هل ولجت السلطة اللبنانية باب الشبهة الكبرى؟

عبدالله م. بدوي · 2026-05-24

الأخبار

https://www.al-akhbar.com/NewspaperArticles/topics-opinions/888875

تثبت الوقائع، كما جرى تداولها في المجال العام، وكما أشار إليها صراحةً الرئيس نبيه بري في «الأخبار» أمس بقوله: «ذهبوا إلى الولايات المتحدة للإتيان بوقف إطلاق النار، فعادوا ليُقاتلوا الحزب»، أنّ ثمة مساراً يثير الاشتباه الجدي في انحراف المهمة المعلنة عن غايتها الأصلية. إذ إنّ هذا القول، الصادر عن مرجعية دستورية وسياسية بهذا الوزن، لا يمكن إغفاله أو تبسيطه، بل يفرض التحقق مما إذا كانت الجهة المعنية قد التزمت بحدود التفويض السياسي المعلن، أم أنها انتقلت، فعلاً أو أثراً، من السعي إلى وقف الأعمال العدائية إلى الانخراط في مسار داخلي يستهدف مكوّناً لبنانيًا أصيلاً، بما يمسّ مباشرةً مقتضيات السلم الأهلي ووحدة الجماعة الوطنية.

ويتعزز هذا الاشتباه حين يُوضع المسار في سياقه الأميركي. ذلك أنّ الولايات المتحدة، وفق ما يظهر من مجريات التفاوض، لم تقم بدور الوسيط المتوازن، بل اضطلعت بدور الجهة التي وضعت الإطار التفاوضي، وحددت قواعده، ورسمت معاييره، ونسّقت إخراجه، في ظل خطاب واضح يُجرّم مكوّناً لبنانياً على مسمع ومرأى الممثّل الرسمي للدولة اللبنانية، دون تسجيل أي اعتراض أو تحفظ. وعليه، فإنّ ربط وقف الأعمال العدائية بمسار تفاوضي ترعاه واشنطن، مع تثبيت الأولوية الأمنية الإسرائيلية بوصفها السقف الحاكم لهذا المسار، يكشف عن بنية تفاوضية غير متكافئة، صيغت ابتداءً ضمن الأفق الذي يخدم مصالح إسرائيل ويعيد ترتيب أولوياتها الأمنية.

وبناءً عليه، يثور الاشتباه الجدي في أنّ دخول السلطة اللبنانية في هذا المسار لا يُعدّ مجرد إجراء دبلوماسي عابر، بل فعلاً ذا آثار سياسية وقانونية عميقة، من شأنه أن ينقلها من موقع الساعي إلى حماية المصلحة الوطنية والسيادة، إلى موقع المنخرط في إطار تفاوضي لا يعكس تلك المصلحة، بل قد يتعارض معها في جوهره واتجاهه.

وتبعاً لذلك، تنعقد مسؤولية المساءلة السياسية والدستورية، ولا يعود الصمت خياراً مشروعاً، ولا التخفيف من خطورة الوقائع مسلكاً مقبولاً. بل يغدو التحقيق في حقيقة هذا المسار، وتحديد طبيعته ونتائجه، واجباً وطنياً لا يحتمل الإرجاء أو المداراة. وعلى هذا الأساس، يطرح السؤال الآتي بوصفه سؤالاً اتهامياً مشروعاً يستدعي جواباً واضحاً وصريحاً: هل انتقال السلطة اللبنانية إلى تفاوض مباشر مع إسرائيل، ضمن هذه الوقائع وهذا السياق، يثير شبهة الخيانة العظمى بحقّ لبنان؟ وقد جاءت إسرائيل نفسها لتمنح هذا الاستنتاج ثقله الأوضح.

فالارتياح الإسرائيلي العلني إلى المحادثات لا يجوز الاستهانة به، لأن خطورته لا تكمن في حدّته اللفظية، بل في انسجامه مع سائر الوقائع: استمرار الحرب، سقوط شرط وقف النار، التركيز على حزب الله بوصفه أصل المشكلة وأصولها والمحور التفاوضي الرئيسي، والتغييب الكامل لجرائم الاحتلال التاريخية، وفتح الباب أمام ترتيبات اسرائيلية تتجاوز حدود السيادة والكرامة الوطنية اللبنانية. وهذه ليست لغة طرف أُكره على ما لا يريد، بل لغة طرف رأى في المسار ما يوافق منطقه ويخدم أفقه. وحين يشعر العدو أن المفاوضات تسير في المجال الذي يريده، فهذه علامة فائقة الدلالة، لا تفصيلاً عابراً.

