون: معذبو الأرض، ص ١٦٧.
[13] أنطونيو غرامشي: دفاتر السجن، ص ٨٩.
[14] فرانز فانون: معذبو الأرض، ص ١٨٩.
[15] مانويل كاستلز: قوة الهوية، ص ٥٦.
[16] نورمان فيركلوف: تحليل الخطاب الاجتماعي، ص ١١٢.