كان ثمة ميزان ضغط متبادل، وكان لدى لبنان ما يمكن أن يمنع انزلاقه إلى تفاوض مجاني


وأكثر ما لفت النظر إلى تبرير التفاوض تلك السردية السهلة التي صورت لبنان كما لو أنه كان وحده في موقع الضعف المحض. نعم، لبنان كان تحت النار، لكن إسرائيل لم تكن في حال راحة أو استرخاء، بل كانت تحت ضغوط ميدانية وأعباء سياسية وأمنية واقتصادية، كما كانت تواجه حرجاً أخلاقياً دولياً متصاعداً ارتباطاً بجرائمها في غزة. وهذا يعني أن التفاوض لم يكن منحة منها، بل حاجة لها أيضاً. ومن هنا يسقط العذر الأكثر تداولاً: أن السلطة لم يكن أمامها إلا هذا السبيل. فالوقائع تشير إلى غير ذلك: كان ثمة ميزان ضغط متبادل، وكان لدى لبنان ما يمكن أن يمنع انزلاقه إلى تفاوض مجاني.

وهنا نبلغ الباب الأشد إيلاماً: باب أوراق القوة التي لم تكن معدومة، بل كانت موجودة ثم جرى تعطيلها. لقد كان ثمة ضغط ميداني حقيقي على المستوطنين يفرض على إسرائيل كلفة مستمرة، وكان ثمة مناخ إقليمي ودولي أوسع يمكن الإفادة منه لتثبيت شرط وقف العدوان (أزمة هرمز)، وكان ثمة أيضاً ضغط أخلاقي وسياسي دولي على إسرائيل، ثم كانت هناك، فوق ذلك كله، حقيقة لا يجوز شطبها: أن في لبنان قوة ردع فعلية، وأن هذه القوة كانت، موضوعياً، جزءاً من ميزان الضغط لا عبئاً يجب محوه من الحساب. غير أن السلطة دخلت إلى المسار كما لو أن كل هذه العناصر لا وزن لها، أو كما لو أن التفاوض ينبغي أن يُفصل عمداً عن مصادر القوة التي يمكن أن تسنده. وهذا، في جوهره، ليس مجرد سوء تقدير، بل تفريط سياسي بالغ الخطورة.

ولا تكتمل صورة الشبهة إلا حين يُنظر إلى هذه الوقائع من زاوية الشعب اللبناني نفسه. فهذا المسار لم يجرِ والبلاد تنعم بهدنة، بل جرى والناس تحت القتل والتهجير والخراب. وهنا لا تعود القضية مجرد سؤال في فنون التفاوض، بل تصبح سؤالاً في ترتيب الأولويات الوطنية والأخلاقية: ما الذي كان ينبغي أن يأتي أولًا؟ وقف العدوان وحماية المجتمع، أم فتح القناة مع العدو تحت النار؟

لهذا كله، لا يمكن القول إن الحكم قد صدر، كما لا يمكن إنكار أن الشبهة قد قامت. والحقيقة الأشد اتزانًا أن شبهة قوية وجدية قد نشأت، تمسّ، في أقصى مداها، مفهوم الخيانة العظمى نفسه. فهي قائمة لأن القانون اللبناني لا يمنح هذا السلوك أصل البراءة، وقائمة لأن الشرط اللبناني سقط واستمر المسار بعد سقوطه، وقائمة لأن الإطار الأميركي لم يكن محايداً، ولأن إسرائيل نفسها رأت في العملية خدمة كبيرة تصب في مصلحتها من قبل السلطة اللبنانية، ولأن أوراق القوة اللبنانية لم تكن معدومة، بل جرى تعطيلها عن سابق تصور وتصميم. وهي قائمة، قبل كل شيء، لأن الشعب اللبناني كان لا يزال يدفع بالدم والخراب ثمن اللحظة، فيما كانت السلطة تفتح القناة مع العدو.

أمام هذه الوقائع، كيف يمكن للمشرّعين والحقوقيين والمؤسسات المعنية أن يتجاهلوا قيام شبهة الخيانة العظمى، أو يمتنعوا عن التحقق منها وإخضاعها للمساءلة القانونية الواجبة؟